علبة العلكة والملايين المسروقة وتفاحة عمر

حجم الخط
0

في الوقت الذي تصاعدت فيه مؤشرات الفساد في الوطن العربي بشكل غير مسبوق، وكانت محرضة لثورات الاصلاح وإسقاط رؤوس الفساد، تطالعنا أخبار لبعض الشعوب تجعلنا نظن أننا لسنا من نفس الطينة ولا نسكن ذات الكوكب ولا تشرق علينا ذات الشمس ويضيء سماؤنا ذات القمر! والا فلماذا يتغول الفساد في كل جوانب حياتنا وتضيق دوائره حتى الاختفاء في بلاد الغرب؟

قد نراها طرفة غريبة في بند المضحك المبكي أن تقوم وزارة الخارجية البريطانية باستدعاء شرطة سكوتلنديارد للتحقيق في سرقة علبة علكة. وقالت صحــــيفة ‘ميل اون صندي’ التي أوردت الخبر ان استدعاء الشرطة للتحقيق في سرقة علبة علكة سبب دهشــــة في البرلمان، وأضــــافت أن مصادر حكــــومية دافعت عن قرار وزارة الخارجية استدعاء الشرطة، واعتبرت أن القضية لا تتعلق بعلبة العلكة بل بالشكاوى التي قدمها موظفوها للشرطة!

وزارة من أهم الوزارات في دولة من أهم الدول ومجلس برلمانها وشرطتها يقفون للتحقيق في سرقة علبة علكة! ونحن تسرق أوطاننا بترابها ومائها وسمائها من دون أن يرف للمسؤولين جفن، ومن دون أن يجدوا من يقف لهم بالمرصاد!

هي نظرية أينشتاين النسبية عندهم: دققوا في القليل فلم يتجرأ أحد على الكثير، وحافظوا على علبة العلكة فلم يقترب أحد من الثروة والملكية العامة!

هناك اختلاف في الغنى في الغرب، ولكن ليس هناك فقر يدفع المرء أن يبيع نفسه وذمته وضميره لمن يدفع أكثر، هناك حد من الحياة المقبولة لكل الناس، ولهذا تستمر الحضارة، وينتصر الكافر الأمين نظيف اليد على المسلم الخائن الفاسد، وصدق أبو الأسود الدوؤلي عندما سئل’ من أكرم الناس عيشا؟ قال: من حسن عيش غيره في خيره، قيل: ومن أسوأ الناس عيشا؟ قال: من لا يعيش في عيشه أحد’. فهل بريطانيا والغرب اللذين نحّيا الدين جانبا أصبحا القدوة والمثال الذي يحتذى من تعساء وبؤساء العرب؟ ألهذا أصبحت مدنهم الفاضلة أقصى طموحاتنا، ومن يحصل الجنسية في بلادهم وكأنما دخل الجنة؟!

أم أننا أصبحنا لقطاء في التاريخ من غير أم وأب وأجداد يعلموننا كيف تكون الأمانة والتصرف والمحاسبة؟

لماذا أصبح الغربيون أكثر صلة بعمر بن عبد العزيز الذي كان يقسم تفاحا للمسلمين، وبينما هو يقسمه على من يستحقه إذ أخذ ابن صغير له تفاحة، فقام عمر وأخذ التفاحة من فمه، فذهب الولد إلى أمه وهو يبكي، فلما علمت السبب، اشترت له تفاحا، فلما رجع عمر شم رائحة التفاح، فقال لزوجته: يا فاطمة، هل أخذت شيئًا من تفاح المسلمين؟ فأخبرته بما حدث، فقال لها: والله لقد انتزعتها من ابني فكأنما انتزعتُها من قلبي، لكني كرهتُ أن أضيِّع نفسي بسبب تفاحة من تفاح المسلمين! ولماذا اتصل حاضرنا بقصص المافيا والفضائح والسرقات العالمية والقتلة والسفاحين وأصبحت أوطاننا مستنسخات عن مغارة علي بابا والأربعين حرامي؟ لقد أمن شطار هذا العصر العقاب فأساءوا الأدب، وظنوا أن للحق مكياليين وظنوا أنهم في المكيال الناجي، ولا يصلح الحال الا المكيال الرباني في سواسية الناس كأسنان المشط وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال’ وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها’. لقد حُفظت حبة التفاح في زمن عمر لأن الرأس كان أمينا، ولأن الجسم كان يقوّم بسيفه من يعوج عن درب الحق، ومثل هذه النتائج لا تتحقق الا بتلك الأسباب!

د. ديمة طارق طهبوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية