خيري منصور
لم يرد مصطلح البعّارين في المعجم الخاص بالعيارين والشطّار، لأنه زراعي بامتياز، ويعرفه الفلاحون شرقي البحر الابيض المتوسط في مواسم الزيتون، فبعد انتهاء القطاف يتدفق البعّارون لالتقاط ما تبقى على ظلال الشجر، او ما اخطأته يد القاطف او عافته لسبب ما، كي لا يفسد الثمر السليم، وكما ان الشطّار الصعاليك عاشوا حتى بعد غروب شمسهم وانسحاب الصحراء كالبساط من تحت اقدامهم وطوّروا اساليب التأقلم مع المجتمعات الجديدة التي عرفت شيئا من الاستقرار، فإن البعّارين ايضا طوّروا مهنتهم ولم تعد حكرا على مواسم الحصاد وقطاف الزيتون.
الشطار الجدد او شطار ما بعد الحداثة عالجتهم رواية مهمة لخيري شلبي، وان كان قد انتقل بهم الى عالم السياسة وصراع الديكة على المناصب في نظم استشرى فيها الفساد، وتنتهي رواية شلبي بظهور شطّار جدد مكان الذين تواروا وراء الشمس ‘ فهم لا ينتهون ولسلالتهم قدرة فائقة تنافس الفيروسات في تطوير التأقلم ومقاومة كل المضادات’! اما العيار فقد لاحقه الناس قرونا حتى باب الدار كما يقول المثل الشعبي، واتضح لهم اخيرا أن هذه المهنة تلبس اشكالا مختلفة وفي كل مجالات الحياة، وصعلوك الأمس الذي كانت الفروسية عنصرا بنيويا في تكوينه، كما هو الحال لدى عروة بن الورد الذي قسّم جسمه في جسوم كثيرة واحتسى قراح الماس والماء بارد، فقد في عصر الدولة فروسيته الصحراوية ولم يتحول الى شخصية الأوت سايدر او اللامنتمي كما قدمها كولن ويلسون في كتابه الأول، فاللامنتمون او صعاليك ما بعد الدولة والحضارة هم حسب تعبير ولسون البثور التي تظهر على جلد حضارة في طور الاحتضار ومن قدمهم في كتابه بدءا من رامبو وديستويفسكي وراقص الباليه نجنسكي ونيتشة والمؤرخ توينبي وفيليبس لافكرافت هم لامنتمون الى العالم الذي تورطوا في الولادة فيه، لهذا عاشوا الغربة وأقصى المنفى في عقر دورهم وأوطانهم وغالبا ما انتهوا الى مصائر مأساوية..* * * * * * *لنعد الى البعّارين الذين ادركوا أن موسم قطاف الزيتون لا يزيد عن شهر واحد في العام بينما تستمر البطالة احد عشر شهرا في السنة، هؤلاء هاجرت مهنتهم من ظلال الزيتون الى ظلال النصوص والكتابة، فبعد نشر مقال او كتاب يسرعون الى ممارسة البعارة، فيلتقطون ما أمكن التقاطه من مفردات مخلوعة من سياقها تماما كما تخلع حبة الزيتون الجافة او المريضة من سياقها، وتكون حصيلة بعارتهم هي ما قاله الآخرون لكن بلا رؤى او منهج، بحيث تتحول بعارتهم الى ما يشبه طبيخ الشحادين، الذي يتراكم بلا اي تجانس في اناء، ولا بأس ان تختلط الفاصولياء بالحلوى والتفاح المتعفن مع السّمن أو الزيت.
في البداية لم تكن البعارة قدر تعلقها بالكتابة حرفة، وكانت تمارس بقدر من الخجل والاحتراز، لأن الكوابح الذاتية لم تكن قد حذفت واستؤصلت كالزائدة الدودية، لكن ما إن توارى الحياء، وصدقت نبوءة ديستويفسكي عن السماء الخالية وكذلك الأرص بحيث يصبح كل شيء مباحا ومُتاحا حتى اصبحت البعارة حرفة، وقد تصبح لها ذات يوم نقابة او اتحاد كسائر المهن، والبعّارون لم يسهموا بقطرة عرق او حبر واحدة في زراعة الشجرة وسقايتها وتشذيبها واقتلاع الاعشاب السّامة التي تمتص نخاع جذورها، لكنهم يعتقدون ان لهم الحق في الثّمر، فإن لم يستطيعوا قطفه على نحو مباشر، يلجأون الى انتظار عودة القاطفين وخلوّ المكان لممارسة بعارتهم، وكما هو الحال في الزراعة وهي توأم الثقافة بالمعنى اللغوي وجذر الاشتقاق، يحدث في الثقافة ايضا مثل هذا السطو، والذي سمي ذات يوم لدى العرب وقع الحافر على الحافر ثم تطوّر الى التناصّ، وان كان مصطلح التّلاص هو الأدق، سواء تعلق الامر بالتلصص على الاخرين او اللصوصية بمعناها الدقيق.
وغالبا ما يحار البعارون في تسويق بضاعتهم او نصوصهم، فهي تباع بأسعار متدنية اذا وجد من يشتريها وهي ايضا لا تعصر لأنها لو عصرت لأصبحت زيتا داكن اللون وعكرا ويصعب التعرف على هويته بين الزيوت النباتية.
وكما كان الناقد العربي الحصيف لا يخدع بالنّص لأنه مدرّب على التفريق بين رنين الذهب ورنين النحاس او الحديد… فإن الناقد الحديث ايضا له مثل هذه الحصافة ان كان جديرا بلقب ناقد، وليس مجرد حصاة في قاع النهر لا صلة لها بتياره كما قال ‘ غراهام هيو’. عين الناقد الصقرية تحزر على الفور البعارة وقد تعيد كل حبة الى عنقودها الذي سقطت عنه ولم تقاوم بسبب ضعفها جاذبية الأرض، وهناك أمران على الأقل يمكن رصدهما في البعارة، الأول: انعدام السياق والتناغم والمناخ النفسي، والثاني تعدد الاشجار والحقول التي تمت البعارة في ظلالها، واذا كان الفلاح يعرف الفرق بين النبالي من الزيتون والقرقيع، فالناقد ايضا يحزر هذا الفرق، لهذا فإن ما فات على قدامة بن جعفر والآمدي والجاحظ يستطيع الناقد الحديث ان يتداركه، وهو اضافة البعارين الى الشطار والعيارين، وأهم ما في هذه الاضافة هو هجرة المهنة من سياق زراعي محض الى سياقات معرفية!* * * * * * * كان الفلاحون القدماء يحرسون مزروعاتهم بفزاعات بدائية، لأنهم لا يستطيعون المكوث طيلة الليل في الحقول، وسرعان ما اكتشفت الثعالب ان هذه الفزاعات لا تتحرك، فهل أصبح مطلوبا من الكاتب العربي ان يضيف فزاعات الى ما يكتب كي لا يتم السّطو على عناقيده؟
لقد أتاح غياب النقد الجاد للبعارة ان تتعاظم لا كمهنة فقط، بل كنمط انتاج معرفي ملفّق، فقد أصبح بامكان اي بعّار ان يؤلف كتبا عن الديموقراطية والتاريخ وحتى الانثروبولوجيا، ما دامت المسألة لا تكلفه اكثر من التقاط مئة مفردة واعادة ترتيبها بحيث يكون رهانه الوحيد على وهجها، متناسيا انها تفقد هذا الوهج لمجرد انها تهاجر من السّياق والنسق اللذين كانت تتلألأ داخلهما!
ومما يجعل من مهنة البعارة مهنة سهلة وبلا حاجة الى تأهيل وتدريب كافيين ما تورط به النشر العربي من ثقافة الباعة المتجولين على العربات، ونادرا ما يكون لدور النشر العربية قرّاء من طراز البير كامو او ت. س. اليوت وغيرهما، فالأول كان من أبرز قرّاء غاليمار والثاني كان القارىء الأول وربما الأخير لمنشورات دار فايبر اند فايبر!
لقد تجاسر خيري شلبي مشكورا على رصد تطورات الشطّار في نهايات القرن العشرين فهل يتجاسر آخرون على رصد البعارة الثقافية، والبحث عن تجليات ما بعد الحداثة للعيارين؟
ان من ذكروا اسباب حرق ابي حيان التوحيدي لكتبه غاب عنهم ان خوفه من البعّارين كان احد تلك الأسباب، فهل نخلع الزيتون كله من جذوره كي تختفي ظاهرة البعارة؟
؟