أيقونة لمحمّد البوعزيزي

حجم الخط
0

تمرين على كتابة يوم الجمعة17ديسمبر2010منصف الوهايبيقلتُ آنَ لنا أن نعودَ إلى البيتِ.. بوزيدُ هذا الربيعَ كهذي المجاري التي تتغذّى بأمطارها والنجومُ هنا كالعجول على حافة الليل ترعى وتجترّ أطرافَ أشجارها.السماءَ وقشرتَها..تذكّرتُ قمصاننا البيضَ في الليلِ والريحُ تنفخُ فيها..ولا أحدٌ يستدلُّ عليّ..تُرى ألبسوني قميص المجانين إذ ألبسونِيَهذا الكفنْ؟كنتُ جمّعتُ كلّ قوايَ وصحتُ بهمْ ..كنتُ أعرفُ أنّ سكوتيَ منفضّةٍ أو نحاسٍ.. وأنّ كلامي الذهبْ ***في البدايةِ قلتُ أدرّبُ نفسي قليلا علىالموتِ.. أملؤني بفراغي..وكنتُ كأنّي أراوحُ بيني وبيني..وأذهبُ منّي إليَّ..كأنّي أوازنُ ما بينروحي على كِفةٍ وحياتي على كِفّةٍ.. كنتُ أقربَ منّي إليَّ..كأنّيَ أمشي ولا طرقٌ.. كأنّيَ أرحلُ فيَّ ولا رحلةٌ.. وشعرتُ كأنّيَ في لحظةٍ أتنفّسُ ـوالنارُ تأكلُ لحميَ ـ رائحة التبغفاغمةً في’الكَراج’ الذي كنتُ أجّرته منذ عامين ..كانت كهذا السخامِ الذي لفني وأنا أتخثّر في بدني كاللبنْوأنا أتكوّرُ فيه خُثارةَ جصّ وأسمعُ روحيَ تسقطُ في مائه فجأةً!Plouf!ويدٌ منهُ تسحبني كالجنينِ إلى أرضهوهي تمسكُ رجليَّ.. والعشبُ يفتحُ ليجرحَه..كدتُ أدركُني..كدتُ أدركهُ وهو يمضي إلى حتفهِ ..يدهُ وهي في يدهِ وأصابعهُ في أصابعهِكدتُ أدركُ هذا البدنْكان بيني وبيني مسافة خفض الجناحين..لكنّني..وحزنتُ عليّ ..ولا صُدرةٌ للنجاة***في الكَراجِ الذي كنتُ أجّرتهُلا تفاريجَ يدخلُ منها الهواءُولا فُتحةٌ غيرُ هذا السوادِ الذييتشرّبُأضواءَ حارتنامثلما يتشرّبُ صاحبتي العربهْ***ليكنْ..فلكمْ كلّ هذا الرمادْأيّها التونسيّونوالتونسيّاتُ..فاذْروهُ في الرّيحِ..أو فاجعلوا منه كُورَ الحدادةْ*** حين أبلغني صاحبي أنني صرتُ أيقونة فيبلاد العربْ وربيع العربْقلت:أيقونة؟ أهذا اسمُ فاكهةٍ لستأعرفها؟وضحكتُ كثيرا وقلتُ له: أنت تعرف صاحبكالبوعَزيزي؟أليس كذلك؟سلْ هذه العربهْكنتُ أُنشئُ لي جُملَا من فواكه طازجَةٍ ـإن تيسّر ـ أو فجّة لم تكن نضجتْ بعدُ..كنتُ أنضّدها كالحروف على مهلٍوأركّبُ صفْحاتهاوأناسب ألوانهافي كتاب ألفْبائها..هذه العربهْكنتُ أعرفها بحذافيرها..بنفسجُ مِشمِشةٍ.. تينةٌ نضجتْ قبلإبّانها تتحلّب..دُمّل تفاحةٍ..دودُ لَوز وتمر..وأفرحُ بيوأضحكُ منّيوكنتُ أزقّ لهم ما أزقّ لأكسبهم.. دون أنأتذمّر من فقر حاليفيدعونَ لي بالرّفاءْ/والبنينهؤلاء الجوارحُ.. لكنّني قد أدسّ لهم سقط تفاحة..خوخةً فسدتْ.. تينةً نفقتْ.. أنت تعرف أنّ الحياةْ لها ثمنٌ..وتعرفُ أنّ الغلاءْ/لا يُطاقُوتعرفُ أنّ لهمْ ألفَ ربّ وربْ وأنا لِيَ ربٌّ فقير بسيط.. ولكنّني لست قابيلَ… حتى أقدّم كلّثماريَ لَــهْوأنا لستُ هابيلَ وهو يقدّمُ أبكار أغنامه..وما طوّعتْ ليَ نفسيَ قتل أخي إذ تُقُبِّلَ قربانُهُ.. أو بسطتُ يدَ الغدرِ كي أقتلهْكان ربّي يشاركني خبز يومي..فإنْ عزّ أوْ لمْ يجدْ.. نام جوعانَ فيركنه المتّرِبْ***قد أغازل سيّدةً أو فتاةْحين يدهمني مطرٌ طائشٌ في الطريق إلىالسوقِأو حين تشتعلُ الشمسُ شمسيّةً.. وأنا أدفعالعربهْإلى موقف الباصِ أو أتفيّأ ظلّ كلبتوسةٍ لمْ يصبهْا الربيعُفأعضدهاوأغنّي لهمْ ولهنّ … بلهجتنا البدويّةنبرا ومدّا..ومدّا ونبرا.. أنادي على عذقِ تمرٍ.. أقول لهم فطموهُ ولكنّه لم يزل بعديرضع نخلتهُأو أنادي ـ إذا الصيف هلّ ـ على جُملةٍ أوعلى فِقرةٍ من عنبْ***كان دورُ المصاحبِ في العزف أو في الغناءْهو دوري إذنأنا لا أعرف الأوبرا.. ولا المسرح البلديفقط.. أتذكّرُ سيّدة.. إسمها قد يكون’جليلةَ’.. أو قد يكونُ ‘رجاء’أتذكّرها إذ تمدّ يدينِ شراعيْنِ أوكالجناحيْنِ..منها..وتفتحُ ربلة ساقين في شكل زاويةٍ.. وهي تعجنُ طين الفضاءْوأنا أتعجّبُ كيف إذن لم تطرْ هذهالسيّدهْهذه النخلةُ المفردهْفقطْ.. أتذكّرُ سيّدنا وهو يملي علينا ‘إذاالشعب يوما أراد الحياة’ويقول لنا:هو خير شفيع لكمْ ولصاحبهِالتوزَري.. يومَ يُؤتى وتُؤتـونَ كُـتْبَـكُمُبالشِّمالْويقولُ لنا الشعبُ حيٌّ وأنتمْ لهالقدَرُ المستجيبُ..صدحتُ بلهجتنا البدويّةِ..يومئذ.. كنتُ أنشدهُ..والمعلّمُ ينشدُ..والقسمُينشدُ..والناسُ تنشدُ..حتى علا أفُقٌ من نشيد الحياةوصدى منه لمّا يزلْ يتردّدُ في جنباتِالجبالْأنا الآن أُكمِلُ ما لم يقلهُ لناسيّدي:مات في مثل سنّي إذن..صاحبُ البيتِ..أو ربّما كان أصغر منّي قليلاوأصبحَ مثليَ أيقونة للوطنْوأُكمِلُ..يومَ القيامةِ.. لن يحملالبوعَزيزي إلى الله إلاّ كتابألفْبائه..هذه العربهْ***قال لي صاحبي:الفواكهُ ذيوالخضارُ..أتعرفُ فائضَ قيمتها؟قلتُ:أعرفُ كِفّةَ ميزانها..إذ تفيض عليه..فأوفي لهمْ كيلهمْقال:أجركَ؟كم؟ضحكتُ وقلتُ:قُشارةُ تـفّاحـة أو بطاطاـ ما الذي تشتهي الآن؟ـ بيتا..وأن أنفق المال يوما بكلّ سخاءْـ ثمّ ماذا؟ تكلّمْ.. أنا الآن ـ لا تنسَ ـأكتبُ أيقونةً لك يا البوعَزيزيـ زوجة..مثل جارتنا..ـ كيف؟قلْـ خوخة تتقاطرُ في جلدها المُخملي..لوزة لم تزلْ تتفتّحُ في خضرةٍ وزَغبْأتذكّر طيّاتها وهي ترقصُ..في العرس..أو وهْي تثني على حافة البئر ركبتهاولكنّ أيقونتي ـ إن أردتَ الحقيقةَ ـ ياصاحبي.. هذه العربه***قلتُ آنَ لنا أن نعودَ إلى بيتنا..ليكنْ..سأسندُ رأسي إلى جذع زيتونة أوصفاةْكنتُ عوّدتُ نفسي كثيرا على ريش هذيالوسادهْ***وكان عليّ إذن أن أمثّلَ دور المغنّيPlay-backإذنْ..صرتُ مِضرابَ طبلٍ.. وريشةَ عودٍ..تظاهرتُ أنّي أغنّي،ولا صوتَ غيرالمسجِّلِ..وهو يغنّيأنا لوحةُ الصيدِ لفّوا عليها شباكَهمُ..رِباطٌ من الخيزرانِ أنايشدّون أغصانَ كرمتهمْ بي..وأنا حين يزدحمُ الطيرُ..فزّاعةُالحقلِ..لا شيءَ غير رثيثِ الثيابِ..وسوسِ الخشبْأنا طائرُ التّورمِ التونسيُّ.. متى جعتُسرتُ على النهرِ أو طرتُ ملتمسا قوتَ يومي ولو كان في شدْق تمساحهِتفلَّ إذنْ بدنيتجدْ أثرَ الطيّ والثنيِ واللفِّ والضربِوالرّفسِ والرّكلِ..حتى إذا طفحَ الكيلُ بيـ كنتُ أوفي لهم كيلهمْ وموازينهمْ ـتحجّرتُ في باطنيوأنا أتحوّلُ شيئا فشيئا إلى صخر بركانهِالملتهبْ***قلتُ آن لنا أن نعود إلى البيت..لكنّني في الطريق إليه تذكّرتُني..وتذكّرتُ.. لا بيتَ لي أبدا ـ منذ أبصرتُلي صورة في رُواق الرسومِ ـ ولا بيتَ لكْ غيرُ هذي البلادْ/كلّ هذي البلادْ حيث لي جسد في التراب يدور عليه الفلَكْويدورُ بهِ..حيث كلّ البيوتِ بيوتٌ لنا كلّما ارتفعت رايةٌ حرّةٌوتسنّمتِ التونسيّةُ والتونسيُّ.. هنا أوهنالكَ.. عرشَ الملكْ***إذن..كان لابدّ من نظرةٍ من علٍ كالعُقابْوهي تنقضُّ أو غطسةٍ سينمائيّةٍ..وأنتالبسيطُ الذي يتحدّرٌمن فوق هذي البلادِ إلى تحتهاومن تحت هذي البلاد إلى فوقهاإذن..كان لابدّ من هذه النارِحتى نشكّل قشرةَ هذا الترابْشاعر من تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية