كفانا أوهاما.. عن ضرورة مواجهة الواقع في زمن الثورات

حجم الخط
0

د. يحيى مصطفى كامل حين يكون الواقع قبيحاً شديد القسوة، وحين تنوء الشعوب تحت ثقل أنظمةٍ قمعية شديدة البطش لا قبل لهم بمقاومتها.. حين يغص الناس بالمرارة ويحتل اليأس نفوسهم.. حين يمسخ حياتهم الفقر والعوز، في هذه الظروف لا يجدون لهم ملجأ سوى الأوهام الدافئة المريحة ينسجونها واسعةً فضفاضة تعوضهم عن مشاعر الضيق وعن كل ما سلب منهم.

إلا أن المشكلة تكمن في أن هذه الأوهام لا تحل ولا تتخطى المشاكل بل تسمح لها بالتراكم، كما أن الأفيون والمخدرات قد تسكن الآلام غير أنها لا تعالج الأمراض.. ليس ذلك فحسب، وإنما المشكلة الأكبر والأخطر في نظري هي عندما لا ندرك الآن، على نار الثورات، مدى القصور والعجز في تصوراتنا وتقييمنا للواقع.

كنت قد كتبت من قبل عن إعادة هذه الثورات الاعتبار للواقع، واليوم أكتب لأنني أشعر بالقلق، أجل.. لأنني إذ أراقب أحداث هذه الثورات التي طالت بسبب تحركاتٍ وحساباتٍ مريبة ومعقدة من القوى الخارجية وقمعٍ عنيدٍ وفتكٍ شرسٍ من جانب الأنظمة، أرى شعوبنا التي أدمنت الأوهام وصناعتها وبعضاً ممن يطلق عليهم النخب والمؤثرون على الرأي العام أخذوا في خلق ونشر المزيد من الأوهام عوضاً عن تبديدها.

بدايةً لا بد من التأكيد على أن تلك النظرة العامة عن ضرورة الأوهام لا تنفي خصوصية الشعوب، وأن كلاً منها يصنع وهماً لصيقاً بمزاجه وتكوينه الثقافي والتاريخي ذا نكهةً خاصةٍ جداً.. وعلى كل مفكرٍ أو كاتبٍ جاد ومخلص أن يجيب على بضعة أسئلة: لماذا صنعت شعوبنا أوهامها وما طبيعتها، وبالتبعية ما هو الدور المنوط بالثورات في تبديد الاوهام؟

بعد طول تفكيرٍ واجترار أقر بثقة أن الوهم العربي ابنٌ شرعي للإهانة والهزيمة والأحلام المسروقة والمحبطة من قرانٍ مشؤوم مع القمع والاستبداد؛ وإذ يحضرني هنا ما ذهب إليه مفكرٌ أوروبي عبقري من أن تراث الأجيال السابقة يربض كالجبال على وعي وحياة المعاصرين أجد ذلك لا ينطبق على أي قومٍ قدر الشعوب العربية، تلك التي استيقظت في القرن التاسع عشر لأسبابٍ ليس أقلها وآلمها صفعات وإهانات المستعمر المتفوق تقنياً وتنظيمياً، وللصراحة، حضارياً أيضاً. أفاقت الشعوب لا النخب فقط في حمى وعيٍ محتدمٍ على واقعٍ مزعجٍ من الانحطاط على كافة الأصعدة، وعلى أوطانٍ تتقاسمها قوىً استعمارية نهمة.. بدأوا يتعلمون ليكتشفوا ويتذكروا أن لهم تاريخاً عظيماً وإسهاماً حضارياً فائقاً وليتسلط عليهم سؤالٌ ملح: كيف انحطت حالنا إلى ما نحن عليه الآن؟ وشعروا بالغضب أكثر فأكثر من الهوان الذي لحق بشعوبهم، إذ ديست من سلالات المجاليب والأتراك… رويداً رويداً تشكل وعيٌ جماعي في أوقاتٍ متقاربة وتصميم على ردم الهوة الحضارية التي تفصلنا عن المستعمر وصيغ بالتدريج مشروعٌ حداثي للنهضة ذو مفاهيم عن الهوية الثقافية والقومية وبناء دولة المؤسسات الديمقراطية الحديثة، وهو بالمناسبة مشروع مزج بين الواقعية والحماسة الخطابية التي تساعد عليها اللغة العربية وتراثها تحديداً.. المهم أنه على الرغم من مقاومة قوى القديم والرجعية استمر تقدم مشروع النهضة وتطورت المجتمعات العربية، اقتصادياً واجتماعياً بما يتوافق مع ذلك من تبلورٍ طبقي وتشكلت تنظيماتٌ وأحزاب تعبر عنها.. الملاحظ هنا ملازمة الإدراك لذلك الحراك في محاولاتٍ للتنظير نجحت في التغلغل إلى طبقات المجتمع، حتى إذا ما وضعت الحرب العالمية الأخيرة أوزارها ألفت شعوباً في قمة عنفوانها في حالةٍ من الغليان، غاضبةً ثائرة تطالب بالمستقبل، في هذا المفصل الأخطر من التاريخ تلقف العسكر هذه الشعوب معرقلين التقدم الطبيعي فأخذوا يزايدون على بعضهم البعض برفع سقف الأحلام والمبالغة في الوعود بما لا يتخطى قدراتهم الواقعية فحسب، وإنما نواياهم الحقيقية المستترة أيضاً.. لا أعتقد أن بي حاجة لأذكر أحداً بالاندحار العسكري المهين الذي دشن فترة الاستعصاء والانهيار ليهوي بشعوبنا من حالق أحلامها لترتطم متناثرةً على أرض الهزيمة الصلدة.. بدأ عصر ردة النخب وتشرذمها، وأخذ البعض يدرك والآخر يقر ما في تراثنا من عناصر معرقلة برزت وقويت من جديد عقلية ‘النص أولاً وأخيراً… النص فقط’؛ ولما كانت نبتة التقدم غير متجذرة في مجتمعاتنا فقد استـــــغلت الهزيمة لقلعها والطعن على المشروع الحداثي بكل مفرداته القومية والاجتماعــــية فعادت من جديد بنى الفكر التقليدي بعد أن توارت لعقود بدعمٍ من نفس الطغم العسكرية التي تحللت جميعــــها من التزاماتها النهضوية، إما تصريحاً ونقداً جاهلاً غثاً كمصر أو في عهرٍ من وراء غلالةٍ من الرطن التقدمي المفرغ المضمون كما هي الحال في سورية.

مهزومون ومهانون ومقموعون ومحرومون حتى من رفاهية الحلم.. هكذا وجد ابناء شعوبنا أنفسهم في ظل أنظمةٍ على استعدادٍ لتصعيد العنف والقتل بلا حساب، وعلى قدر الخراب والركود في المجتمع المدني تضخمت منظومات الأمن حجماً وبطشاً، لذا لم يكن من الناس إلا أن أداروا ظهورهم للواقع فارين من اليأس إلى الوهم.. وليتهم اكتفوا بذلك، إذ في محاولةٍ يائسةٍ للدفاع عن الكرامة المهدرة والأحلام الموؤدة جعلوا يسقطون تصوراتهم المثالية وأمنياتهم عن الحكم العادل الكفء على أنظمةٍ عاريةٍ من اي فضيلة، بل هي مثالٌ للقبح والقمع والتخلف.. كم من مرةٍ سمعت فيها إخــواني المصريين يفاخرون بالسادات الذي ضحك على الإسرائيــــليين في محادثات السلام، وأقسم أنني لم استطع أبداً الوصول إلى أي واقعةٍ موثقةٍ تدعم هذه الأسطورة (وهذا أقل ما يـــــقال في هذا المضمار…) كما سمعت البعض يباهي بذكاء مبارك الخارق وحنكته في حين أن الرجل، للحق والأمانة، تجسيد للغباء والبلادة اللامتناهية.. ومن ذلك ايضاً ما كان بعض السوريين يؤكــــدونه عن مبدأية الأسد أباً وابناً ليفـــند الآن السيد رامي مخلوف والإسرائيليون هذه الاسطورة عن نظامٍ مجرمٍ قاتلٍ يبيد شعبه ولم يطلق رصاصةً واحدةً توحد الله في الجولان طيلة عقود، بغض النظر عن المبررات.. وقس على ذلك بقية الأقطار العربية. إلا أن التناقضات الاجتماعية الصارخة لم تلن ولم تخف.. لم ولن أسأم من تكرار ذلك، وعليه فإن نفس الوعي الشعبي ترسخت فيه قناعةٌ صارمة بأن الحال لم يعد من الممكن استمرارها فعصفت بالأنظمة محطمةً في طريقها العديد من الأساطير.

اللافت هنا أن الحراك لم يسبقه أو يمهد له تنظير بل نجد الثورة تسبق نخباً لم يؤمنوا بإمكانية حدوثها.. وفي هذا السياق علينا دائماً أن نتذكر أن الثورة ليست مجرد الإطاحة بمنظومة حاكمة وبشبكتها من التحالفات الاقتصادية وإنما هي أيضاً وبما لا يقل عن ذلك فحصٌ ونقدٌ لمنظومة الأفكار والمعطيات التي أفرزتها التركيبة الاجتماعية السابقة، وعليه، فلئن كنت أتفهم مبررات صناعة الأوهام سابقاً فإنني لا أقبل، بل ويزعجني ما أراه الآن من بوادر الانتكاس إلى هذه العادة السيئة.

الشعب المصري هو البطل الوحيد ولا حاجة به مطلقاً إلى تنصيب المجلس العسكري بطلاً.. لقد تصرف الأخير بواقعية وأخلاقية تحسب له وكفى به ذلك… كذلك الحديث عن بشار وسيف الإسلام باعتبارهما متعلمين ومثقفين… محض وهمٍ آخر، ففي اللحظة الحاسمة نفضا عنهما تلك القشور وأثبتا أنهما ابنا أبويهما، قاطعا طريق خرجا من عباءة القمع والدم.. أما وهم الأوهام فهو الحديث عن تنازلات وإصلاحات للنظام السوري من الداخل.. إن هذا النظام يرتكز على قاعدةٍ عرجاء من توازنات القمع والطائفية والأسرية (نسبة إلى الأسرة الذهبية) بما يجعل أي مساسٍ ولوحتى شكلي بهيكله يقوضه تماماًً، وهو ما يدركه أتم الإدراك أساطين النظام قبل غيرهم. آن الأوان أن نواجه الحقائق على قبحها فنسمي الأشياء بأسمائها، فالطائفية طائفية وليست اشتراكية قومية عروبية، والقسوة والقتل هما ذلك وليسا تحديداً للنسل.. لقد أسقطت هذه الثورات أساطير منعة الأنظمة و’القادة المفدي’، وأثبتت أن الواقع والمعجزات يصنعها بشرٌ عاديون بسطاء، وحريٌ بشعوبٍ امتلكت الارادة على التحرر من القمع أن تتحرر من الوهم وألا تنظر وراءها سوى في رفضٍ وغضب. ‘ كاتب مصري مقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية