القاهرة ـ ‘القدس العربي’ – من محمود قرني: يتواصل المعرض الاستعادي الموسع الذي يقيمه ‘قصر الفنون’ بعنوان ‘ذاكرة فنان’، حيث يقدم هذه المرة، واحدا من أهم فناني الجداريات، فهو من كبار المتخصصين في فن الفسيفساء وقد سبق له أن انتخب رئيسا للجمعية الدولية لفناني الفسيفساء المعاصرين ومقرها مدينة رافتا الايطالية عام 1994. إنه الفنان التشكيلي محمد سالم المولود في سوهاج.
تخرج سالم من كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية قسم التصوير عام 1964، حيث حصل على منحة دراسية بمرسم الأقصر سنة 1965، وحصل على الماجستير من جامعة حلوان عن دراسة للحركة التشكيلية المعاصرة في مصر عام 1976، ثم حصل على دكتوراة الفلسفة في الفنون من جامعة حلوان عام 1982، وشارك في عدد من المؤتمرات الدولية المرتبطة بفن الفسيفساء مثل المانيا، سان بطرسبورغ، روسيا، كاماكورا، اليابان، الإسكندرية، والقاهرة، ومحمد سالم يعمل حاليا استاذا متفرغا بقسم التصوير بكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية.
وقد شارك الفنان محمد سالم في العديد من المعارض الجميلة وأقام العديد من المعارض الفردية في مصر وخارجها، ونفذ العديد من الأعمال الفنية الجدارية في أماكن إقامة خاصة وقرى سياحية وفنادق في سيناء والبحر الأحمر والساحل الشمالي والقاهرة والإسكندرية وآخرها جدارية ضخمة بميدان أحمد زويل بالإسكندرية.
وقد اختير محمد سالم عضوا بلجنة التحكيم الدولية بالدورة الثامنة عشرة لبينالي الإسكندرية عام 1994. كذلك هو عضو بلجنة الفنون التشكيلية بالمجلس الأعلى للثقافة منذ عام 1995، وكان محمد سالم قومسيرا عاما للدورتين التاسعة عشرة والعشرين لبينالي الإسكندرية في عامي 1997، و1999. تقول الدكتورة أمل نصر إن أعمال محمد سالم تنقل إلينا حسه المرهف ومقدرته على إدراك علاقات في الشكل توافق تصوراته الذهنية وأيضا استجابته الانفعالية كفنان تجاهها، وتضيف أن سالم حاول ان ينشط سطح اللوحة من خلال بحثه عن صيغ جديدة للعلاقة بين الشكل والفراغ، اللون والخط، وبين كل متناقضات العمل الفني، وتعلل ذلك بأن الثراء البصري للعمل الفني كان هو الشاغل الأهم للفنان، ذلك فإنه حسب نصر لا يقدم بهرجة لونية ولا زخما في الأشكال او العناصر بل غالبا ما يتوحد بناء الصورة عنده في شكل واحد موحٍ بضم عناصرها وتفاصيلها أو يفرد تصميم اللوحة على شكل مستطيل متوحد مع حدود العمل دون أن يعبأ بالمفاهيم القديمة لعلاقة الشكل والأرضية. وتقول أمل نصر إن اللون عند محمد سالم عميق وله أبعاد توحي بالقدم والرصانة والزمن، وهو يتحرك بين الهارمونية الخافتة والإرهاف الشديد، وبين لمسات الضوء القوية، وعنف الخطوط التي تعكس سرعة يد الفنان اثناء العمل والتي يحاول بها استباق الفكرة ونقل الدفعة الشعورية دون تنميق.
وفي توصيفها لشكل اللوحة لدى محمد سالم تقول امل نصر:
تمثل الدائرة أحد اختيارات الفنان المفضلة، حيث تكررت بحلولها الفريدة في كثير من أعماله الجدارية والتصويرية المسطحة، وترى أن القيمة التشكيلية للدائرة تتلخص في أنها إذا وصفت أمامنا ستسقط العين على مركزها بوصفه مركز الثقل الذي يجذب إليه جميع النقاط، وفي هذا الوضع يكون الإحساس المتولد لدينا متجانسا مهما كان الاتجاه الذي قد تدفع العين الى النظر فيه، فالعين تستطيع أن تتحرك في الدائرة بسهولة لتنسق بين أجزائها وتميز بينها في الأهمية.
وترى أمل أن هذا هو ما يميز الطابع العاطفي للدائرة، وتضيف موضحة: إذا كانت الدائرة شكلا تنقصه صفة الإثارة على الرغم مما في بساطته وصفائه من جمال، وعلى الرغم مما في اتصاله من روعة، إلا أن الفنان قد أعطاها حلولا أكسبتها الكثير من الحيوية والثراء فأحيانا نجده حسب نصر يشغل الدائرة بشبكة من الخطوط التي تحصر بينها مساحات تتخذ شكلا أساسيا في التصميم، أجزاء منها تقع اعلى العمل وأجزاء منه اسفل العمل فيتناوبان جذب العين، وأحيانا يقسم الدائرة الى مربعات يمثل كل منها عملا فنيا متكاملا، وفي نفس الوقت تتخذ جميع أجزاء العمل كعمل واحد متكامل مما يذكرنا بنظرية ‘القشتلت’. وعن تقنية الفسيفساء عند محمد سالم تقول أمل نصر انها تأخذ طابع الرسالة الحجرية، وتكون حروفها هي قطع الفسيفساء متنوعة الحجم والاتجاهات وترسم ظلالها على المسطح وعلى بعضها البعض عمقا قائما على حركة الظلال والمخاطبة الإيحائية للبصر. وترى نصر أن سالم في أعمال أخرى يحول مسطح الفسيفساء لمدينة حجرية في قلب الصحراء كأننا نراها على ارتفاع شاهق من نافذة الطائرة. وتتابع أمل المجموعات المجسمة من أعمال سالم وذلك في محاولة للدمج بين النحت والتصوير، من خلال مجسمات لأشكال عضوية غير منتظمة، مكسوة بقطع الرخام، فيتحرك التصميم الملون المسطح على مجسم فتضاف له قيم تشكيلية جديدة مرتبطة بالكتلة مثل البارز والغائر والظل والنور. وتضيف امل نصر انه يدعم استقرار التصميم عبر شريحة داكنة أسفله تعلوها مساحة فاتحة تتحرك فيها خطوط متناثرة داكنة لتربط بين المسطحين المتناقضين.
وتؤكد الدكتورة أمل نصر ان الفنان محمد سالم خرج بالتصوير الجداري المصري الحديث من مجالات الحليات الزخرفية والموضوعات السياحية والحرف التطبيقية الى مجال التشكيل المعاصر وتحمل مشقة الرواد في اجتياز ذلك حتى على مستوى عدم توافر الخامات، فكان يبتكر مواده مستعينا بأبسط الأدوات مثل الزجاج البلدي الشعبي محاولا صناعة بلاطات زجاجية منه يستخدمها في تشكيلاته.
وتضيف أنه طور فكرة الزجاج المعشق بالجبس من خلال دراساته الأكاديمية وواصل بحثه في ابتكار خاماته وتقنياته مثل استخدامه لظهر قطع السيراميك بملمسها المميز ولونها الفخاري، واستخدامه لحواف قطع الزجاج متجاورة بدلا من استخدامها المعتاد كمسطح، وكذلك استفاد من الخلفية التي يثبت عليها قطع الفسيفساء، فنراه يترك مساحات فارغة من تلك الخلفية لتؤدي دورها في التصميم وترى نصر ان ذلك يعد تكريسا للجمالية الخاصة للفسيفساء التي تعتمد على فكرة الجمال المنقوص.
أما الفنان والناقد المعروف عصمت داوستاشي فيقول إن الفنان محمد سالم ظل طوال عشر سنوات بعد تخرجه من عام 1964- 1974 متأكدا من عزلة الفنان عن مجتمعه وكذلك من عزلة الإبداع الفني عن تيار الحياة المصرية. ويرى داوستاشي ان هذه الحالة لازمت الحركة التشكيلية المصرية منذ بدايتها في أوائل القرن الماضي على يد طبقة اجتماعية متميزة هي التي أسست مدرسة الفنون ورعت الفن والفنانين وارتادت معارضهم واقتنت أعمالهم، وهي بطبيعة الحال فئة أو شريحة محمودة من المجتمع. ويضيف انه في مرحلة لاحقة أي في الاربعينيات اتسعت دائرة الفن نسبيا ولكن داخل نطاق مميز أيضا ثقافيا أو اجتماعيا او الاثنين معا، وكان النشاط الفني كله يدور خلال نمط الانتاج الفني المعروف وسبل العرض التقليدية أي المعرض ويوم الافتتاح وقص الاشرطة وجمهور حضر للمجاملة.
وأردف انه خلال تلك السنوات العشر المبكرة في حياة محمد سالم انتابه الكثير من الأحاسيس المحبطة وخاصة فيما يحيط بعلاقة الفن والفنان بالمجتمع، وتأكد له أن الفن والفنانين في عزلة حقيقية، حتى ايديولوجية مرحلة الستينيات التي دعت الى أن يكون الفن للجميع، ونبذت اتجاهات الفن للفن وعملت على توجيه الحركة الفنية لصالح المتغيرات الاشتراكية وللتعبير عن قوى الشعب العامل والفلاح لم تشجع إلا الاتجاهات الواقعية والتعبيرية وحاربت التجديد والتجريد وتم تهميش فنانيه.
ويعترف الفنان والناقد عصمت داوستاشي ان طاقات النور التي فجرها محمد سالم في منظومة أعماله القائمة على التصميم الدائري لم تجد صداها الحقيقي إلا داخل أعماله الجدارية التي نفذها في بعض القرى السياحية أو الفنادق حيث تألق إبداعه وتحقق وسط جمهور حقيقي تعايش مع جماليات الفسيفساء والزجاج الملون في مناخ حياتي طبيعي وغير مصطنع لقاعات العرض المغلقة التي يتردد عليها جمهور خاص ومحدود.
أما عن المنهج الفني لدى محمد سالم فيرى داوستاشي أن مصدره الأساسي الاراضي والضوء، الصحراء الصخرية الثرية بالتضاريس وأنواع الأحجار والصخور بألوانها المثيرة وضوء النهار الذي يشرق فيضيء ليترك هنا وهناك ظلاله.
ويرى داوستاشي ان محمد سالم فنان بيئي وكوني في آن واحد وطبوغرافي في نفس الوقت، ويقول مردفا: انه يحلق في الفضاء ليرسم مناظره البارزة بالأحجار أو المسطحة بألوان الإكليريك أو المضيئة بالزجاج الملون برؤية تجريدية بنائية لعله يسجل مدنا سحرية بحاراتها وشوارعها ودوائرها المتتالية اللا نهائية، أو يكتب أبجديته فتظنها لغة مقروءة، لكنها لغة تحتاج الى الثقافة الرفيعة في حسن تلقيها.
ويختتم داوستاشي حديثه عن الفنان محمد سالم بالقول: انه صاحب مدرسة متميزة وعطاء مرموق، لم يشغله غير الفن على الجانبين العملي والنظري منذ تخرجه في العام 1964.