‘من عايدة الى كزافيه، رواية في رسائل’ لجون برجر:
د. فيصل درّاج’من عايدة إلى كزافيه، رواية في رسائل’ الصادر مؤخرا عن الدار العربية للعلوم، هو عنوان الكتاب الجديد لجون برجر، ناقد الفن الذي يجاور الفيلسوف و’الفيلسوف العفوي’، الذي ينقد ما يشوّه وجوه الحياة. قد يبدو هذا النص الفاتن رواية عن جمالية الاتصال وأوجاع الانفصال، أو نثراً طليقاً يؤانس الأرواح المفردة ويحتضن المطر والعصافير ويتسلل إلى سجون رهيبة الأسوار. لكنه، في الحالين، شهادة على فكر شغوف بالعدل والتحرر. ولعل صداقة التحرر هي التي جعلت برجر يكتب رواية مغايرة تستولد قواعدها الذاتية وتبتعد عن القواعد المتعارف عليها، ذلك أنها كتابة عن تجربة الكاتب مع تجارب الآخرين، التي تتعدّد ألوانها كما تتعدّد ألوان الفردوس. فلكل إنسان معتقل قصة، ولكل قلب عاشق لا يقبل الاعتقال متواليات من القصص، والقصص جميعاً محفوظة في رسائل، يحافظ عليها بشر مخلصون يكرهون النسيان.
كتب برجر، في روايته، عن الحب والأمل والمقاومة، وعمّا لا يجب نسيانه، من آلام البشر وآمالهم، فالنسيان يدفن خبرات كريمة، ويترك قصص المضطهدين في الريح والعراء. جمع في نصه بين أخلاق التذكر، التي لا تترك السجين في زنزانته وحيداَ، وجمالية الكتابة، التي ترسل إلى المقموع صوتاً يحتاجه، وتقنع الصامدين بأن لهم زملاء من الأموات قاوموا وفاتهم النصر. وهذا البدء من المعيش الشاسع، التي تواجه فيه مكتبات النور حرّاس الظلام، هو الذي يضع في كتابه برجر لهباً حميما، ويمنع عنها الغبار. والكل هو التجربة، تجربة الناقد ـ الفيلسوف وهو ‘يؤرشف’ حكايات اليتم والفرح، وتجربة ‘أصوات للأرشيف’، التي تدوّي في قاعات السجون وترهب السجّان، وتجربة القارئ الذي يصطدم، يومياً، بسجون واسعة أخرى لا ترى. تصبح الحياة في تجربة مناهضة النسيان، دفاعاً عن الحياة، وتغدو الكتابة حواراً بين السجناء وآخرين يشبهون الأحرار، ذلك أن وجود السجن يحوّل ما خارجه إلى سجن آخر.
تأمل برجر، وهو يكمل كل حكاية بأخرى، حرية الإنسان المصادرة، آخذاً بنثر مبتكر، يوسّع المعنى المباشر، ويضيء الصورة المرئية، بصور محتجبة. دفعه نثره الحر، الذي يساوي بين كرامة الإنسان والمطلق، إلى معالجة قيود المكان والزمان، حالماً بمكان تحرّر من زمانه، ينقّل الإنسان بين ما شاء من الأمكنة، وحالماً بزمن تحرّر من مكانه، يستعيد الأليف الذي كان والمنتظر الجميل الذي سيكون. والواضح في التحرر المزدوج هو الإنسان الذي أضيفت إلى أوجاعه الذاتية قيود السلطات المستبدة، والواضح أيضاً تنوّع الرغبات الإنسانية، الممتدة من أم تتذكّر صوت ابنها السجين، إلى سجين يشتاق إلى الساحات والشوارع العادية، وإلى موعد غرام لا يلغيه رجال المخابرات.
وراء كل سجن سجون، ووراء كل سجن فردوس محتمل. وما الحياة، المتمردة على العادات والانتظار الموروث، إلا الرحيل الحالم إلى مكان مريح، يعيش الإنسان فيه رغباته الطبيعية دون حذف أو إضافة. ذلك أن الاغتراب الصادر عن حياة ناقصة يبدّل الطبيعي إلى غير الطبيعي، ويصيّر الشوارع إلى مكان لاصطياد البشر، ويؤجل مواعيد العشاق إلى أجل غير مسمى. ولهذا ساوى برجر، الذي ينفذ إلى قرار الرغبة الإنسانية، بين الكتابة والمقاومة، واستولد للكتابة المقاومة ما تحتاجه من عناصر، جامعاً بين الفلسفة والأدب والمأساة والسخرية والشعر والتقرير الصحفي، منتهياً إلى ‘حكمة’ معلقة في الفضاء، لا تتعرّف عليها إلا الأرواح المقاومة.
يبدو كتاب برجر رواية عن الحب، تسرد أحوال مناضلين ومناضلات تجسّر رسائلهم المسافة بين السجن وخارجه، وتحنو على رغبتين تنتظران التحقق. لكنه يظهر، في اللحظة عينها، رواية عن المقاومة، لأن في الرسائل ما يستنهض الأرواح المحاصرة ويساوي بين الحياة والأمل. والرواية، في الحالين، كتاب عن المقاومة في الكتابة، القائلة بحق البشر في المساواة، وبحق القراء بكتابة تعترف بالجميع، بعيداً عن ثنائية القارئ البسيط والقارئ المحترف. ولهذا فإن برجر لا يضع في روايته ما ‘عثر عليه في الطريق’، كما لو كان واعظاً أخلاقياً، بل يؤالف بين الدعوة إلى المساواة والإبداع الكتابي، منتجاً نصاً كثيفاً، يستنهض الضحايا ويتعلم منها، ويرى في الضحايا مقاومتها ‘البسيطة’ التي تهزم، في النهاية، تعاليم الطغاة.
تمثل الرسائل، في عالم موصد الأبواب، شكلاً من المقاومة، تضيف إلى الروح المفردة روحاً أخرى، وتجبر جدران السجن على التراجع، قليلاً، وتؤكد أن السجن أوسع من مكانه، وأن كلمات الرسائل تنفتح على أكوان واسعة. والأمر كلّه في المواجهة المفتوحة بين الحصار وكسره، فالذاكرة المقاومة، أوسع من زمنها، وبعض الكتابات أوسع من موضوعها وفي بعض الكلمات، التي اختارتها كتابة مبدعة، أكوان رحبة. ولهذا يخلق برجر ما يشاء من تلاقي الكلمات المختارة، إذ للأقفاص أجنحة، وإذ الأجنحة المحلّقة تستنهض الكسيح على الطيران.
لا تنفصل جمالية القيم، في رواية برجر، عن جمالية الكتابة، التي تجمع العوالم المختلفة في عالم مفتوح، تؤثثه المعرفة وإرادة المعرفة، وتضع في منتصفه إنساناً تحرّره إرادته، في انتظار زمن كوني سعيد يتلف الأقفاص. إنها المسؤولية الحكيمة، التي تدرك أن الدفاع عن الجميل يتطلّب وسائل جميلة، حالها حال الحقيقة، التي تسلك ‘طرقاً حقيقية’، وهي تنادي على عالم إنساني جميل يقف في مكان ما.
تجدر الإشارة إلى الترجمة الأمينة والمتميزة، التي قامت بها د. فتحية السعودي وتانيا ناصر، تعاملت مع الكتاب بإخلاص كبير، مدركة أن الجميل يترجم بلغة تنتمي إليه.