حكاية الظلال

حجم الخط
0

أحمد الرحبيهيئات كانت تخطر في السكك والطرقات التي كأنها تعج بصور سالبة لبشر غائبين عن ملامحهم أو مسلوبين كأنما بعمل سحري لهذه الملامح، هيئات من ظلال وكأن في استعراض حياة معفية من ثقل الجسد، ظلال توارت أجسادها أو اختفت بفعل لعنة أصابت إحدى القرى أو سحر أسود حاق بأهلها ذات يوم. فعند بدايته ذلك اليوم وتحت شمس نهاره المشرقة لم يكن هناك أثر للناس سوى ظلالهم التي كانت ترتسم تحت ضوء الشمس منعكسة على أديم الأرض وفي الطرقات وعلى الجدران بهيئات بشرية خالية من الملامح المعرفة، فلا أحد باستطاعته التعرف على أحد في ذلك النهار سوى بالأصوات التي كأنها أصداء تخرج من جوف الأرض أو من شقوق الجدران. مشكلة هذه الأصوات المعرف الوحيد على أصحابها بعد أن توارت الملامح والأشكال للوجوه والأجساد خلف ظل معتم. وبعد أن أصبح هذا الوضع الغريب الذي ألم بالقرية حالة دائمة لا فكاك منها مضى عليها عشرات السنوات، يقال إن الولادات والميتات أخذت تحدث في القرية بشكل أكثر غرابة، ففي عدة مرات في السنة يقال إنه تخرج سحابة سوداء من جهة المشرق فتغطي بسوادها ضوء الشمس بما يكفي من الوقت لمسح الظلال المنعكسة ومحوها بظلها الواسع الذي يلقي بثقله على القرية، وبعد برهة فحينها تتبدد السحابة وكأنها لم تكن، كاشفة عن ضوء الشمس وتحته تعود منعكسة تلك الظلال البائسة مرة أخرى لكن بتغير واضح في أعدادها وأحجامها بما يختلف عما كانت عليه في السابق قبل ظهور السحابة، فكأن الموت بات في واقع هذه القرية مجرد اختفاء وانسلال ظلي يحدث في غمضة عين. كذلك فإن الولادات باتت في الواقع مجرد زيادة في مواجهة النقصان الحاصل في أعداد الظلال. ولقد عرفت القرية بعد مدة طويلة بعد أن شاع خبرها في البلدان والأصقاع بقرية الظلال، فكان يتحاشى المسافرون المرور بها تطيرا منها كونها قرية ملعونة في نظرهم، إلى جانب الاستحالة في التعامل مع الظلال بأي شكل من الأشكال، فقد ظلت القرية مكاناً مهجوراً يقع في زاوية قصية من مكان موحش منسي من ذاكرة البشر يمر على حافته طريق للقوافل لا يسلكه سوى الرحالة والتجار الأقوياء القلوب، فلم يكن يقصد لزيارتها إلا شغوف بكل غريب قوي في شغفه فيدفعه إلى اقتحام الأخطار وتحدي الشدائد إلى ذلك، وهم قلة من يحملون مثل هذا الشغف وقوته. ومع إن الظلال قد تحملت وحدتها لقرون وقرون من الزمن متناسلة جيلا ً بعد جيل كإصرار قوي منها على البقاء، إلا أن بعد هذه المدة الطويلة التي عانتها من الوحدة والعزلة فاضت هذه الظلال كسيل جارف متدفق لا يوقف فيضانه شي، فاضت في جوف الليل فأغرقته بهيئتها الشبحية، فذات مساء تتلون سماؤه بفضة وضاءة مشعة يسكبها القمر من عليائه على الأشياء في الأسفل ويحيلها كحلية عروس، تدفقت الظلال فغمرت الليل محققة في كنفه خلودا أبدياً: طفولة لا يدركها الشباب وشباباً لا يدركه المشيب. منذ ذلك اليوم الذي غمرت فيه الظلال الليل زادت هدهدات الأمهات لأطفالهن التي يطلقنها بصوت شجي في جوف الليل، يرجون فيها السلامة لصغارهن والنوم العميق الهادي منمنغصات أرواح الظلام التي خرجت من عقالها، وزادت طاقة الخيال واجتراحه لتفاصيل حكاية لا تمل في ليل شتائي طويل، وعمّت الليل تمتمات تعاويذ وأدعية، وعمّ الليلَ هسيسٌ لا يقف أحد على مصدره. [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية