صدرت عن دار شهريار في البصرة مجموعة قصصية جديدة تحمل عنوان «طائرٌ يُشبه السمكة» للقاص والروائي العراقي محمد حيّاوي المُقيم في هولندا حاليا، وهي مجموعته القصصية الثالثة بعد «غرفة مُضاءة لفاطمة» و«نصوص المرقاة». تختلف هذه المجموعة الجديدة عن سابقتيها في انتمائها إلى جنس القصة القصيرة جدا، التي تعتمد على تكثيف الحدث، وتقديمه إلى القارئ كلقطة فنية مُعبِّرة لا تفارق مخيلته بسهولة.
تشبه القصة القصيرة جدا في تقنيتها ومضمونها قصيدة الومضة التي تقوم على التركيز، والاختزال والنهاية التنويرية، التي تضيء ذهن القارئ وتظل متقدة فيه لمدة زمنية طويلة. ومَنْ يقرأ هذه المجموعة التي تتألف من 49 نصا قصصيا قصيرا ستعْلق في ذاكرته حتما رائحة التفّاح الزاكيّة، والجارة الهولندية التي تريد أن تجرّب الجنس مع رجل شرقي، شرط أن تٌخبر زوجها لأنها لا تستطيع أن تخبئ عنه شيئا، وحائك المراوح اليدوية المصنوعة من خوص النخيل، وصورة جيفارا على خاصرة بائعة الهوى، والشيوعي المطلوب في مكتب الرئاسة، والأرملة التي تُعلّق ملابسها الداخلية على حبل الغسيل، والفتى الجريء الذي يراهن الفتيات على لون مشدّات النهود التي يرتدينها، وجزمة الديكتاتور التي سرقها الراعي وتركه يمشي حافيا في الطريق إلى جنته الموهومة، ووجوه الموتى التي لا تظهر في الصور الفوتوغرافية المُلتقطَة، خصوصا صورة الفتاة المهووسة بالسينما والمُولعة بأنجلينا جولي، والدرّاجة التي قُذفت فوق نخلة عيطاء بفعل الانفجار، والمرأة التي أصيبت بطلق ناري في مؤخرة رأسها، وأخيرا وليس آخرا الطائر الغريب الذي يشبه السمكة، ويسبح تحت الماء وكأنه يقود الكائن الجريح إلى أعماق الظلام في المياه الباردة. وبالتأكيد هناك صور أخرى تعْلق بذاكرة القرّاء والمتلقّين حسب ذائقتهم الأدبية والفنية والفكرية، فالقصص والأحداث لا تقتصر على العراق أو هولندا، وإنما تمتدّ إلى سوريا وفلسطين وشواطئ البحر الأبيض المتوسط الذي يتلألأ بمدنه الساحليّة التي تخلب الألباب.
قبل الولوج إلى فضاءات هذه القصص القصيرة جدا وتفكيك تقنياتها ومضامينها المتشابكة، لا بد من التوقف عند بعض الاشتراطات والعناصر الرئيسة، التي تدخل في كتابة هذا النمط الإبداعي، الذي يقارب قصيدة الهايكو اليابانية في نهايتها التنويرية، ولغتها المركّزة والبعيدة عن المحسنات البديعية والتزويق اللفظي. فمساحة القصة التي يكتبها محمد حيّاوي في هذه المجموعة تحديدا تتراوح بين ستة إلى أربعة عشر سطرا، وهي مساحة ضيّقة لا تسمح بتسلل الزوائد اللغوية إلى جسد النص القصصي المُشذّب الذي لا يستغني، في الوقت ذاته، عن التكثيف والمُفارقة، والإدهاش لأن رهانه الإبداعي قائم على هذا المثلث تحديدا بمعونة اللغة الموحية التي تلامس وجدان القارئ.
على الرغم من هيمنة النَفَس التراجيدي على قصص المجموعة، إلاّ أنها لا تخلو من القصص العاطفية أو الرومانسية.
سنتوقف عند بعض قصص هذه المجموعة، وأولها قصة «حرب» التي تتألف من ثلاث شخصيات: العقيد والعريف والجندي إضافة إلى الراوي العليم الذي يروي الحدث. فثيمة القصة تقوم على سؤال افتراضي يوجِّهه العريف إلى العقيد بالصيغة الآتية: كيف سنعرف يا سيدي أن العدو قد استعمل الأسلحة الكيميائية؟ فيأتيه الجواب غامضا بأنّ «رائحته تُشبه رائحة التفّاح». وإذا كان العريف قد أكل بعض التفاح ويعرف رائحته وهذا احتمال بعيد، فإن الجندي لم يذق التفّاح طوال حياته بسبب الحصار فكيف سيتعرّف على رائحته إذن؟ وحين قصفهم العدو بالأسلحة الكيميائية «لم يدرك أن الرائحة زاكية إلى هذا الحدّ! أقصد أزكى من أن تكون قاتلة! فمات مبتسما». ما لم يلتقط القارئ هذه المفارقة ويعرف المعنى الخفيّ الذي يتضاد مع المعنى الظاهري ويتعارض معه فسيفلت من يده الخيط والعصفور معا.
لابد من الإشارة إلى ملحوظة مهمة جدا مفادها أنّ القاص محمد حيّاوي يركّز على رصد لحظة الموت، أو تلك اللحظات التي تليها مباشرة وكأنّ هذه اللحظات هي جزء حيوي من نسيج القصة وبنائها كما هو الحال في قصص عديدة أخرى مثل، «نعناع» و«سُرّة» و«نوم» و«أخ»، و«رفيقة»، و«درّاجة» وسواها من القصص التي ترصد الكائن البشري وهو يلج إلى عالم الأبدية.
على الرغم من هيمنة النَفَس التراجيدي على قصص المجموعة، إلاّ أنها لا تخلو من القصص العاطفية أو الرومانسية إن شئتم، وقصة «قُبلة» هي دليل على ما نذهب إليه، فالراوي يتلهّف لتقبيل صديقته العربية، بينما لا يفضّل تقبيل النساء الهولنديات، بحجة أنهنّ باردات، وسهلات يُشبهن لوحات رمبرانت الخالية من الروح. وحين تسأله: ألا تفضّل المرأة السهلة؟ فتأخذنا إجابته إلى لحظة الصدمة أو المفارقة حين يقول: «ربما، لكنني لا أشعر باللذة من دون مشقّة». أما اللحظة التنويرية فقد أجلّها الراوي إلى الجملة الختامية التي تبعث على الدهشة حين يقول: «أنظري إليكِ كم أنت جميلة وحيّية، أتمنى أن أقبّل حذائكِ كي تمنحيني قُبلة!».
وبما أنّ محمد حيّاوي عاش في هولندا قرابة 22 عاما فلابد أن يتسرّب المناخ الهولندي إلى قصصه، وربما تكون قصة «حياء» أفضل نموذج يتسلل إلى تجربته القصصية، ففي الصيف تخلع جارته الهولندية ملابسها وتسترخي تحت أشعة الشمس، لتكتسب بشرتها سُمرة مُحببة، وذات يوم سألته إن كان يشتهي عُريها وهي على مسافة قريبة من نظراته المنغرزة في لحمها الباذخ فيأتيها الجواب: «إنكِ مثيرة في الواقع». هذا البناء السردي المتماسك الذي يخلو من الإسهاب يقودنا إلى اللحظة التنويرية الصادمة، التي لا تكمن في استجابتها للتجربة الجنسية مع رجل شرقي، وإنما إلى ضرورة إحاطة زوجها مارتن بالأمر، «فهي لا تُخفي عنه شيئا أبدا».
تتميّز قصة «كرامة» بقوة بنائها، فهي تتألف من شخصيتين لا غير، الأولى فتاة متلفعة بعباءتها تأتي كل يوم إلى الجامع وتتبرع بثلاث مراوح يدوية مصنوعة من خوص النخيل، ورجل كبير أقعده المرض لكنه مصرّ على العمل، وكان يحوك كل يوم عددا من المراوح التي لا يشتريها أحد منه في السوق سوى فتاة متلفعة بعباءتها لا تُظهر سوى عين واحدة فقط. تبدو هذه القصة مقفلة لكنها تنفتح في واقع الحال على مساحة شاسعة من الكرامة، وحب العمل، وصدق النَفَس الإنساني.
أثارت قصة «سِلفي» عندما نشرها محمد حياوي على الفيسبوك ردود فعل إيجابية من عدد غير قليل من الأدباء.
أثارت قصة «سِلفي» عندما نشرها محمد حياوي على الفيسبوك ردود فعل إيجابية من عدد غير قليل من الأدباء، وأبرزهم القاصة والروائية لطفية الدليمي، التي رأت فيه قاصا رائعا، وروائيا مبدعا وأصيلا حيث قالت:»فليتعلّم كُتّاب القصة القصيرة كيف يُكتب هذا الطراز الأدبي عندما يتصدّى له كاتب بحِرفية وموهبة وتجربة محمد حيّاوي». لنعد إلى القصة نفسها التي تتألف من ثلاث شخصيات وهي الأم، وابنتها المهووسة بالسينما، وأنجلينا جولي التي جاءت إلى الجانب الأيمن من الموصل لتذرف دموعها الغزيرة هناك. فالقاص يوحي للقارئ، وكأنّ الأم وابنتها مازالتا على قيد الحياة. وحين تخرج البنت من تحت الأنقاض وتحتضنها جولي تلتقط معها سِلفي وتعود مسرعة إلى الأسفل لتُري أمها الصورة ولكنها تندهش كثيرا لأنها لم ترَ وجهها إلى جانب وجه أنجلينا المبتسم. «لقد نسيت أنها ميتة منذ أشهر تحت الأنقاض!».
تجدر الإشارة إلى أنّ هذه القصص القصيرة جدا متقدمة في لغتها وتقنيتها وبنائها المعماري الذي يُشعِر القارئ بأنه يقرأ نصوصا قصصية متضامّة، لا يربك إيقاعها السيمفوني أي نشاز سردي. بقي أن نقول إن محمد حيّاوي قد رسّخ تجربته الروائية على مدى ثلاثة عقود ويزيد، وقد أنجز روايات عدة نذكر منها «ثغور الماء»، «طواف متصل»، «خان الشابندر»، «بيت السودان»، إضافة إلى «فاطمة الخضراء» التي مُنعت من النشر في العراق بتوجيه من الكاتب الفلسطيني الراحل جبرا إبراهيم جبرا، الذي رأى أن هذه الرواية لا تنسجم مع الوضع السياسي الذي كان سائدا آنذاك لكنه تنبأ لكاتبها بمستقبل أدبي واعد.
٭ كاتب عراقي