ريما كمالأحسب أن العلاّمة عبد الوهاب المسيري من ‘العشرة المصريين الأوائل’ الذين ألحّت ذكراهم علينا، ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، لأنهم كانوا ـ وما زالوا ـ من أعظم الدعاة إلى حرية مصر واستعادة كرامتها. وأعلم أن إنسانا بقامة المسيري يحتاج إلى مؤتمر تكريمي تشارك فيه نخبة من العلماء والمفكرين العرب، في ذكرى رحيله في الثالث من تموز/يوليو عام 2008، إلا أنني رأيت من واجبي كمواطنة عربية، أن أحاول تسطير كلمات من العرفان والامتنان لمصري حمل قضية الإنسانية بشكل عام، وقضية فلسطين بوجه خاص، على مدى أكثر من أربعين عاما من عمره، أنجز خلالها موسوعته الشهيرة (اليهود واليهودية والصهيونية) في ثمانية مجلدات، إلى جانب أكثر من أربعين مؤلفا تناولت في غالبيتها الصهيونية العالمية، ومنها على سبيل المثال فقط: في الخطاب والمصطلح الصهيوني ـ الصهيونية والحضارة الغربية الحديثة ـ مقدمة لدراسة الصراع العربي الإسرائيلي ـ الصهيونية والعنف من بداية الاستيطان إلى انتفاضة الأقصى ـ اليد الخفية/دراسة في الحركات اليهودية الهدامة والسرية… ويعود ارتباط المسيري بدراسة الصهيونية إلى وجوده في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1964 أثناء إعداده لرسالة الدكتوراه في الأدب الإنكليزي، حين عاين بأم عينيه دعم الولايات المتحدة الأمريكية والصهيونية العالمية الهائل لإسرائيل، ورؤيته للطريقة التي طرحت فيها الصهيونية نفسها على أنها حركة إنسانية هدفت إلى إيجاد وطن للاجئين اليهود، مع تحقيق تطوير اقتصادي للعرب المقيمين على أرض فلسطين، وأنها اشترت أراضي دولة إسرائيل بأموالها، وأن الفلسطينيين تركوا أرضهم بإيعاز من القادة العرب لحين تطهير فلسطين. ويذكر المسيري أنه أحسّ وقتها بزيف هذه الادعاءات ليس من الكتب، وإنما من تجربته الخاصة في بلدته دمنهور ‘فقد كنت أعرف أن الفلاح لا يبيع أرضه ولا يتركها إلا تحت ظروف غير إنسانية’. وزاد من اهتمامه بالبحث في الصهيونية واليهودية عندما شاهد الفرحة التي غمرت الولايات المتحدة الأمريكية في أعقاب هزيمة مصر عام 1967، إلى الحد الذي وصل بأحد مطاعم مانهاتن في نيويورك، الى أن يضع في واجهة محلّه بطاقة شخصية لصورة أحد الجنود المصريين الذين قتلوا في سيناء، وإلى جوارها ملابسه المضرجة بالدماء، وذلك في تعبير صارخ على الاحتفاء بنصر إسرائيل، وكوسيلة لجذب الزبائن إلى المطعم! وبالعودة إلى الموسوعة الشهيرة، فقد بدأها المسيري في بداية السبعينات كمشروع لإصدار كتيّب، ثم قام بتطوير الفكرة الى اصدار معجم صغير ثم كبير، وصولا إلى إصدار (موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية) عام 1975. إلا أنه وجد أن الموسوعة لم تكن كافية، وأن الموضوع يحتاج إلى مزيد من الغوص في كنه الصهيونية واليهودية، فتقدم بمشروعه الأوسع إلى مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، الذي اعتذر عن تقديم الميزانية المطلوبة لتطــــوير الموسوعة، فما كان من المسيري إلا أن قرّر أن ينــــفق عليـــها من جيــــبه الخاص، ويذكر المسيري أن زوجـــته الفاضلة لم تتردد في دعم قراره بأن ينفق على الموسوعة كلّ ما كان يملك من مال وجهد، وأن يقضي في تطويرها ربع قرن إضافي من الزمن، لأنه وجد أنه كلّما تعمق في البحث زاد إحساسه بالقصور والجهل، والحاجة لمزيد من البحث. وقد توصل المسيري في موسوعته الشاملة إلى إثبات حقائق أساسية من أهمها، أن الصهيونية ذات جذور غربية، وأنها إفراز عضوي للحضارة الغربية الحديثة التي ترمي إلى تحويل العالم إلى مادة يتم توظيفها واستغلالها لصالح استعمال الأقوى، وعليه فإن إسرائيل ما هي الاّ جيب استيطاني ممول من الخارج، ولا يخضع لمعايير الدول في وجوب مراعاة الجدوى الاقتصادية ضمن كيانها. أما البعد اليهودي فيها فهو بعد زخرفي تبريري تعبوي، خاصة أن الإله بالنسبة لليهود هو إله إسرائيل على وجه الخصوص، بحيث يصبح المقدس هو القومي، والقومي هو المقدس، وعلى ذلك يصبح العنف لصالح القومي مبررا لكونه مقدسا، ويغدو وسيلة مشروعة بل ومنطقية وحتمية، وتصبح العنصرية نمطا أساسيا ومقبـــولا في الحـــــياة داخلها. ومن الغريب أن المسيري لم يكتف بكل هذا الإنجاز، إذ قام بترجمة عدة مؤلفات من الشعر والقصص الفلسطيني إلى اللغة الإنكليزية دعما لعزيمة الفلسطينيين وتمسكهم بعروبتهم، رغم كل الجهود المبذولة لخلعهم من جذورهم. كما أنه أصدر أكثر من عشرة قصص خصصها للأطفال، حين قام بتطوير الحكايا القديمة إلى أساطير حديثة لجذب الطفل إلى عالم الخيال الإبداعي، ولأنه وجد في أدب الأطفال ـ حسب تعبيره ـ ملجأ لاستعادة البراءة والجمال والدهشة. ومن عناوين هذه القصص: ذات الرداء الأحمر، أطفال الأميرة والشاعر، معركة كبيرة صغيرة… وقد رافق اهتمامه بالطفل اهتمامه بالشباب، فكان يحرص على عقد ندوة شهرية معهم في بحث متواصل عن مواهب الشباب لتشجيعها على الإبداع والعطاء الإنساني. وإلى جانب هذا كله، أثبت المسيري أنه كان إنسانا حضاريا بامتياز عندما شارك في تأسيس الحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) عام 2004، وكان المنسق العام لها. فكان بذلك معبرا حقيقيا وفاعلا عن مقولته ‘إن إنسانية الإنسان إنما تعبر عن نفسها من خلال نشاطه الحضاري المجتمعي’. ولعل من أطرف وأبلغ ما قام به المسيري قبل عام من وفاته، ورغم معاناته الشديدة في مرضه، الدعوى التي أقامها على الرئيس السابق حسني مبارك لتقصيره في حماية اللغة العربية، فقد طالبه بتطبيق المادة الدستورية التي تنص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، بينما تتعرض هذه اللغة إلى هوس تغريبي بإهمال، بل بدعم، من الحكومة في مصر. لقد كان المسيري بحقّ ودونما مبالغة، العالم الفيلسوف الباحث السياسي الشاعر القاص الفنان الداعية المناضل… وخفيف الظل، بحيث يصدق معه وفيه قول الجواهري: يموت الخالدون بكل أرض/ ويستعصي على الموت الخلود… رحمه الله. ‘ كاتبة من فلسطين