تعالق الديون و القنانة: لماذا تتطير الرأسمالية من السخط الشعبي اليوناني؟

حجم الخط
0

د. خديجة صفوت تستدين اليونان 17 ترليون يورو لتسدد الفائدة على خدمة الديون وتبلغ 150′ الى 200′ من الناتج المحلي الاجمالي اليوناني ولا غرابة فديون امريكا توشك ان تفوق ناتجها القومي الاجمالي. ويبلغ ضمان اليونان لمواجهة العجز في الايفاء بالديون السيادية 157 مليارا فوق 171 مليار يورو، بأمل ان تبقى بمنطقة اليورو شريطة ان تنفذ فورا برنامج تقشف واسعا عنيفا من شأنه تجويع اليونانيين والاستغناء عن عمالتهم وتخفيض الصرف على السلع والخدمات العامة وبيع القطاع العام والثروات والمقدرات الوطنية وغير ذلك من روشتة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي سيئة السمعة.

الغواريون الاقتصاديون او اللا اقتصاديين:

بقي الاعلام الغربي يتستر على احداث اليونان طويلا الا ان الصحف البريطانية مثلا راحت الاثنين 20 والثلاثاء 21 حزيران/يونيو 2011 تعبر عن الفزع جراء استقطاب اليونانيين العنيف، وقد انقسمت بين تأييد دعم اليونان والمناداة باخراج اليونان من منظومة اليورو. ويبدو ان اشد ما يثير فزع الغرب عدوى ما من شأنها ان يصيب دول حواف اوروبا كايرلندا والبرتغال واسبانيا وربما ايطاليا التي تواجه تحديا ماليا بمغبة غلواء المصرفيين. والعدوى التي تتطير منها الرأسمالية المالية ليست وحسب عدوى احتمال نكوص اليونان عن الايفاء بديونها او – وخروجها من منطقة اليورو، وانما الاهم الاخطر انتشار السخط الشعبي العارم في مواجهة الرأسمالية المالية وقد افتضح ابطالها بصورة غير مسبوقة. وحيث يطالب الاخرون اليونان ببرنامج تقشف تباع بموجبه مقدرات اليونان القومية بخصخصة قطاع الطاقة وغيره الى ربط الاحزمة على بطون خاوية وقد ارتفعت نسبة العطالة وتدنت الاجور وضرب القطاع العام والخدمات السلع العامة وغيره من شرطيات Conditionalities صندوق النقد الدولي نيابة عن الاوليجاركيات المالية العولمية يفقر الشعب اليوناني تباعا كغيره في المقياس المدرج ويتفاقم افقاره تباعا. ولا تتحدث الرأسمالية عن الفقر ولا توجد مفردة الفقر بقاموسها، ذلك ان الاخيران يزوقان في قاموس المراكمة الرأسمالية السلعية في الربح وفي الرأسمالية المالية في الفائدة. وتراكم الاخيرة ببيع المال كسلعة في شكل ديون خاصة وسيادية. وكانت المديونية قد استعبدت العامة، خاصة الفلاحين منذ النمط العبودي حتى الاقطاع الذي لم ينته بعد. فقد خلقت المديونية الريفية وما تبرح تعيد خلق شرط استرقاق الفلاحين بغاية تعجيزهم عن التفكير بانفسهم والتنظيم في مواجهة الحكام. وحيث يؤلف الاخيرون اكثر من 80′ في افضل الشروط من سكان معظم المجتمعات تستعبد المديونية الريفية باشكالها المعلنة والغامضة اغلبية السكان. وتستدعي الرأسمالية المالية ـ واعرفها بوصفها تنويعا بالالوان الطبيعية على الاقطاع الغربي- علاقات العمل والانتاج والملكية الاقطاعية، مما تتحور معه الرأسمالية المالية الى ما يمكن ان يعرف بـ ‘الاقطاع الجديد’ وتعبر فيه علاقات العمل والانتاج والملكية – بامعان النظر قليلا – عن نفسها في اشكال القنانة بمغبة الديون. والى ذلك فقد باتت الدول أقنانا بالديون السيادية بدورها لدى الدائنين والمؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وكذا منظمة التجارة العالمية ولو بصورة اشد تزويقا. وعندما تثور الشعوب اليوم فانها تثور في الواقع على الغواريين الاقتصاديين او اللا اقتصاديين، أي المصرفيين العالميين. والصندوق مصرف خاص رغم ان اعضاء مجلسه دول، وبنك الاحتياطي الفيدرالي الامريكي المركزي مصرف خاص تملكه جمله مصارف خاصة انظر (ي) ادوارد جريفين واللين براون على الشبكة والحاخام ناثانيال رئيس منظمة ناثانيا فيديو على الشبكة. ومهمة ذلك المصرف وغيره من المصارف توفير الائتمان للافراد والدول بفائدة عالية لينثني المصرف فيتعين على تحصيل الجباية والخراج وحق الناس والنفير وحق الاربعاء والبليلة تماما، كما كان وربما ما يبرح يحدث عندنا في السودان بما يسمى الشيل وبالخراج باسمه بلا تزويق في شمال مصر وغيرها طبعا. ومهما كان شأن الثورات الشعبية التي تجتاح العوالم السفلية الا انه أذ تنداح تلك الثورات فتصل شواطئ اوروبا او تعبر الاطلسي الى امريكا ان هو الا خطر مستطير يحيق بالمصرفيين مما قد يفسر جزع الرأسمالية لما يحدث في اليونان اكثر من اي مكان اخر. ذلك ان الغرب – الرأسمالية – وقد تعينت على هزيمة الكاثوليكية الغربية منذ ان نصر قسطنطين الاول الامبراطورية الرومانية حتى اللاهوت الثوري – تتطير الرأسمالية المالية مما يحدث في اليونان. ذلك ان الذهنية الاوروبية الغربية تستدعي بيونان افتراضي حنينا الى ما اختلقته اوروبا حول اثنيا، وقد زوقها اعراب الشتات فباتت منذ ما يسمى بالتنوير سفر تكوين ما يسمى الحضارة الغربية افتراضيا مرة. هذا فيما لم يكن ثمة ما يسمى اليونان الا في السردية الغربية الملفقة. فلم يكن اليونان الافتراضي ذاك سوى عشرات المدن والدويلات لم يعرف منها اكثر من اثينا واسبارطا وكورينثيا (جراء مرور بطرس الرسول بها) وطروادة التركية طبعا. ومرة اخرى يتطير الغرب – الرأسمالية المالية خاصة من تجربة اليونان الشعبية النضالية وقد بقيت تصدر بعناد عن كل من مقاومة المقدونيين ثم العثمانيين- وقد استعمر الاخيرون اليونان 400 عام حتى ان معظم عامة اليونان الريفيين ما يبرحون يتحدث التركية والعربية. وتتطير الرأسمالية مرة ثالثة لمثابرة الحركة الشعبية اليونانية على استدعاء الكفاح المسلح في مواجهة الانظمة العسكرية. وتخشى الرأسمالية مرة رابعة الارث التنظيمي الشعبي اليوناني وعدوى التجربة اليونانية النضالية على اوروبا القارة، وقد بات محض تنظيم حركات مطلبية يجرم ويؤبلس. وحيث يندلع سخط المقاومة الشعبية المنظمة وغير المنظمة ولا يكاد يتوقف منذ العام الماضي فان المصرفيين يؤرقهم توسع قاعدة افتضاح من يقف من مصرفيي الازمة المالية الماثلة وراء ما حاق باليونان. العبودية بمغبة الديون الفردية والعامة قال امسيل روثتشايلد في 1790 دعني امتلك صكا والسيطرة على المال وبعد ذلك لن يهمني من يسن القوانين. وقياسا لم يعد ثمة حرج في الاقرار بما يفعل وما فعل الغواريون الاقتصاديون او اللااقتصاديين بالاحرى، بالاقتصاد العالمي فقد راحوا يجأرون بتسويغ ثقافة الخطأ بوصفها تيسر الابداع، فزعموا اللامسؤولية لهم في الازمة. فالازمة محصلة جشع الناس بتدافعهم للاستدانة من دون تفكر او ترو. فالمصرفيون لم يفعلوا سوى ان يسروا للناس ما كانوا يرغبون فيه مما قيض للعامة الرغد وقتها.

وازعم ان سياسة تيسير الدين العام للدولة وغواية شعوب العالم الغني قيض ما اسميه رشوة شعوب العالم الغني خصما على شعوب العالم المفقر، على غرار ما كان الرومان يرشون عامتهم خصما على العبيد والبرابرة ـ الغرباء – والمهاجرين مما يلاحظ مثلا عشية اغتيال يوليوس قيصر لحساب جماعة مارك انتوني. وحيث كان ذلك السيناريو قد قيض في شرط المراكمة الرأسمالية الصناعية – وقد بقيت تملك اعادة التوزيع حتى ان كان فارقا وتخلق العمالة حتى ان تنافس العمل على عمالة متنافصة لحساب اجور متدنية وعلاقات عمل متدنية بعد الحرب العالمية الثانية بقليل – الا ان الرأسمالية المالية لا تكترث بالعامة ولا بالعبيد والبرابرة الا بقدر ما تغوي بعضهم بالديون الفردية فافقارهم وصولا الى ارتهانهم فاسترقاقهم. وحيث لا تتحدث الرأسمالية ولا المسيحية الانكلو امريكية عن الافقار، اذ تجعل الرأسمالية الفقر عاهة الا ان الرأسمالية تطالب الدولة – حين تدعي رقة الفؤاد تخاتلا- بدفع ضرائب عن دخول الشركات الكبرى التي تعمل في المجتمعات المفقرة. فالمفهوم العقلاني- الفاحش- للفقر والمفقرين وكيفية التعامل مع تلك الظواهر الماثلة في امريكا اكثر من اي مجتمع غني اخر من شأنه ان يحقق الازدهار الاقتصادي ويخلق الثروة بغض النظر عن استلاب المفقرين مجددا حتى الفناء. ولا ادل على ذلك من معونات الدول الغربية لافريقيا مثلا ولا من قروض البنك الدولي التي تتكاذب حول ما يسمى النمو او التنمية، فيما لا يعني النمو سوى نمو فضاءات المراكمة، ولا تعني التنمية سوى التنمية في خراب المجتمعات المفقرة تباعا. ذلك ان سياسات التكييف الهيكلي Structural Adjustment Policies (SAP) التي تمأسست فوقها التنمية المشبوهة تلك لم تزد سوى ان خلقت شرط الاستحواذ على اضعاف قيمة قروض التكييف الهيكلي Structural Adjustment Loans (SAL) الحقيقية – مقابل خدمة الديون وحدها- من مجتمعات باتت وبقيت مدينة ولم تكن راغبة في الاستدانة، بل كان لها كالسودان ومصر نهاية السبعينات فائض موازنة معتبر. وكان ذلك بداية سلطة الفرد المفرد الرئاسية الممعنة في المركزية سواء عسكرية او بملابس مدنية.’ اكاديمية سودانية وناشطة مقيمة في اكسفورد ـ بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية