لنعط العقل فرصة.. هذه سورية صرة الشرق وقلب العرب النابض ورأس حربة التضامن العربي وسيف المقاومة.. من حمى مقاومات فلسطين طوال فترة الصراع العربي – الاسرائيلي الاشرس، هل استجرأت اي دولة عربية على ذلك؟ ومن حمى لبنان وحقق له انسحاب اسرائيل وساهم بكل قوة في تحقيق انتصار المقاومة فيه على اسرائيل، في الوقت الذي كانت الدول العربية التي تتباكى على الشعب السوري الان – ليست فقط سلبية بل في صف اسرائيل لقتل المقاومة – ثم هل كان العراق العظيم سينتصر ويحقق استقلاله لولا مقاومته الجبارة التي كانت تتغذى وتلقى دعما شاملا منذ اليوم الاول من النظام السوري باعتراف امريكا والغرب، والذي تتكالب القوى التي حاربها عليه الان لاسقاطه، عن طريق ركوب موجة وحق الاصلاح الذي خرج الشعب السوري العظيم الى الشارع يطالب به؟
ألم يدفع السوريون 75 بالمئة من ميزانياتهم طوال اكثر من خمسين عاما على التسليح كي يحافظوا على ارضهم ويدعموا المقاومات العربية اينما وجدت، ألم يجع السوريون كي يحافظوا على وحدة المصير مع الاشقاء العرب؟ هل يعتقد اي عاقل او انسان عربي مهما عظم او صغر وعيه ان قلب الغرب علينا وعلى دمقرطتنا.. والله انهم سيحاربوننا بكل وسائل الدمار اذا فكرنا في الاصلاح او التقدم علميا او عسكريا، ومثال العراق وايران شاهد على ذلك وقصف مفاعلات العراق وسورية دليل اضافي.. الغرب يحتكر التقدم لم ولن يسمح لاحد منا بامتلاك ناصية الاستقلال والمنعة والكرامة؟
هل هناك اي قيادة عربية دون استثناء تطبق الديمقراطية او تحترم الانسان او تسعى للرقي بالعرب؟ أليسوا كلهم صنيعة استعمار او وكلاء له او معينون ومحميون من قبله على حساب شعوبهم؟ ان العبرة في الخواتم؟ ماذا تغير في مصر الا حرية ان نسب ونصرخ، أليست هناك محاولات مستميتة غربية وعربية لاشعال نار الفتنة واعادة – اذا لم يكن النظام السابق فاحد اركانه – لكن بصورة مختلفة للحكم؟ هل هذه هي نتائج الثورات التي نريد، هل تحقق الاستقرار السياسي والاجتماعي في تونس بعد الثورة المباركة لشعبها العظيم، هل الهدف هو تغيير الوجوه فقط على كلاحتها؟ هل هناك اي استراتيجية لدى المعارضة في سورية او غيرها لبناء الوطن بدل تهديمه واعادة تلزيمه للشركات الغربية والخليجية والتركية، أليست هذه صفقة تجارية بحتة لا علاقة لها بمعاناة الشعب السوري العظيم او اراقة دمه وحقوقه المشروعة الناصعة البياض والحق.
علينا ان نوضح ماذا نريد وما هي بدائلنا لا بدائل من يحرك بعض معارضاتنا ويمولها، هل هو الاصلاح الشامل بدءا بالامن، وهو مطلب 23 مليون سوري دون استثناء مع اختلاف ماهية ذلك الاصلاح من جهة لاخرى.
اذا استطاع الرئيس الاسد تحقيق الاصلاح الذي وعد به الشعب السوري وهو الاصلاح عينه وكله الذي يطالب به السوريون معارضة وموالاة، فسنرى سورية مختلفة مئة وستين درجة خلال اشهر وليس سنوات، وهذا الاصلاح سيفضي الى انتخابات رئاسية سنطالب لها مراقبين عرب واجانب، ومن حق من يأخذ الاصوات الاكثر ديمقراطيا ان نعينه ونرحب به ونراقب قيادته ونصحح مساره حينما يحيد عن وعوده، أين كان من سينتصر بتلك الانتخابات، المهم انه سوري وبوصلته الشعب السوري فقط.
امس صرح السفير السوري في واشنطن عماد مصطفى ان مسؤولا كبيرا في الخارجية الامريكية طلب منه إيصال رسالة للرئيس الأسد تتضمن عددا من ‘ المطالب ‘ مقابل تغيير الموقف الأمريكي تجاه سورية، وهذه المطالب هي نفسها التي تطالب بها اسرائيل وفرنسا والغرب وهي خارجية لا علاقة لها بالشعب السوري من قريب او بعيد، وتتركز على فك الارتباط بايران كي يسهل عزلها وضربها، وازالة الغطاء عن حزب الله كي تنعم اسرائيل بتنفيذ تهويدها وباقي مخططاتها في المنطقة، وطرد قيادات جماعات المقاومة خاصة الاسلامية الفلسطينية من دمشق، وكي تمرر ذلك ستبهر طلباتها ببعض المحاسبات داخليا للفاسدين في سورية كي يظهر الغرب ان قلبه ينفطر على فقر الشعب السورية وحرمانه!
ألم يسأل اي عاقل نفسه سؤالا بسيطا وهو اذا لحق الاسد الان بركب المطالب الغربية، مثل قادة دول الاعتلال العربية ألن يكرمه هذا الغرب ويصنع له التماثيل ويغدق عليه المديح ويفتح له ابواب العواصم الغربية ويهيل عليه المساعدات، ولتذهب كل مطالب الاصلاح الداخلية الى الجحيم!
أليس من الأجدر بالولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية – اذا كانت فعلا تريد الاصلاح لا تدمير سورية اخر قلاع العرب والمقاومة – توفير الدعم لمسيرة الاصلاح والديمقراطية التي بدأت سورية تخطوها لا فرض العقوبات عليها والتي تهدف لتجويع السوريين بحيث يكفروا باستقرارهم ونظامهم ويقبلوا بتدخل الغرب ‘الرحيم’ على غرار تدخله بالعراق وقتل مليونين من سكانه، وتدمير الناتو للبنى التحتية في ليبيا وقتل المدنيين ‘بطريق الخطأ’ كما يحصل في افغانستان طوال سنوات احتلالها من قبل الغرب؟!
اننا امام استعمار غربي جديد هذه المرة وسيكون اخطر واشرس من سابقه بعشرات المرات، ببساطة لان الغرب يمر بأزمة اقتصادية طاحنة وغير مستبعد ان يلجأ الى حرب عالمية جديدة كي يحسن وضعه الاقتصادي، كما اعتاد ان يفعل حينما تضيق افقه الاقتصادية، وافضل مكان واسهل هدف واجهل شعب يمكن استغلاله هو الشعب العربي، خاصة عن طريق حرب في الخليج العربي تسحب كل ارصدة النفط عبر توجيهها لتصفية ايران التي صارت بين ليلة وضحاها لبعض العرب اخطر من اسرائيل!
سورية ماضية بالاصلاح وليس امامها اي خيار الا الاصلاح الشامل والعادل والفوري والسريع، وسورية الغد لن تكون ابدا داخليا مثل سورية الامس، فالدماء الطاهرة التي اريقت لا يمكن الا ان يكون ثمنها عظيما وغاليا في التغيير واحقاق الحقوق وعودة قوة الشعب كل الشعب لا الحزب. لنعط هذا البلد العظيم والشعب العظيم فرصة قبل ان نضيع بين مخالب وانياب وارجل الطامعين خارجيا واقليميا، فالهدف والبوصلة يجب ان يبقى الاصلاح لا التدمير وتخريب العباد وتفتيت البلاد.
سهيل زهر الدين[email protected]