الصراع علي السلطة في سورية كان دائما بين ضابطين!
الروائية السورية سمر يزبك صاحبة صلصال :الصراع علي السلطة في سورية كان دائما بين ضابطين!دمشق ـ القدس العربي ـ من أنور بدر: أعتقد أن رواية صلصال لسمر يزبك من الروايات القليلة التي تركت ترجيعاً فيما بعد القراءة. البعض أحس أنه معني بها ومدان من قبلها، وتصرّف علي هذا الأساس، والبعض رأي فيها مجرد فضح وتعرية لواقع دكتاتورية عسكرية، والبعض توقف عند الإحالات الصوفية والدينية إلي المذهب العلوي في سورية، باعتباره جزءاً من خلفية اجتماعية وثقافية لبيئة تنتمي الكاتبة إليها بالمعني الجغرافي والاجتماعي. فيما ذهب آخرون إلي تلمس المتخيل في هذه البنية النصية، خاصة عندما تختفي جثة (حيدر علي) ومعه (دلا) من العلية.إلا أن الكاتبة التي امتلكت أدواتها بعد مجموعتين قصصيتين، ثم ذهبت مع غوايات الرواية فكتبت طفلة السماء ، استطاعت تحقيق قفزة نوعية في روايتها الثانية صلصال إذ قدمت بنية سردية تقوم علي السرد الدائري الذي يمتح من تجربة ألف ليلة وليلة، في تقنية تكثف الزمن الروائي باعتباره زمناً للحدث إلي مجرد ساعات قليلة ما بين مقتل (حيدر علي) واختفاء جثته، وتقدم شخصيات حية تتحدث عن واقعها وتاريخها، بحيث تتسع مساحة المسرود عنه إلي سنوات عديدة بل وإلي أجيال في بعض الحالات. الكاتبة في هذا النص تشتغل علي لغة غنية بالإشارات والإحالات والمشاهد البصرية التي ترسم تفاصيل البيئة الساحلية وتفاصيل العلاقات الإنسانية، وهي تعري هذا الواقع وتتحدث في السياسة دون أن نلمس أثرا للمباشرة أو للخطاب الأيديولوجي والإنشائي، بل هي الأشخاص تحكي عن حياتها كما تطورت، منذ البدايات وحتي نقطة الحدث الوحيد في الرواية. لأن كل الأحداث الأخري تأتي في سياق السرد عما حدث ليس إلا. وإذ قدمت الكاتبة من خلال هذه الكثافة الدلالية شخصيات عاشت أمامنا حيواتها، فإنها فاجأتنا حيث منحت (دلا) مثلاً دور البطولة الأساسية في الرواية، مع أنها شخصية هامشية جداً في واقعها. هذه الرواية، وقبل مضي عام واحد علي صدور الطبعة الأولي لها عن دار كنوز الأدبية في لبنان، كانت دار شروق في مصر قد أعادت طباعتها ثانية، وأقام المنتدي الاجتماعي في دمشق جلسة قراءة وأخري للحوار مع الكاتبة. علي هامش هذه النشاطات كان لـ القدس العربي الحوار التالي مع كاتبة الـ صلصال : في البداية أين كان هاجس الكتابة عند سمر يزبك؟ في طفولتي كان يراودني حلم رومانسي بأنني شخص يشبه الملاك، ثم جاءت تأثيرات التربية الدينية بل الصوفية، من تأثيرات علوية ومسيحية بآن معاً، لتشكل فكرتي عن الحياة وما أريد أن اصنعه فيها، لذلك بدأت ممارسة الكتابة كشكل من أشكال التخفيف من اغترابي عن الآخرين، مع أن هذا الواقع بدأ يتغير في النهاية لصالح الإحساس بمتعة الكتابة، مع أن فعل الكتابة ليس فعلاً مزاجياً بل هو فعل مدفوع بقصدية وبوعي الكاتب، بحيث لا يمكن فصل الكتابة عن ضمير الكاتب، ولكن لماذا نكتب بهذه الطريقة؟ وهل نحن نريد حقاً أن نكتب عن واقع يجعلنا غير أحرار مع أننا نعيش وهم أننا أحرار،لأننا في النهاية نحن نكتب عن شيء حاضر بضرورة الكتابة عنه، ولا نكتب بدافع المتعة، فهذا أيضاً كذب، خاصة وأنني أعيش هذه الفترة تحت ضغط التفكير بأننا مدفوعون بإرادة قهرية وباستلاب لأن نكتشف هذا الواقع، وبالتالي أين المتعة من ذلك؟ هل تؤمنين بوجود مصطلح الأدب النسوي؟ بقدر ما يبدو هذا السؤال تقليدياً، بقدر ماهو شائك ومتداخل، بين نشأته في أوروبا علي خلفية حركات التحرر النسائي، وبين انتقاله إلي مجتمعنا كمفهوم ضعيف وجنسوي، لذلك أنا لا اعترف أبداً بوجود كتابة نسوية وكتابة ذكورية، أو بالأحري ليس لدي هذا الهاجس، مع أنه راودني قليلاً في بداياتي، لكنني لم اعد أؤمن به لاحقاً، فأنا أتعامل مع النص كنص مجرد من هويته أو جنسانيته، أتعامل مع النص ككائن مستقل عن كل شيء. النصوص النسوية غالباً ما تهتم بالإنشاء كما تهتم بالمشاعر والعواطف، أو تركز علي قضايا المرأة، وأنا اعتقد أن هناك كتابا ذكوراً كثيرين كتبوا عن مشاكل المرأة ومعاناتها بطريقة حميمة جداً وتفصيلية، مقابل كاتبات نساء كتبوا عن الذكور بطريقة لافتة للانتباه، فأبطال هدي بركات مثلاً أو نصوصها لا يمكن أن تحس أن كاتبتها امرأة. الناقدة جوليا كريستلين اشتغلت علي موضوعة وجود كلا الجنسين الذكر والأنثي في داخل كل فرد منا، وأنا اعتقد بصحة هذه النظرية، لذلك أقول أن موضوع الكتابة ليس جنسانياً، بل يتبع شخصية الفرد وانتماءه الفكري. بعد صدور مجموعتين قصصيتين، لماذا اتجهت سمر يزبك إلي الرواية؟ مع تأكيدي أن القصة القصيرة جنس أدبي مهم جداً، إلا أنني أحسست بها تضيق عليّ كثيراً، وأنا اعتبر أن الروائي مشروع فيلسوف، لذلك أخذتني غواية الرواية، مع أنني عندما كتبت طفلة السماء لم أكن أفكر بجنس الكتابة بل أخذني السرد دون إرادتي حتي اكتشفت أنني كتبت رواية من مئتي صفحة، ثم اشتغلت قليلاً علي التقنيات الروائية. إثر إنجازي لهذه الرواية أحسست أن ملعبي الحقيقي هو الرواية، وهو الملعب الذي يهبني إحساساً بالمتعة، وبأن فعل الكتابة يوازي فعل الخلق، بالمعني المعرفي، وأنت ككاتب تستطيع أن تحرك شخصياتك تماما كما يحركها المخرج علي خشبة المسرح. بالتأكيد هناك فكرتي عن نفسي وعن العالم، وفكرتي عن العدالة الاجتماعية، وهذه كلها عوامل حكمت توجهي نحو الرواية، وكما يقول أحد أبطال نيكوس كازنتزاكي في رواية زوربا : بعض الناس يحبون الصعود إلي أعلي الشجرة لرؤية العالم والآخرين من الأعلي، رغم أنهم في النهاية سوف يسقطون جميعاً . وهكذا أنا أحب الصعود إلي أعلي الشجرة ولا أحب البقاء في الأسفل، رغم يقيني بأنني شخص ميت في النهاية، ولكن بقدر ما أستطيع سوف اتحدي فكرة الفناء ذاتها، وفي هذا الفعل أحس بأنني موجودة، وأحس بضرورة الشغل علي مكاشفات الواقع ضمن هذه اللعبة الفنية، فهي ساحتي المفضلة للرقص ـ وأنا أحب الرقص جداً ـ والرواية والرقص هما أرقي الفنون الإبداعية. ما بين روايتك الأولي والثانية، كيف تطورت أدواتك الفنية؟ الفارق كبير طبعاً، فأنا في طفلة السماء كنت مدفوعة بهاجس الكتابة وبإحساس ضاغط، حتي قبل أن أكتشف أنني كتبت رواية، بينما تجربتي في صلصال جاءت بعد تمكن من أدواتي الفنية والتقنية.وأنا لا أتحدّث عن التطوّر في الأفكار، إذ أنني دائماً أحس بزحمة الأفكار في رأسي وفي الواقع، ولكن في صلصال أشعر ـ وهذا رأيي الشخصي ـ أنها شكلت نقلة نوعية بالنسبة لي، وحتي روايتي الجديدة عليا وهي مُنجزة تقريباً، أشعر أنني تجاوزت فيها تجربة صلصال وأشعر فيها بالخوف أكثر، وأعتقد أنّ الإحساس بالخوف يُلازم كل تجربة عندما يبحث الكاتب عن الكمال، أو الخروج أكثر من جحيم الخطأ، فالتجربة الجديدة يجب أن تمنح المرء حيزاً أفضل من الرضي، وأنا في كل يوم قبل أن أنام أحس أنني إذا لم أكتب شيئاً جديداً، إذا لم أقرأ شيئاً جديداً، إذا لم أعرف شيئاً جديداً، أحس أن يومي قد ضاع، وأن الحياة قصيرة. في رواية سمر يزبك الأخيرة شغل واضح علي المشهد البصري، إلي أي مدي جاء ذلك بتأثير العمل في التلفزيون والسينما؟ الحقيقة أن شغلي في الكتابة هو الذي دفعني باتجاه العمل في السينما والتلفزيون وحتي في الصحافة، وأشعر أن رؤيتي البصرية هي أقل من رؤيتي الذهنية للفكرة التي أتصورها، لكن كتابة سيناريو مسلسل ومجموعة من الأفلام أفادتني كثيراً في رسم المشهد البصري، واكتسبت خبرة عملية، بالتحديد بعدما أصبح لدي برنامج لا أكتبه فقط بل أقدمه أيضاً، مما منحني فرصة مراقبة نفسي أمام الكاميرا، كما أفادني عملي في التلفزيون كثيراً في مراقبة أفكاري وأنا اكتب، وبشكل خاص علي المستوي البصري، وأعتقد أنّ الروايات القادمة يُمكن أن تعبر عن هذا الشيء. بُنية رواية صلصال من جزأين، كان الأول أكثر غني بمساحة الفعل الدرامي، بينما في الجزء الثاني كان الإيقاع أبطأ مع يوميات حيدر علي الباحث وراء سؤال الفلسفة؟ أتفق معك بوجود إيقاعين مختلفين في متن الرواية، وهذا جزء من حريتي في الكتابة حتي لو تعارض الأمر مع البنية السردية الكلاسيكية للرواية، لأنني ضد هذه البنية.اشتغل جيمس جويس في رائعته أوليسيس علي الكثير من الإحالات والقطوع السردية التي فاجأتنا بغناها، وأعتقد أنها من أهم الأعمال الروائية التي أثرت بي، وفتحت آفاقاً أمام تطوّر الرواية الحديثة.وأنا في مذكرات حيدر علي كنت منحازة لنفسي، ودون سابق إصرار أعتقد أنني كتبت ما أرغب فعلاً في كتابته، وعندما أعدت قراءة الرواية أحسست بالسعادة جراء هذا الكونتراكت أو التباين بين الجزأين، فهذه حريتي الوحيدة التي أمارسها، حريتي غير الموجودة أبداً، لأننا نحن في واقعنا غير أحرار، وحريتي الوحيدة تكمن إذن في نصي، وأنا أراه من أهم أجزاء الرواية، رغم أنه مغرق في رموزه الصوفية والدينية العلوية والفلسفية، بدءاً من أفلاطون وحتي رموز الديكتاتور والجلاد، واستشهادات بالمكزون السنجاري وسواه، هذه الرموز الدينية لها إحالات مرجعية معروفة وفلسفية، حتي أفلاطون له إحالة مرجعية وفلسفية في المذهب العلوي. مع أن موضوع الرواية الأساسي هو الصراع علي السلطة؟ الصراع علي السلطة في سورية كان بين ضابطين في الجيش السوري، منذ أن بدأ العسكر حكم البلاد، كثير من عناصر المؤسسة العسكرية لم تكن موافقة علي ما يحدث، وعلي النقيض من القسم الآخر الذي قاد الانقلابات العسكرية وأسسّ لسلطة ما تزال مستمرة.وحيدر علي كان ينتمي لهؤلاء الناس الرافضين، لكنه في النهاية لم يكن طرفاً في الصراع علي السلطة، فهو بمجرّد إحساسه بأنّ الأمور تسير بهذا الاتجاه، وأنّ أحلامه التي دخل علي أساسها الجيش، والتي هي جزء من شعارات حزب البعث، قبل أن يغيّر هؤلاء الضباط أحلامهم وممارساتهم باتجاه نوع من الديكتاتورية العسكرية.حيدر انسحب ببساطة إلي عالمه الصوفي، هو لم يستسلم بل قتل، وهذا له علاقة بحبه الذي سلبه إياه علي حسن، فالخيبة لم تكن علي مستوي تحقيق مجتمع العدالة والاشتراكية، بل كانت خيبات فردية وإنسانية، وأردت القول: كم تشوّه الإنسان في العقود الأخيرة نتيجة العسف وغياب الحرية، حيث تحوّل إلي آلة ميكانيكية سلبت أهم مفردات الحياة وأصدقها، سلبت القدرة علي الحب. لذلك لا أقول إنّ هذه العقود شهدت صراعاً علي السلطة، بل إلغاءً للآخر من قبل السلطة. إذا كان موضوع الرواية يُحيلنا إلي الواقع باستمرار، فأين تكمن حدود المتخيّل الروائي من حدود هذا الواقع؟ هذه الحدود ملتبسة بشكل كبير، وأنا لا أقول إنّ الشخصيات واقعية مئة بالمئة، ولا هي مُجرّد شخصيات وهميّة، لأنها في ملامحها وسلوكها تحمل الكثير من عناصر الواقع كما تحمل نفس القدر من المتخيّل الروائي، وهي حدود متوازية ومتشابكة في مساحة النص، حتي أنني نفسي عندما أرجع للتفكير فيها، أتساءل أين كنت أمينة لواقعية هذه الشخصيات والأحداث، وأين أضفت؟ سمر يزبك التي التقطت الحراك السياسي في العقود الأخيرة، تحدّثت عن البني الإيديولوجية للطائفة العلوية، كما أشارت إلي نمط من العلاقات الجنسية التي أدت إلي الالتباس في أبوة رهام بين الزوج والعشيق، كيف كانت ردود الفعل علي خرق هذه المحرّمات الثلاث؟ كما قلت لك فإنّ نصي هو مجال حريتي الأوحد، لذلك أنا كتبت بحرّية، ولم أتقصد الكتابة عن المحرّمات بصفتها محرمات، بل أردت الكتابة عما يحدث في هذا الواقع، ويخاف الآخرون مقاربته.أما ردات الفعل فكانت عنيفة جداً علي المستوي الشخصي، بتوجيه اتهامات مُباشرة ومُسيئة لي، قد لا أحب تذكرها الآن بعد ثلاثة أشهر، والمشكلة كانت مع بعض الأشخاص الذين اعتقدوا أنهم معنيون بالرواية، فبدأوا الإزعاج والتهديد وصولاً إلي اقتحام منزلي بغيابي، وأنا لم أعرف من هو الفاعل.. ولن أدخل في التفاصيل المزعجة، رغم أنّ هذا الشيء لو حدث مع أي كاتب آخر في العالم لكانت ردات الفعل مختلفة.ما كان يهمني أن يقدّم نصي نفسه كأدب، ثم تجيء المسائل الأخري، ومع ذلك كنت سعيدة بقدر ما إذ اكتشفت من خلال هذه التجربة قوتي وقدرتي علي مواجهة المجتمع، ففي البداية كان الرعب ثم الانتصار علي الخوف، مما يدفعني للتأكيد أننا ككتاب ومبدعين معنيون برفع سقف الحرية، فبمقدار ما نكتب بحرية وجرأة أكثر، بقدر ما نساهم برفع سوية الخطوط الحمراء. كيف تفسرين ظهور عدد من الكاتبات في سورية يكتبن بذات الروحية؟ في سورية الشارع الاجتماعي متطوّر أكثر من الشارع السياسي، والحياة الاجتماعية للمرأة متطورة بالقياس إلي مجتمعات أخري، بينما في مصر مثلاً نجد أنّ الشارع السياسي متطوّر عن الشارع الاجتماعي، وهذا يمنح الكاتبات في سورية تميزاً، وربما يكون مُجرّد صدفة وجود عدد من الكاتبات في الثلاثينات من عمرهن، حاولن الكتابة عن الواقع بجرأة، ويُمكن في عقد آخر أن يظهر رجال أكثر تميزاً… وهكذا ! مساحة المسرود عنه في صلصال تمضي ربما لجيلين أو أكثر، بينما زمن السرد كان مكثفاً في ساعات قليلة هي زمن الحدث؟ أنا رفضت الدخول في الكثير من التفصيلات السياسية، واشتغلت علي الإنسان نفسه، ومن خلال سرد حياته رجعت إلي الزمن وتقدمت بحريّة، تحدثت عن فترة نشوء الجيش السوري والتحوّلات التي عصفت بالبلد خلال الثمانينيات من القرن الماضي، والتي أدت إلي تهميش الطبقة الوسطي في مجتمعنا، حتي أنني عدت في أوراق حيدر إلي الحجاج وابن المقفع، وأعتقد بأنّ هذه اللعبة هي التي قدمت شيئاً جديداً للقارئ، ففي هذه اليوميات قدمت شخصية تعتقد أنها روح الضحية الذي ترافقه صورة الجلاد منذ ابن المقفع وانتهاءً بحيدر علي الذي انسحب من السلطة دون أن تتركه هي.وأعتقد أنّ أهم ما في الفن والإبداع هو الإنسان نفسه، فأنت عندما تكتب عن الإنسان ستكتشف أنك تكتب عن التاريخ وتكتب عن السياسة، وأنا لا أدعي أنني مارست تقنية باهرة، أنا فقط اشتغلت علي الإنسان بطريقتي. سمر يزبك اشتغلت علي الإنسان بطريقتها، ولكنها اعتمدت لغة مكثفة؟ أعتقد أنّ اللغة أهم ما يُميز الأعمال الفنية، فأنا لا أعتبر النص مُجرّد وعاء فني للمضمون، لأنّ الأفكار كما يقول الجاحظ مرمية علي قارعة الطريق وأهم شيء بالنسبة للكاتب يكمن في جماليات التعبير عن هذه الأفكار من خلال اللغة والصور المكثفة.وفي كتاباتي أحاول الاشتغال علي اللغة، وعلي توظيف المفردة ضمن سياقها، أشتغل علي الصور الشعرية غير الإنشائية، وأعتقد أنّ لغة كل كاتب تعبر عن ثقافته بالذات. فأنا يسحرني المجاز، وأستمتع عندما ابتكر صورا توصيفية جديدة، وقد تحدث الإمام عبد القاهر الجرجاني عن كيفية تغير دلالات المفردة من سياق لآخر، وربما ساعدتني قراءاتي عن التصوف وعلاقتي بالمكان والبيئة للحديث بكثافة ولكن بمساحات دلالية أوسع. رغم ما يُقال عن تردي القراءة، نكتشف أنّ الكتاب الجيّد يجد قراءه؟ هذا صحيح، فأنا أعتقد أنه ما يزال للكتابة والقراءة دور كبير في حياتنا، ونحن الكتاب معنيون بهذا الدور، معنيون بإغناء فكرة الحرية من خلال كتاباتنا، رغم أنّ الواقع لا يُنبئ عما يدعو إلي التفاؤل. حتي أنني كثيراً ما أفكر بترك البلد والرحيل إلي غير رجعة، مع أنّ تجربتي الأولي في الاغتراب لم تكن مُشجعة، فبعد أول شهر كنت أجلس علي أرصفة ليماسول وأبكي عندما أتذكر بلدي. نحن محكومون بشيء قدري، أن ننتمي إلي هذا المكان ونحارب من أجله، لكن حربنا الحقيقية ليست مع الاستعمار والصهيونية، وليست مع أمريكا، حربنا الحقيقية مع فكرة العدالة نفسها، ومهما حدث أو سيحدث ـ وأعتقد أنّ المنطقة مُقبلة علي خراب ـ فلا نملك إلا أحلامنا الدونكيشوتية، نحن أشخاص نشبه دون كيشوت رغم عبثية وخرافية هذه الشخصية، لكنها تبقي النموذج الأكثر صدقاً وجمالاً للبطل المهزوم في داخلنا، وأخجل من نفسي إذا فكرت بطريقة مخالفة لذلك، فماذا سأقول لابنتي عندما تسألني : ليش هيك صار يا ماما؟0