حوار مع الشاعر والروائي الإيطالي روبيرتو باتسي أجرى الحوار وترجمه: أحمد لوغليميروبيرتو باتسي ROBERTO PAZZI (1946، 14 آب / أغسطس، أميليا) حينما تلتقيه تنتبه توا لذهنه المتيقظ، ولأنه أنموذج للمثقف الحقيقي. مبدع متعدد الوجهات وحالم كبير، أصدر في الشعر ‘ التجربة الداخلية L’esperienza anteriore ‘، ‘ أبيات غربية Versi occidentali’، ‘ الملك، العِبارات Il re, le parole ‘، ‘ سكون الريح Calma di vento’، ‘ حبل الكذب Il filo delle bugie’، ‘ جاذبية الأجسام La gravitê dei corpi’، ‘ تعاويذ Talismani ‘ …، في الرواية أكثر من 17 عملا، حصد ما ينوف عن 37 جائزة عن أعماله التي ترجمت إلى 26 لغة. صحافي بعديد الجرائد الإيطالية ومراسل لـ ‘ النيويورك تايمز’، أستاذ جامعي، يعيش بمدينته فرارا التي يحبها حد الجنون ويكتب فيها ومنها لأجل العالم.* لنبدأ بالإنسان الشاعر. من هو روبيرتو باتسي؟* من أنا؟ عَلَيَّ أنْ أقضي عمراً بأكمله كي أعرف من أنا، على كل حال أنا الآن قاب قوسين، لم يبق لي سوى القليل.. لدي 64 عاما.. أظن أنني رجل يتسَلَّى ويستمتع بالكلمات، يصنع بها عوالم، أكواناً أو قصصا، بهدف توسيع ورعاية الحقيقة. أنا واحد يساعد الله على إتمام الخلق، لأن الحقيقة تدعو دائما الشعراء إلى جعلها أرحب، إلى بسطها، إلى إكمالها، من دون أن تنتهي قط. * لماذا، كيف ومتى: لماذا الشعر؟ كيف بدأ عشق القصيدة ومتى تورطتم بالكتابة؟* لماذا؟ لأنه حتمية، اصطياد ريح الزمن الفالتة بالكلمات. الشاعر دائما في صراع مع الموت الذي يمحو كل شيء، إنه المنتصر الوحيد في حروب خاسرة. حتى الخلود الذي يحصّله الشاعر موثوق بعالم منتهٍ، متى سينتهي لا أحد يعرف، لكنه ينتهي. بدأتُ الكتابة في الثالثة ابتدائي، في سن الثامنة. في حصص الإنشاء… كانت بالنسبة لي لحظات غبطة، ما إن تملي علينا المعلمة الموضوع حتى تشرع اليد الصغيرة التي تمسك بالكاد بالقلم في تسويد الصفحات دون توقّف، كانا في سباق على الدوام، اليد والخيال، لكن هذا الأخير كان دائما أسرع. * كان شعراؤنا العرب القدامى يعتقدون أن الشعر مصدره وادٍ يُدْعَى عبْقر مسكون بالجن، من تمسسه هاته الشياطين يغدو شاعرا، كما إيمانهم بالوحي. بالنسبة إليكم من أين يأتي الشعر؟ أيجترح روبيرتو باتسي طقوسا للكتابة؟* الشعر يأتي من الهُوْ اليُونْغِي، أي أنه يصدر عن اللاوعي الجمعي الذي يحمله كل فرد في جوهره. لأعطك مثالا؛ إنه كمثل ورقة تمتلك شعور الشجرة بكاملها التي تنتمي إليها، الشعور بالأغصان، بالجذع، بالساق وبالجذور. أكتب تحت غواية حوافز فُجَائية أقوى مني وتتجاوزني، أبدو مستسلما بالنظر للاختلاج الذي يغمرني. ‘ البيت الأول تمنحه لنا الآلهة، وعلينا نحن أن نتدبر أمرنا لكتابة الأبيات الأخرى’ كان يقول بول فاليري.* ما الشعر؟* لا نعرف ما هو، إننا نكتبه كي نعرف ما هو. وسيبقى الأمر لغزا كيف أنه يَسْحَرُ مَنْ يصيخ إليه بخشوع و مَنْ تأخذه العاطفة.* كيف ترون الشعر العالمي والإيطالي اليوم و ما الذي يمثله لكم الشعر العربي؟* شعرنا الأوروبي نبتة عجوز، سقيمة قليلا، تخلّت عن عرشها للمطربين. أما الشعر العربي فأكثر صحة وشبابا.* ما دور وجدوى الشعر في زمننا؟ أبإمكانه تغيير العالم؟ أو على الأقل تبديل الكائن البشري؟* دور الشعر جوهري، مثل ‘ مغلقات البيتا’ يذيب الدم ليسلس انسيابه، هكذا هو الشعر يروض ويوطد الوشائج الذهنية بين الأشياء المتباعدة، يدرّب على التوليف، وبهذا المعنى يتم تشحيم درب النقد، ينافح عن الفطنة والمخيلة، الكتابة والعلم معا. نعم الشعر يغير حتى ولو لم ينتبه العالم إلى ذلك، والأمر قد يتوقف فقط على هؤلاء الشعراء الثلاث أو الأربع الذين يتقنون علاج الصدع والتوليف بين العوالم، كما في صلاة. يدعم ذلك دانتي.* كيف ترون مستقبل الشعر؟* طالما ثمة إنسان سيبقى الشعر، ‘ الإنسان هو ما يقوله’ حتى نحاكي فيورباخ.* ما هي الرسالة التي ستكتبونها اليوم لشاعر شاب لو قيض لكم ذلك؟* لقد تمت كتابتها في بدايات القرن الماضي من طرف راينر ماريا ريلكه، كنت سأكتب نفس الرسالة.* نشرتم 17 رواية، العديد منها فازت بأكثر من جائزة، جائزة برغامو، جائزة همنغواي، كامبييللو… كما تٌرجمت رواياتك لأكثر من 26 لغة، أي، نجاح كبير أيضا على صعيد الكتابة الروائية، كيف ترون الكتابة السردية وما الإمكانات التعبيرية التي يمنحها النثر للشعر؟* السرد قناة مختلفة لنفس الطاقة الفاعلة التي تسري في الشعر… فقط السرد يحتاج إلى الالتزام بحكاية تقلّد الزمن البشري، الحدوث، الماقبل، المابعد والنهاية. الشعر ليس في حاجة للانحدار إلى مشارطة الحكاية، أو الزمن البشري بل يذعن لمشارطة الوزن، أو الإيقاع الداخلي، الذاتي تماما الذي قد لا نفهمه ولكننا نحسه… إنه ظاهرة موسيقية، وأكثر تماهياً.* أثمة حدود فاصلة بين الشعر والنثر؟* قد يكون النثر أشد شاعرية كما في ‘ جزيرة أرتو’ لمورانتي، وقد تكون القصيدة أكثر نثرية كما هو الحال عند أومبيرطو صابا. الطبائع تُتَبَادَل على الدوام.* ما هي كتبكم التي صنعت منكم الكاتب المشهور في أكثر من عشرين لغة؟*’ البحث عن الإمبراطور 1985’، الذي رفضته 5 دور نشر وأفزعها، لأنه كان رواية معتمة لم يستطيعوا فهمها… ‘ فانجيلو دي جودا’ لأنها تثبت أن جودا هو الكنيسة الكاتوليكية، ‘ كومكلافي’ لأنها تفضح خونة المسيح. ومن كتب الشعر ‘ الملك، العبارات’ الذي كتب حينما كان الشعر لا يزال حابلا بالنثر، ثم ‘ سكون الريح’…* فيلمكم أو أفلامكم المفضلة؟* ‘ صحراء التتر’ لفاليريو دزورليني، ولكن أيضا ‘ موت في فينيسيا’ لفيسكونتي.* شاعركم الأعظم؟* دانتي.* ما الحبّ؟* مرض جميل أروع من الصحّة.* الأشجار؟* موضوع حسد وغيرة، لأنها تقف بثبات وتتأمّل، بينما نحن نتيه في حركيتنا العديمة الجدوى.* الحياة؟* حلم نستيقظ منه، أنا بصدد كتابة رواية عن هذه اليقظة.* الموت؟* ممر عبور نحو لا نعرف ماذا، هناك تكمن المعرفة الجميلة، والجميع يكتبون للكشف عنها.* الشعراء؟* أسلافي* أومبيرطو صابا؟* شاعري الحميم، الذي جعلني أوحد الشعر بالنثر في كتابة واحدة، وجعلني أفهم من أنا، كما فعل معي تماما بْروسْت.* الفراشات؟* خيال بارع. حتى الله يسأم ومن حين لآخر يبدع… ويكذب… ولكن حيث أنه ‘ الله’ فإن كذباته تستحيل حقيقة، وما إن يسأم حتى يمر إلى كذبات أخرى، لكنه يبقى دائما عبدا لكماله. هذا ما تحدثت عنه في رواية ‘ ظل الأب’.* الثورة؟* إنها أتوبيا القدرة على تغيير الأشياء، التي تتغير تقريبا دائما إلى الأسوأ.* الروح؟* أثر تركه الله لإرباكنا.* الجسد؟* سجن نهرب منه.* الفن؟* مسبار العجائبي.* الغرابة؟* دربٌ يُحَيِّن الفكر.* الحلم؟* ‘ ظل الحقيقة اللاّمتناهي’، جوفاني باسكولي من قال ذلك.* الوهم؟* القوة التي تجعل الأجنحة أرحب وتؤهل للطيران.* السلطة؟* الشر الذي يفتن دائما تلك المخلوقات المُشَيْطَنَة التي هي نحن.* الغِنى؟* عذاب مثلما الفقر.* أين يكمن خلاص البشرية؟ * في الحلم بأعين مشرعة، وفي الكتابة بأعين مسبلة.* المرأة؟* ‘ أصل العالم’ ليست مقولتي، إنه عنوان لوحة لكوربي.* الجمال؟* وعد الغبطة، كما قال بروست.* الليل؟* التجسيد المسبق للماوراء، تمرين ذو جَلَد نعتاد عليه.* الأصدقاء؟ * شركاء ضعفي الذين يعرفون دائما كيف يكتمونه. * مدينتك فِرّارا؟ * العشّ الذي منه أحلم بأن العالم أجمل، مٌحَصِّناً نفسي ضد اكتشاف كم هو على العكس من ذلك، لم يكن قط على مستوى الحلم الذي أحتضنه وأنا في مدينتي، كما يدرك ذلك جيدا كافافي.* روبيرتو باتسي؟ * سأعرف من هو في اليوم الأخير، لكن سيكون عندها قد فات الأوان لأقول لكم من هو. شاعر ومترجم من المغرب مقيم في إيطاليا[email protected]