ينتقد اقصاء الموسيقى التراثية ويقول إن فن الملحون يستهوي حتى المشارقةالرباط ـ ‘القدس العربي’ ـ من الطاهر الطويل: سعيد المفتاحي مؤلف وملحن ومطرب يؤدي فن ‘الملحون التراثي المغربي، يقيم حاليا بمدينة مونت لاجولي بضواحي باريس. تلقى تعليمه للفن الملحون على يد مجموعة من شيوخ فن الملحون وبالخصوص الأستاذ أحمد أكومي والراحل الحاج الحسين التولالي، وصدرت له عدة ألبومات بالمغرب وخارجه، كان آخرها ألبوم يحمل عنوان ‘الغريب’. شارك في عدة مهرجانات لموسيقى الشعوب بمجموعة من الدول الأوروبية والعربية. التقته ‘القدس العربي’ خلال وجوده مؤخرا في وطنه الأم، وأجرت معه الحوار التالي:* أنت تقدم فن الملحون في بيئة غربية، وفرنسا تحديدا، كيف تصف تلقي ‘الآخر’ للفن المغربي، مع العلم أن هذا الآخر يريد أن ترجع إليه بضاعته، أي أن يكتفي الأجانب بتقليد تجاربه وفنونه؟* صحيح أن فرنسا ودولا غربية أخرى تركز على منتوجها الفني الخالص وتعطيه الأولوية، ولكنها أصبحت تؤمن بأنه إذا أردت معرفة شعب ما فينبغي التعرف عليه من خلال ثقافته وفنونه. وما يؤكد ذلك أن السهرات الراقية للموسيقى المغربية التي تقدم في فرنسا، يكون فيها حضور المواطنين الغربيين أكثر من المغاربة، حيث يستمتعون بالموسيقى الأندلسية أو تاعيساوت أو الملحون أو أحيدوس وبكل ما هو أصيل. هذا المعطى هو الذي سهل عليّ المأمورية، وجعلني أسعى لجعل قصيدة الملحون تنفتح على ثقافات أخرى، وتستفيد من تجارب فنية مغايرة، يمكن أن تحقق إضافات في مسار هذا الفن، حتى لا يبقى متقوقعا ومنغلقا ويقدم بطريقة مستهلكة وعتيقة.* وكيف ترى التجديد في الملحون؟* قبل الحديث عن التجديد، يجب تعميم تراثنا الفني، وهذه مسؤولية المجالس البلدية والوزارة الوصية. لنستفد من تجارب البلدان في هذا المجال، يجب تعميم المادة الموسيقية الأصيلة على كل المعاهد الموسيقية الموجودة في المغرب. وكل من يريد تعلم مادة موسيقية عالمية نشترط عليه أولا تعلم مادة تراثية، لكي يكون تراثنا حاضرا في المعاهد. ومن هنا، يمكننا أن نساهم في خلق جيل دارس للموسيقى العلمية ويفيد تراثنا الموسيقي بالعلم والدراسة.
بخصوص مسألة التجديد، أرى أنه يجب أن نُعيد النظر في طريقة تقديم قصيدة الملحون للمتلقي، بالاستفادة من كل المستجدات التقنية على مستوى الصوت والصورة وأيضا على مستوى تعاملنا نحن كمنشدين؛ إذ لم يعد مقبولا تقديم قصيدة ملحون على امتداد نصف ساعة بنوع من الرتابة في الإيقاع واللحن، فنحن نعيش عصر ما قل ودل. قدّم لي الرسالة الفنية في مدة لا تتجاوز خمس دقائق على أقصى تقدير.
ما الذي جعل قصيدة الملحون تصمد إلى اليوم؟ السبب يكمن في أنها توثق لكل مرحلة من المراحل التي تمر بها الأمة المغربية. إنها لسان معبر عن آمال وآلام وأفراح وأتراح الشعب المغربي. الآن، قصيدة الملحون توقفت، باستثناء تجارب بعض شيوخ الملحون الذين أكنّ لهم كل تقدير واحترام. وفي الوقت الذي ما زال فيه البعض يتغنى باسماء نسوية، هناك قضايا يعيشها المغرب، ينبغي أن توثق لها قصيدة الملحون وتعالجها وتطرحها، عوض أن نبقى منحصرين على مستوى الزمن والمواضيع وأيضا على مستوى اللغة، فالملاحظ أن ما جعل بعض الشباب يبتعدون عن الملحون هو معجمه القديم. الآن، هناك لغة أخرى، أي ما يطلق عليه في الملحون ‘الكلام الابيض’، وهو الكلام المفهوم عند عامة الناس، ولكنه لم يعد متداولا داخل قصيدة الملحون.
أشدّ على أيدي كل من يغني الملحون اليوم، فلولا الأسماء القليلة المتمسكة بالملحون لكان هذا الفن قد انقرض ومات. هناك من يغنيه على الطريقة الصحيحة، وهناك على الأقل من هو متمسك به.* أليس هناك تخوف من انقراضه؟* أبداً، ليس لدي أي تخوف، فليس الحكومات هي من حافظت على الملحون، بل حافظ عليه المغاربة، لأنه يعيش باستمرار في قلوبهم، وكان هو المعبر عن آمالهم ورؤيتهم للحياة، وبه يقيمون النزهات ومنه يتعلمون ويقرأون، فمن خلال قصيدة الملحون تعلم الكثيرون أمورا كثيرة تتصل بالدين والطبخ المغربي والصناعة التقليدية وتاريخ المغرب وغيرها.
ليس لدي أي تخوف من أن الملحون سيموت، ما أتخوف منه أننا ضعنا في مجموعة من ‘القياسات’ أي البحور على مستوى النظم، لم تعد تستعمل ولم يوثق لها إعلامنا، الآن القياسات التي تروج معدودة على الأصابع كقياس ‘فاطمة’، و’ناكر الحسان’، و’الأم’ و’ورقة مول الحب’ و’القلب’… أما الباقي فلا يروج إعلاميا، وبالتالي سيجعلها تختفي. أما الملحون كاسم وكقصائد فستبقى تروج. أحمد الله أن أكاديمية المملكة المغربية التفتت مؤخراً لتوثيق مجموعة من قصائد الملحون، ومن ثم أحييها بحرارة على هذا الجهد. أما بخصوص إعلامنا السمعي البصري، فينبغي أن يعيد النظر في طريقة تقديم هذا المنتوج، وكذا اختيار أناس ملمين بهذا الفن لتوثيق مجموعة من ‘القياسات’ حتى لا تندثر. ومعلوم أن الضربة التي وجهت لفن الملحون تمثلت في اختفاء الجوق الوطني لطرب الملحون الذي كان قام بدور مهم في توثيق مجموعة من ‘القياسات’.* وبرأيك، هل يمكن للجمهور العربي من بلدان عربية أخرى أن يتواصل ويتفاعل مع الملحون؟ * لقد سبق لي أن أديت أمام مجموعة من الإخوة الخليجيين قصيدتين من قصائد الملحون: ‘التوسل’ لسيدي عبد القادر العلمي وقصيدة ‘الأم’ للشاعر المعاصر المتميز عبد المجيد وهبي، ففوجئت في كيفية تعاملهم وتلقيهم للقصيدتين، لدرجة أن في قصيدة ‘التوسل’ بكى الجمهور، وقال لي أحدهم إن هذه القصيدة تضاهي أمهات الشعر العربي. كما حصل التجاوب نفسه مع قصيدة ‘الأم’. المطلوب أن يهتم إعلامنا بالملحون وبكل الأنماط التراثية العربية التي تعدّ كنوزا ثمينة في المغرب، لذا ينبغي أن ننفض عنها الغبار ونقدمها منتوجا جديدا، كما يفعل الفنانون الخليجيون. ويحز في نفسي أن المهرجانات لا تقوم بدورها في هذا المجال، ففي الوقت الذي تُستدعَى فيه أنماطنا الثقافية الأصيلة لمهرجانات عالمية، لا نعرف لحد الآن كيف نوظف هذه الأنماط داخل مهرجاناتنا، ونحصرها فقط في حفلات الاستقبال.* أنت كفنان مغربي مقيم في الخارج، كيف تنظر إلى وضعية الموسيقى والغناء بالمغرب؟* التلفزيون المغربي لا يعكس الصورة الحقيقية للإنتاجات الفنية المغربية المتألقة، وتبقى الوسيلة الوحيدة تقريبا للاطلاع عليها هي الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) وكذا المقالات التي تكتبها أقلام الكتاب والصحافيين الشرفاء. للأسف، علمت مؤخرا أن الفنانة الممثلة عائشة ماه ماه في وضع صحي لا يشرف المغرب، وتألمت كيف أن الفنان يعطى للساحة الفنية ولبلاده الشيء الكثير، ولكنه يعيش في ظروف قاسية، ويتم تجاهله حيا وميتا.
لدي أمل في التدخل الملكي لتصحيح الوضع في هذا المجال، فقد وصل السيل الزبى، الفنان المغربي مهمش ومحاصر بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وهناك مهرجانات تضيع عليها أموال طائلة، ولا تهتم بمبدعينا وفنانينا والسفراء الحقيقيين لثقافتنا وفننا ومجتمعنا ممن يساهمون في الاقتصاد الوطني أيضا من خلال المبالغ المالية المهمة التي يدخلونها إلى المغرب.* أخيرا نود أن نسألك عن جديدك الفني؟* أشتغل حاليا بمعية الفنان الموسيقار الجزائري جمال العروسي الذي يعيش في الديار الألمانية، الذي تعرّف عليه الجمهور المغربي من خلال مهرجاني الدار البيضاء وأغادير، ومؤخرا زار مدينة مراكش. أشتغل معه على عرض يحمل اسم ‘غذاء الجسد والروح’ من خلال قصيدة ‘الزردة’ لابن علي المسفيوي التي وثقت لمرحلة من مراحل الطبخ المغربي، وكذا قصيدة ‘الشعر’ للباحث والفنان الحاج أحمد سهوم اطال الله عمره.
هناك أيضا، ألبوم جديد لم تتوفر له بعد الإمكانيات، الأمر يتعلق بإصدار الملحون حقيبة فنية تضم خمس أسطوانات لبعض قصائد الملحون مشروحة بلغة العصر لشبابنا وباللغة الفرنسية، وذلك بمعية الأستاذ والفنان المبدع عبد المجيد فنيش في الجزء المتعلق بالعربية والأستاذ يونس قنديل في الجزء المتعلق بالفرنسية. كما سيصدر لي قريبا عمل فني يحمل اسم ‘بين البارح واليوم’، يتضمن موضوعات تتعلق بالثقافة والإعلام وبالعلاقات الاجتماعية.