جمهور المتظاهرين في غزة يفرض التسوية

حجم الخط
0

ممثلو البعثة المصرية في غزة وصلوا يوم الجمعة لمشاهدة السحر الذي مارسته حماس على المتظاهرين، وقد سحروا من ذلك: حضور قليل للمتظاهرين، آلاف وليس عشرات الآلاف، ابتعاد كبير عن الجدار وبدون قتلى. استنتاج مصر وإسرائيل هو أن حماس تمسك بيديها باب المعبر، بل يمكنها توجيه ارتفاع اللهب وشدته. فإذا أرادت سيشتبك الآلاف مع قوات الجيش الإسرائيلي، وحسب توجيهاتها يوقفون اندفاعهم نحو الجدار. إلا أن هذا استنتاج لا يحتاج اطلاقاً إلى إثبات، على الأقل ليس حسب الادعاء الإسرائيلي الثابت الذي يقول إن حماس هي الجهة الوحيدة المسؤولة في قطاع غزة، وحسب تعليماتها يتم كل شيء.
هذا الاستنتاج كان يجب أن يجعل إسرائيل تفهم منذ سنوات أن نظرية العصيان المدني التي أرادت إسرائيل حدوثها في القطاع ضد حماس من خلال الإغلاق والعقوبات التي فرضتها على حماس، لن تصمد أمام امتحان الواقع.
النظرية التي حلت محلها قالت إن العقوبات يجب عدم إلغائها، ولكن بدلاً من اعتبارها وسيلة لإسقاط حكم حماس على أيدي المواطنين، يتم اختبارها كوسيلة تهدف إلى الضغط على حماس ووضعها في وضع فيه من شأنها أن تفقد شرعيتها ودعم الجمهور لها، إذا لم تعمل من أجل تخفيف شروط الحياة في القطاع.
هذه هي النظرية نفسها والاستراتيجية نفسها مثل سابقتها الفاشلة، واللذين فيهما العامل الهام والتهديد الحقيقي هو المليوني فلسطيني الذين يعيشون في حصار شديد منذ 11 سنة. سواء بضغط إسرائيلي على حماس من أعلى عن طريق تقليص قدرتها على السيطرة، أو النية بإثارة احتجاج جماهيري ضدها من الأسفل، فإنهما تستندان إلى الدور الذي يجب على الجمهور القيام به. إن قدرة سيطرة حماس وقوة إسرائيل ضدها تنبع من توقع سلوك الجمهور.
تحول الجمهور في غزة إلى قوة استراتيجية فرضت على الجيش الإسرائيلي الصراخ إزاء الضرر الإنساني في ظروف الحياة، وفرض في نهاية الأمر على حماس تأييد عملية تسوية لم تنته بعد. على مدى ستة أشهر في نهاية كل أسبوع، وكذلك في منتصف الأسبوع، تجند الجمهور بعشرات الآلاف في استعراض للقوة سمي «مسيرات العودة».
20 ـ 30 ألف شاب وبالغ، نساء وأولاد يضعون أرواحهم على أكفهم، لم يصلوا إلى خط المواجهة، لأن حماس أمرتهم بالقيام بذلك. هم القوة التي تمثل المليونين من السكان الذين لم يعد لديهم ما يخسرونه. يمكن التساؤل لماذا لم ينضم إليهم عشرات أو مئات آلاف الآخرين، ولكن هذا هو السؤال نفسه الذي كان يمكن طرحه أثناء تظاهرات الربيع العربي في مصر التي شارك فيها في أفضل الحالات حوالي نصف مليون إلى مليون شخص، الذين مثلوا حوالي 90 مليون مواطن.

سكان القطاع تحولوا إلى قوة استراتيجية نجحت في تشكيل شبكة علاقات سياسية بين إسرائيل وحماس

بالمقارنة بين حجم السكان في غزة وحجمه في مصر يمكن القول إن 20 ألف متظاهر من غزة يساوون في قوتهم مليون متظاهر من مصر، أي نصف عدد سكان القطاع. إن لدوام التظاهرات واستمراريتها في غزة قوة كبيرة أثبتت لإسرائيل وحماس أن الأمر لا يتعلق باستعراض قوة مؤقت، بل بظاهرة لم يكن لها مثيل في غزة أو الضفة منذ انتهاء الانتفاضة الثانية أو منذ سيطرت حماس على القطاع في 2007.
اختارت إسرائيل تجاهل القوة الجماهيرية هذه، وبدلاً من ذلك وضعت أمام القناصة أهدافاً تتمثل بمن يطلقون البالونات ومن شخصتهم كزعماء للمتظاهرين، أو من تجرأوا على الاقتراب أكثر من اللازم من الجدار. هكذا نجحت في تجاوز الذريعة الجوهرية للتظاهرات بعرضها المواجهة وكأنها استهدفت التغلب على عدو «مسلح» يعرض أمن دولة إسرائيل للخطر. ليس هناك خلاف على أن البالونات تتسبب بضرر كبير، وعرضت حياة أشخاص للخطر. بهذا حصلت إسرائيل على مصادقة لعرض المواجهة كصراع ضد منظمة إرهابية وليس كمواجهة مع السكان. في الوقت نفسه، فقد حيدت بذلك خطر الحرب، فمن الذي سيشن حرباً ضد مطلقي البالونات؟ يمكننا تتويج رأس نتنياهو بالمديح بسبب امتناعه عن شن الحرب، ولكن ما صده عن ذلك هو طبيعة المواجهة التي لم تخلق الشرعية المطلوبة لحرب شاملة.
فصل التسوية الذي رافق المواجهة العنيفة طوال الوقت بطريقة حطمت النظرية الثابتة التي تقول نحن لا نجري التفاوض مع منظمات إرهابية، تحول من مفاوضات مع حماس إلى مفاوضات مع السكان. إن السماح بإدخال الوقود، واتفاق دفع الرواتب من قبل قطر، والاستعداد المتبلور للسماح لخمسة آلاف عامل من القطاع للعمل في إسرائيل، والتعهد بإنشاء ميناء وزيادة مساحة منطقة الصيد ـ كل ذلك مواضيع مدنية هدفت إلى تهدئة الجمهور في غزة وإعطاء حماس وسيلة للسيطرة.
إسرائيل لا تطلب من حماس نزع سلاحها أو نزع سلاح منظمات أخرى مثل الجهاد الإسلامي ولجان المقاومة. وهي لا تشترط التسهيلات المتوقعة بإلغاء ذراع حماس العسكري، وهي لا تصمم على أن تحول حماس للسلطة الفلسطينية السيطرة على المعابر وعلى أجهزة جباية الضرائب. هذه طلبات يضعها محمود عباس أمام حماس، وليس إسرائيل. من هنا فإن سؤال «تعزز أو ضعف حماس» لم يعد يسأل، فإسرائيل تنازلت عن اختبار القوة الداخلية للمنظمة، عندما أزالت عن جدول الأعمال العملية السياسية وانتقلت إلى سياسة الفصل بين غزة والضفة، التي لها أهمية للحفاظ على قوة حماس. هذه السياسة تلزم إسرائيل بالاهتمام برفاه السكان في غزة، ليس لأسباب إنسانية أو غيرية، بل كقرار استراتيجي يعطي القوة للجمهور الفقير والمتعب، الذي ينجح من خلال ارتعاشة موته في تشكيل شبكة علاقات سياسية بين إسرائيل وحماس بصورة تضم تنسيقاً أمنياً غير معلن.
هذه الاستراتيجية لا يمكنها أن تتحمل تأخيرات أخرى الآن، بل تتطلب الإعلان عن نية رفع الحصار بالكامل وفقاً لقيود أمنية عملية، وفتح الأبواب لاستثمارات كبيرة، وخلق أماكن عمل لآلاف السكان الغزيين، وتطبيق خطة إعادة الإعمار التي تم الاتفاق عليها بعد عملية «الجرف الصامد»، التي تم الاتفاق عليها مرة أخرى قبل بضعة أسابيع بين مصر وإسرائيل. لأن المواجهة لم تعد بين إسرائيل وحماس، بل مع الجمهور الكبير الذي أثبت قوته.

تسفي برئيل
هآرتس 5/11/2018

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية