أفونسو كروش واستجواب كائنات ورقية

كيف يكون إحساسك يوما لو أبتلعك كتاب؟ وكيف ستكون ردة فعل من حولك عندما يعلمون أنك اختفيت داخل إحدى الروايات؟
استطاع أفونسو كروش أن يطرح هذا الاحتمال عبر روايته «الكتب التي التهمت والدي» والتي ترجمها حديثا إلى العربية سعيد بنعبد الواحد.
افونسو كروش من مواليد 1971. صدر له هيا نشتر شاعرا، الرسام تحت المجلى، دمية كوكوشكا والكتب التي التهمت والدي عن دار مسكيلياني. وهو روائي برتغالي، ومصوِّر، وموسيقي. وُلد في فيجيرا دا فوز، ودرس في كلية أنتونيو آرينو للآداب في لشبونة، وكلية الفنون الجميلة في لشبونة أيضًا، ومعهد ماديرا للفنون التشكيلية.
تدور أحداث «الكتب التي التهمت والدي» حول موظف حكومي يعمل في مصلحة الضرائب يدعى فيفالدو بونفين أين يقضي هذا الأخير حياة رتيبة في عمله فيقرر أن يكسر الملل عبر قراءة بعض الكتب التي كان يحملها معه إلى هناك. اثر انغماسه في القراءة اختفى فيفالدو بونفين داخل احد الكتب التي كان يقرؤها خلسة تاركا وراءه كرسيا شاغرا وعددا هائلا من الأسئلة التي قرر ابنه الياس بونفين إيجاد إجابة لها عبر تتبع اثر والده.
اتبع الياس الملاحظات التي تركها والده على هامش الكتاب الذي تاه داخله محاولا اقتفاء أثره. طوال جولته داخل الكتب بحثا عن أبيه يحملنا الياس بونفين في رحلة بين ابرز الروايات العالمية فتطفو شخصياتها الرئيسية على السطح كأنما باتت من لحم ودم واكتسبت الحياة فصارت ترافق البطل الصغير في جولاته بين الكتب وداخل شوارع لندن.

تشبه رواية كروش في نسيجها دمى «الماتريوشكا»، حكاية رئيسية تحيلك إلى حلقات من الحكايات المتتالية.

عبر هذه الرحلة اخذ البطل الصغير القارئ إلى أهم الروايات العالمية أين جعله في مواجهة مباشرة مع أبطالها اللذين تجاوزوا أدوارهم التي أسندت إليهم في رواياتهم الأم، فتعدوا الإطار الزماني والمكاني الأولي إلى إطار ثان داخل الرواية، من خلال هذا اللقاء استطاع الكاتب أن يفتح باب التوقعات لتغيير خواتم الأبطال أبطال انتهت مصائرهم مع آخر صفحة لهم.
تشبه رواية كروش في نسيجها دمى «الماتريوشكا»، حكاية رئيسية تحيلك إلى حلقات من الحكايات المتتالية، اذ يمثل اختفاء والد الياس بونفين الحكاية الأولى فبالتالي هي الوحدة الكبرى وعند فكها ننتقل إلى حكاية ثانية ثم ثالثة ورابعة وهكذا تتعاقب الحكايات.
«الكتب التي تستند ظهورها إلى كتب أخرى فوق الرفوف عبارة عن عوالم متوازية».
ترك فيفالدوا لابنه في علية البيت مكتبة احتوت مجموعة كبيرة من الكتب وكأنه أراد أن يورثه المعرفة التي اكتسبها، عبر التوريث وصلت لنا المعارف إما عن طريق رسومات قديمة أو نقوش حيث كان دافعها الأساسي هو البحث عن الخلود وصيانة المعرفة وتداولها. فكيف سيكون حال الياس بونفين لو لم يترك له والده هذه الكتب وهل كان سيعرف متعة الخيال؟
من الواضح أن افونسو كروش قد نحت أسلوبا جديدا في بناء عمله الروائي حيث اقتبس المقولات والعبارات من روايات أخرى وبذلك يحقق صاحب دمية كوكوشكا فعلا تواصليا بين المتلقي وما يحيل إليه نصه، فعلا عندما ننتهي من قراءة هذا العمل يرد إلى ذهننا ما قرءه البطل بونفين في علية البيت للكاتب الأرجنتيني بورخيس فالأخير اعتبر بان المكتبة من أكثر الأماكن تعقــــيدا وتشعبا بل برأيه أن كتابا واحدا يمكن أن يمثل مكانا نضــيع فيه ونتوه كما يحصل ذلك بالنسبة لقارئ هذه الرواية.
ويكمن جزء كبير من متعة القراءة والمتابعة المعرفية في هذا الضياع ومصاحبة ما لم يدركوا عصرنا وما عشنا في زمنهم.

٭ كاتبة تونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية