قراءة استراتيجية في مسار الثورة المصرية

حجم الخط
0

د. محمد بريك

ما شهدته مصر منذ 25 يناير هو حالة مخاض فريدة في التاريخ المصري المعاصر، وتمثل فرصة حقيقية لاستعادة مكونات الذات المصرية ومفاعيلها في المكان والزمان وخط النهضة والتحرر. على أنه يجب التذكير بأن الحراك الشعبي وما يحمله من زخم تغييري جارف إن لم يتطور إلى تفكيك كل مراكز قوة النظام ثم إعادة تأهيلها ضمن معادلة شعبية تنشئ عقدا اجتماعيا جديدا، فإن مفهوم (الثورة) لا ينطبق على الحالة المصرية أو التونسية قبلها.

ونشير إلى أن ما حدث حتى اللحظة لا يمثل إنهاء كاملا للنظام القديم؛ وإنما إقصاء لرأسه وإحداث إزاحات وتحويلات لبعض مراكز قوته، ولكن هناك مراكز قوى أساسية لا تزال في الخلفية تدير الأمر ومرتبطة بشكل وثيق مع القوى الخارجية. النظام المصري السابق، لمن لا يذكر، كان أساسه مؤسسة الرئاسة (الرئيس) ودخلت معها على الخط في السنوات المتأخرة مجموعة جمال مبارك، ويرتكز على عمود فقري أساس عموده القوة الأمنية والمخابراتية، أما المؤسسة العسكرية ـ كقيادة عليا ـ فهي مكون أساس ولكنها معزولة في الخلفية، منذ أواخر أيام السادات، عن التدخل في الشأن السياسي، وكانت وظيفتها الداخلية هي قابليتها للاستدعاء لمجابهة أي خطر يتهدد النظام في حال فشل المنظومة الأمنية.

وكانت أمام مبارك فرصة حقيقية لاستيعاب الاحتقان الشعبي واحتواء الثورة حتى يوم 28 يناير. حينها بدأ مبارك حسم مستقبل نظامه بخطابه كثير الاستفزاز وتصعيداته التصفوية بعدها. ونزول الجيش يوم 29 يناير كان فارقا، وكان من الطبيعي أن يبقى موقف الجيش مترددا بين الحسم لأي من الطرفين لفترة. القيادة العسكرية تفهم إن هي حاولت الاستجابة لمبارك في تصفية الاحتجاجات أنها لن تقدر، بل وسيقود ذلك إلى مجازر (بحكم المحددات الاستراتيجية التي تفرضها الطبيعة العملياتية للجيش نفسه وعقيدته القتالية وطبيعة تسليحه وتأهيله الأساس لخوض حرب نظامية وليس لفض احتجاجات شعبية أو دور بوليسي) تستفز الحراك الشعبي أكثر، وستواجه حالات عصيان كثيرة ـ وقد يتفتت الجيش ـ لأن القيادات الوسطى والصغيرة (التنفيذية) فيها حس وطني وليست معدومة الشرف. وفي المقابل ترتبط القيادة بنظام مبارك بحكم تكوينها ومصالحها الأساسية، وكذلك بسبب الخوف من أن الاستجابة المطلقة للضغط الأمريكي لعزل مبارك قد تؤدي إلى الإتيان بنظام عقيم استراتيجيا (بالنسبة لما يفهمه الجيش من الاستراتيجية، أنها قدرات تسليحية بعينها والحفاظ على سطوة إدارية مركزية) أو مهدد للمصالح الوطنية ـ كما تُعرّفها المؤسسة والتي تختلط بمصالحها الذاتية كذلك. وهذا الخليط دفع القيادة العسكرية لعدم الحسم لأي من الطرفين لفترة، ولكن إدراك الجميع مع الوقت أن الزخم الثوري لا يمكن استيعابه إلا بإزاحة مبارك، الذي كان بطبيعة الحال شبه معزول عن الإدارة التفصيلية لشؤون الحكم منذ فترة لصالح ولده، وبأنه من الممكن إدارة مرحلة ما بعد مبارك بشكل يضمن تحقيق الجزء الأكبر من مصالح الأطراف المعنية ـ دفع الجيش في نهاية الأمر لتنحية مبارك.

والثورة المصرية اليوم تتنازعها جواذب لأحد مسارين؛ التغيير الشامل والتغيير الجزئي. المسار التغييري الكامل الذي يستدعي تفكيكا لبنى النظام الأساسية والدخول في مرحلة انتقالية تقودها شخصيات مدنية تثق فيها الجماهير الشعبية، يظهر عدم إمكانيته بدون وجود قناة سياسية جبهوية تتفق على أهداف ثورية واضحة وتستطيع استيعاب الزخم الشعبي وتحويله إلى أثر سياسي، وتستطيع تمديد هذا الزخم والمناورة الضاغطة به على من يدير الشأن في الداخل والقوى الخارجية لإنجاح المرحلة الانتقالية وضمانة عدم الالتفاف على الأهداف الثورية والتلاعب بها أو تقييد إمكانية تفعيلها على الأرض بطرق سياسية أو دستورية أو أمنية. وفي هذا المسار ـ لا يُتصور وطنيا أو مصلحيا ـ السعي لتفكيك المؤسسة العسكرية حتى بتعريفها كقيادة وليست كجسد وطني ضخم؛ ولكن إعادة تكييف دورها الدستوري كمسؤولة عن الأمن القومي بشقه الخارجي وعدم تدخلها في السياق السياسي السلطوي داخليا، وكونها خاضعة تنفيذيا للقيادة السياسية المنتخبة ورقابيا للإرادة الشعبية في مجلس الشعب ـ وهذا معلوم من مفاهيم الدولة الحديثة بالضرورة ومن المتطلبات الوجودية لنظرية أمن قومي سليمة وقابلية استراتيجية صحية.

نحن الآن نعيش في مسار التغيير الجزئي الذي لا يحمل بحد ذاته ضمانة على تحقيق أهداف الثورة؛ بل العكس.. منطقه الأساس هو في كيفية تفتيت الزخم الثوري، وترتيب الوضع السياسي والاجتماعي والإعلامي بشكل يُسَكِّن بعض أعراض السخط الشعبي، ولكن يُبقي المعادلة السياسية الداخلية والنطاق الديمقراطي مستجيبة لمحددات تضعها مراكز القوى الداخلية (القيادة العسكرية/ المخابرات/ ما يعاد تشكيله مع الوقت من نويات أمنية ورأسمالية وتكنوقراط) والخارجية (الأمريكي وفي خلفيته الإسرائيلي). مهمة الثورة التغييرية لا تتحقق إلا في وضع يتم فيه تقرير جوانب السيطرة الشعبية على الحياة السياسية والمرحلة الانتقالية المفضية لتشكيل مركبات هذه الحياة وأهمها الدستور. كانت هناك ضمانة محورية وهي أن تتولى تسيير الأمر سياسيا نخبة مدنية شعبية في مجلس رئاسي أعلى وتقوم بترتيب لصياغة دستور وطني وتتولى الإشراف على تأهيل الجهاز الأمني. ولكن حتى هذه الضمانة التي انقضى أوانها اللحظة، وإن تكن في حد ذاتها فرصة لإنشاء حياة ديمقراطية في مصر؛ فإنها لا تكفي دون بقاء معادلة الضغط الشعبي في الخلفية وتطويرها لتوليد عقد اجتماعي حقيقي تتمركز فيه الأهداف الوطنية العليا في الحرية والعدل الاجتماعي والدور القائد في مشروع نهضة ووحدة وتحرر الأمة. صحيح أن هذه الأهداف تخضع لتفسيرات أيديولوجية ما بين الإسلامي والقومي والليبرالي، ولكن هناك حدودا دنيا يتفق عليها الجميع في كل من هذه التوجهات الثلاثة، ومرتبطة بهوية مصر ودورها الرسالي والقومي. فالإسلام مكوّن ثقافي وحضاري للأغلبية وشريعته مصدر رئيسي للتشريع تختاره الأغلبية.. ولكن هذا لا يتعدى على الحقوق المدنية والسياسية للأقباط ـ فضلا عن الدينية. والبعد العروبي لمصر ودورها القائد في مشروع الأمة الواحدة هو مكون أساسي كذلك؛ فلا معنى للمصرية، كما قال جمال حمدان، إلا بميزان العروبة وقيادة المشروع النهضوي والوحدوي والتحرري للأمة، ولكن لا يمكن اختراق الحساسيات الإقليمية والترتيب الاستراتيجي بشكل كامل إلا بعد امتلاك القابلية الاستراتيجية والقدرة التعبوية على ذلك، والتي ينبغي العمل الجاد عليهما. وأيّ من البعدين العروبي والإسلامي لا ينبغي أن يطغى على الحس الديمقراطي والتعددي والحرية السياسية للأقليات السياسية والدينية.

البعض قد يجادل بأن وظيفة الثورة الحالية هي إسقاط النظام، الذي لم يسقط بعد بتجلياته في الداخل والخارج.. أما بناء النظام الجديد فهو من وظيفة القوى السياسية في لحظات اختيار حر. وعلى الرغم من أن هذا الطرح لا يلتفت إلى مفهوم الثورة ـ كبعد تنظيري وكتجربة تاريخية ـ أنه بناء لنظام جديد بمعادلات كونية مختلفة؛ فإن هذا الطرح كذلك لا يراعي هشاشة الكيانات السياسية ومصلحيتها الفئوية وأن خوض المرحلة الانتقالية بمثل هذه الكيانات، مثلما هو حادث الآن، سيضيع على مصر فرصة تاريخية لإعادة تقرير جوانب العدل الاجتماعي والحرية الداخلية ودور مصر القائد في المشروع التحرري والوحدوي لأمتنا في صياغة الدستور وتنزيل مفرداته وهذا الأهم في الواقع السياسي الناشئ. الكيانات السياسية المؤدلجة (إخوان ـ أحزاب ـ تيار ليبرالي ـ يسار معتدل) تحتمل على قابلية الاستخدام والتفاهمات مع النظام لقنص مصالح فئوية ضيقة مقابل تنعيم الأجندة التغييرية التي تحقق مصلحة الوطن العليا، أوالنزعة الأيديولوجية المفرطة التي لا تراعي الاعتبارات الوطنية العامة والاستراتيجية، ثم إن هناك أمرا آخر.. وهو أن هناك طوائف واسعة من الشباب غير المؤطر الذي لا تستطيع هذه الكيانات أن تستوعبه، ومهمة استيعابه ستكون مطلبا أساسيا للنظام إذا أحبّ أن يدير المرحلة الانتقالية بشكل (نظيف) عن طريق نخبة سياسية مدنية توسّع للمؤسسة العسكرية في مدى شرعيتها الشعبية للقيام بدور الضابط السياسي.. والكثير من النخب الثقافية والسياسية، التي بالمناسبة لا تحمل وصمة في تاريخها المعلن، تقبل القيام بهذا الدور، ومنها نخب تتبني فكريا وسياسيا نهجا ليبراليا متشددا في مفارقة لأبسط بديهيات تصور المدرسة الليبرالية لطبيعة تشكيل النظام السياسي.

وجود جسد سياسي للثورة كإطار جبهوي يرفع أهدافا وطنية عامة فيها تخصيص، ولكن من دون تعمق أيديولوجي، هو مطلب وجودي لإقامة نظام حقيقي لمصر. ولا مانع بعد هذه المرحلة أن تعود الخصوصيات الأيديولوجية لفعلها ومداها المعمّق. هذا الإطار الجبهوي الواسع بقيادة واحدة وبمسار استراتيجي مُلهِم كان غيابه مُفقِدا للزخم الثوري منذ أول الأمر، خصائصَ الحسم الاستراتيجي والمناورة واتحاد الوجهة، وهو في هذه المرحلة الانتقالية يكون سببا في إنشاء نظام سياسي جديد في مصر، قد يحتوي على الكثير من الجوانب الإصلاحية والاستيعابية ولكنه يبقى محافظا على محددات النظام القديم في إبقاء خضوع مصر للترتيب الاستراتيجي في المنطقة (هيمنة أمريكية ووضعية غير معادية لإسرائيل) والالتزام بنفس سياسات المال العليا في الداخل والخارج، التي لابد من تعديلها لضمانة عدل اجتماعي حقيقي، ثم ضرورة تشكيل النظام السياسي بشكل يقيد العملية الديمقراطية ويضمن ألا يهدد منتوجها تحت أي ظرف، أيّا من الهدفين السابقين.

والنظام أمامه سبيلان لتحقيق هذا الضبط السياسي؛ الأول عن طريق التدخل المباشر (مرشح للرئاسة عسكري) وهذا أمر صعب وقد لا تحتمله الحالة الشعبية والمحيطة، والثاني عن طريق التداخل غير المباشر باصطناع معادلة سياسية لها كثير من الذاتية وحرية الحركة، ولكنها خاضعة لمحددات يضعها أمنيا وسياسيا عن طريق وضعية سياسية ودستورية مميزة لصالح القيادة العسكرية (نموذج مجلس الأمن التركي ما قبل أردوغان)، ويتحصل على هذه الوضعية عبر تفاهمه مع القوة أو القوى السياسية الرئيسة. الإشكال الأكبر أمام المشروع الوطني كان في تميّع الزخم الثوري وعدم إنضاج جسد قيادي وتعبوي له في المرحلة الثورية، ثم تفتت النخب السياسية والكيانات التقليدية وتحيزها الفئوي وسيطرة المصالح الذاتية على الكثيرين وحالة التنافس السياسي على الحظوظ السياسية في انتخابات البرلمان والرئاسة والتفاصيل البرامجية في المرحلة الانتقالية.’ باحث في الدراسات الاستراتيجية ـ جامعة ريدينج

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية