في تذكّر محمد اركون: اركولوجيا القراءة واسئلة الأنسنة والتأويل..

حجم الخط
0

علي حسن الفوازالكتابة عن الباحث العقلاني محمد اركون تظل دائما باعثة على الاسئلة، ودافعا نحو اثارة المزيد من الاشكالات التي تخص ظواهر قراءة الفكر الاسلامي، وازمات اشتغالاته على مستوى النص والسنّة وعلم الكلام والتاريخ والعقل اذ تضعنا تلك الاسئلة ودافعيتها امام مواجهة ما يتداعى منها من معطيات باتت هي خط المواجهة ازاء صعود خطاب الاسلام السياسي واصوليات الغلو عند بعض اتجاهات التفكير الديني بنزعاتها المؤدلجة، وبعض طرائقها الدوغمائية، والتي باتت تبحث لها عن مواقع ومهيمنات في البيئات السياسية والحزبية العربية، مثلما باتت في الموقع المهدد لقيم الثقافات المدنية القرينة بشيوع ظواهر التنوع والتعدد في المجتمعات العربية والاسلامية، بما فيها التعدد والتنوع الاثني والطائفي، فضلا عن التنوع والاختلاف في النظر الى قضايا النص الديني والتراث ومفاهيم الدولة والشرع والتأويل ومستويات النظر الى ما يشتبك معها اشكاليا في اطار النظر الى اركولوجيا المقدس في الفكر والتابو في الحلال والحرام والدنس والجنس وغيرها. كتاب (الانسنة والتأويل في فكر محمد اركون) لمؤلفه الباحث الجزائري كحيل مصطفى، والصادر حديثا عن منشورات الدار العربية ناشرون ومنشورات اختلاف- الجزائر، يمثل مقاربة معرفية لمضمون الكثير من هذه التصورات وتعقيداتها المفاهيمية، مثلما يسعى الى التعريف بالمناهج التي اشتغل عليها اركون بدءا من اللسانيات والانثروبولوجيا، وانتهاء بتوظيفه الاجرائي لاركولوجيا فوكو (في تحليل الافق المعرفي والابستمولوجي لمجال بحثه الخاص وهو الاسلامولوجيا ) كما يقول د.

علاء مهيبل، فضلا عن استشرافه لطروحات الاستشراق عبر تبنيه النزعة الاستشراقية المنهجية وطروحاتها الاشكالية، والتي اجتهد فيها أركون من خلال توظيفه لمفاهيم نقد الموروث الاستشراقي، وكذلك اكتناه محمولاتها على مستوى ما يؤسس له هذا الفكر من معطيات وعلائق وابستميات، اذ كثيرا ما لجأ اليها اركون في قراءاته المنهجية التي يتموضع فيها داخل الفكر الغربي لما يسميه بـ (الاسلامولوجيا) والتي يدخل النص الديني القرآني في سياقها، فضلا عن مكاشفاته لتجليات المسكوت عنه في العديد من مظاهر الانسداد المعرفي التي وقفت ازاء اشتغالات طروحات (الاسلاميات الكلاسيكية)، تلك التي قادته إلى استكشاف العديد من الفاعليات السردية الحاضنة للتخيلات والاسطرة والمرويات الشفاهية، وكذلك تمثله الى جوانب معرفية تحيله الى اجراءات نقدية، كثيرا ما كان يعمد اليها اركون ازاء مواجهته لمضمون النزعات المغالية والمتطرفة للذهنية الاسلاموية التقليدية التي تحاول ان تضع مقصدية أنسنتها وشرعنتها على وفق ظاهر النص، وعلى وفق قراءاته الراديكالية الفقهية التي تتمثل مرجعيات قوة الاجماع.. اركون يضع نفسه دائما في سياق توصيفي لظاهرة المثقف النقدي الذي يواجه هذه المظاهر، من منطلق ان هذا المثقف هو الاكثر قدرة على حيازة شروط مواجهة ازمات النص والسلطة والعقل والفقه والاجتهاد، وربما يكون هو الاكثر تفاعلا مع التعاطي من انكشافات هذه الازمات على ازمة الانسان ذاته في اطار اغتراباته الوجودية والهوياتية والحقوقية.. لذا نجد من خلال هذه القراءات، ومن خلال ما أصّـله محمد اركون على مستوى (نقدية العقل) ما يستحق القراءة الفاعلة الساعية الى مواجهة المهيمنات والضواغط، وكل ارتكاسات اللاوعي الجمعي للجماعات الطائفية، اذ يكون النقد في هذا السياق هو المجس الأداتي لتفكيك هذه المهيمنات وانماط ذهنيتها الطاعنة، والتي وجد في فضاءات المغايرة المنهجية نوعا من المواجهة للكثير من الدوغمائيات التي وسمت انماط الفكر، واحيانا سلطة الخطاب الديني.. التوصيف النقدي للمثقف الذي يطرحه اركون هو مقدمة للمواجهة ما بين البنية الفكرية الغربية، وما بين طبائع الواقع العالق بالمهيمنات النصوصية، والتي وجد فيها اركون مجالا لما يقوله، لغرض (دمج الظاهرة القرآنية في الحركة الكبرى للبحث العلمي والتأمل الفلسفي)(1) وهذا ما يشترطه في التعاطي العقلاني مع ثنائية الانسنة والتأويل، اذ تمثل هذه الثنائية المستوى العميق لاستدعاءات ما يجب ان تكون عليه فاعلية القراءة النقدية للظاهرة القرآنية من خلال استقراءاتها للتاريخ الاسلامي، وطبيعة تعاطيها مع مراحل تحولاته الكبرى، تلك التي ارتبطت بمجموعة من المعطيات التاريخية والسياسية والثقافية والفقهية، اذ اتسعت دوائر الجدل في المدارس والطوائف الاسلامية، وتعقدت العلاقة مع مفاهيم كانت ثابتة في ظاهر النص، الى ما يشبه النزعات الباطنية والغنوصية، مثلما اتسعت العلاقة مع بعض الاتجاهات الحاكمة خاصة عند السلاجقة والبويهيين، فضلا عن بروز ظواهر المفكرين والفلاسفة والعلماء الاسلاميين الانسانويين، والذي يمثلهم ابن سينا والفارابي، والرازي، والذين اسماهم الدكتور محمد عابد الجابري (اصحاب العقل المستقيل) ولكن محمد اركون وضع المستويات التفكيرية لمثقفي النقدية الاسلاموية في سياق آخر، اذ جعلهم الاقرب الى الفضاءات الانسانوية التي تنحاز الى الاعتدال والتسامح.

يسعى الكاتب في مقارباته الى معاينة ما تمثله فكرة الانسنة في خطاب اركون من خلال استشراف منظوره الواقعي لفكرة الانسنة، وقيمتها الاخلاقية والنقدية وحتى الشرعية عبر النظر الى مفاهيم الاعتدال والتطرف في الاسلام، وكذلك النظر عبر منظور النقدية الغربية -اركولوجيا فوكو، وبعض خصوصيات المنهجيات البنيوية – الى مجال مفاهيمي واصطلاحي له توظيفاته التي شكلت منظوره الاجرائي الى مفاهيم السلطة والمعرفة والجسد، والى تمثله لمعاينة سياسات بعض الدول الحاكمة في الجغرافيا الاسلامية – نموذج الاستبداد والطغيان -من خلال سبره لطروحاتها واجتهاداتها المليئة بالكثير من مظاهر الغلو والتناقضات ومفاهيم الصراع، والتي بلغت فيها الانسدادات المعرفية ذروتها، خاصة في الدولتين السلجوقية والبويهية، وبعض دويلات المغرب العربي، فضلا عن ان هذه الكشوفات وضعت منظوره الابستمولوجي امام اشكالية التقاطع بين السلطة والمعرفة من خلال النظر الى مواقف العديد من الفلاسفة والفقهاء الذين ظهروا في تلك الدول وطبائع علائقهم بالحاكمية والجمهور، وكذلك علاقتهم بالنص والاجتهاد والسنّة وعلم الكلام، مثل الغزالي وابن رشد وابن خلدون وأبي حيان التوحيدي وغيرهم.

رؤية محمد اركون لمفهوم الانسنة تنطلق من رؤية اكثر شمولية لقيمة ما تحمله هذه الاسئلة من معان تلامس جوهر اشتغالاته الثقافية والدينية، اذ يكون هذا الشمولي هو الباعث على استدراك ما ينبغي استدراكه من صراعات قهرية ارتبطت بأزمة وعي الحاكمية، وازمة الوعي الشقي للمسكوت عنه في تاريخ ثقافتنا الاسلامية، والتي جعلت اركون ينحاز الى فكرة الانسنة الكونية من خلال بطلها الكينوني الانسان الذي يواجه ازمات وعي القراءة والاجتهاد للنص والسلطة وفوبيا (النصوص التأسيسية) كما يسميها، والتي وضعت (النص الانسنوي) الاركوني امام مقصدية التأويل، من خلال قراءاته لـ (الوحي) ولمفاهيم المجاز والمتخيل واستقراء البنية العميقة والمؤولة للنص القرآني، والذي يجد اركون في فضاءات اللغة كبنية لسانية وفللوجية مديات تجسد دلالاتها ومضمونها السسيولوجي بمرجعياته الغربية، خاصة عند بيار بورديو وقراءاته للآليات التحليلية للمجتمع الغربي. لقد عمد اركون الى التعاطي مع محاولات فرض النزعة الانسنوية للمقدس في النص القرآني، الى توظيف اجراءات القراءة الاركيولوجية ومفاهيمها في النص والحدث والكلام، وهذا ما يجعل هذه المفاهيم محمولات تأويلية تلامس الكثير من المقاربات الاشكالية للتاريخ والدولة والجماعات، اذ تكوّن الدولة هنا نظاما له جهاز من المفاهيم والتداولات والمؤسسات التي تجعل النص ضمن سياقها، مثلما تكوّن الجماعات نصوصا لها مرجعيات ومنظورات خلافية تتعضّد بالتأويل والقوة الرمزية التي تتحول بالتراكم الى قوة سسيوانثروبولوجية يتزاوج فيها المتخيل مع الطقوس مع القوة المعرفية الابستمية ذات الشفرات اللغوية التي تخص الجماعات واصولها. ناهيك عما يتداعى من هذا الفهم الخارج عن السياق النقدي الى تكوين ما يشبه السياق الايهامي الاخضاعي، والذي يستعير الفهم الشعبوي للتخيلات السردية الشفاهية للنص في التعبير عن طبائع هذه الجماعات وصراعاتها السرية.

هذا التوصيف هو ما يجعل عقلانية محمد اركون اكثر قربا من القوة النقدية، لان هذه القوة هي التي اسبغت على مشروع اركون بعدا انسنويا لم يتقاطع مع الرؤية الخلافية للتأويل، خاصة وان اركون من المؤمنين جدا بافكار النقد والاجتهاد والمجاز في النص.. ان القوة المعرفية التي يثيرها جدل الانسنة والتأويل، هو ما يسعى اليه اركون في تسويغ مفهوم التعاليات الرمزية للنص القرآني، من خلال القوة التي تفوق نصه الابلاغي الى سيرورة قوة مهيمنة، اشباعية، شارحة، لها مركبها النقدي – نقد السلوك والفكر والخطيئة والاثم – والذي يستقطب له تمثلات معرفية ونفسية وتأويلية، والتي اصطنعت لها طوال قرون طويلة منذ القرن الثالث الهجري نوعا من (المؤسسة المفاهيمية) التي تملك حضورا فاعلا ومؤثرا، اذ كثيرا ما تحولت الى قوة تفسير رسمي وقوة حكم وقضاء للدولة السياسية، فضلا عن تحولها الى خطاب سري عميق الاثر والغواية للجماعات المناوئة، والتي تحصنت بالتقية والتأويل. يضعنا هذا الكتاب امام جدّة محمد اركون وموضعيته في التعاطي مع ازمات فهم التاريخ والنص، من خلال منظورات منهجية خارجة عن تاريخية هذا النص، والتي تجعله الاقرب الى النص (الانسنوي) الذي يبيح للقارىء القبول بجلاء ما يحوزه من معان ظاهرة وباطنة، وما يوفره من احكام يمكن اخراجها من القياس، واخضاعها للتأويل والقراءة، وبما يجعل فهم اركون نوعا من القراءة المتعالية الكاشفة التي توظف مناهج العقل المثالي، خاصة اركولوجيا فوكو، وسسيولوجيا بيار بورديو، باتجاه امكانية وضع النص القرآني والنص الاسلامي بشكل عام في سياق تداولي، يمكن ان يتقبل النقد والتأويل، خاصة وان هذا النص في سياقه التقديسي قد أحكم منظوره الشرعي على آليات التفكير عند جماعات واسعة، وبالتالي فان النقد سيكون فاعلية مركبة لنقد انماط التفكير عند تلك الجماعات التاريخية ومنظوراتها للحكم والحقوق والحريات والقبول بالآخر.. (1). محمد اركون. ‘مشكلة الاصول’. ترجمة هاشم صالح. مجلة ‘الفكر العربي المعاصر’ العدد 13 ـ بيروت 1990.’ كاتب من سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية