«وقائع موت معلن» لمثقف خارج عن السياق

حجم الخط
1

لا يمكن تفسير وقائع نحر جمال خاشقجي بهذا الشكل الهمجي بدون الحفر أركولوجيا وسيسيولوجيا ورأسيا وأفقيا أيضا في ذاكرة التاريخ والفكر الإسلامي عموما والعربي خصوصا، هذا إن أردنا أن نقرأ هذه الحادثة بشكل عميق، شكل غير آني ولا وقتي ولا لحظي، فهذه القراءة توفرها النشرات اليومية والتحليلات والتسريبات التي تنهال من هنا وهناك ومن كل حدب وصوب.
والحقيقة أن الأزمة الفعلية تكمن في طريقة تعامل السلطات العربية والإسلامية مع المثقف، هذه السلطات والأنظمة الحاكمة التي تم بناؤها على أسس بطريركية وهيراركية وأبوية تستمد شرعيتها من الحق الإلهي المقدس في أحيان وفي أحيان أخرى تستمد هذه الشرعية من العرف القبلي شديد التراتبية، وكثيرا ما تختلط هاتان الشرعياتان القسريتان في عالمنا العربي بشكل مطلق.
هذه هي نماذج الأنظمة الحاكمة عندنا ولا يبرر أن بعض هذه الأنظمة غلفت نفسها بشكل الدولة الحديثة من المؤسسات والهيئات والانتخابات الديكورية، لأنها عملت في التوقيت ذاته على إفراغ هذه المؤسسات والآليات الديمقراطية من محتواها وصارت مجرد شكل وواجهة لهذه البؤر القمعية، في هذا السياق الخانق أضحت الديمقراطية ومشاركة الحاكم في اتخاذ القرار بدعة غربية لم تعدم من وجود من يكفر أصحابها والداعين إليها، أو التبجح بتسويق فكرة أن المجتمعات العربية والإسلامية جاهلة وبليدة وغير مهيئة لمثل هذا النوع من المشاركة.
والحقيقة الواضحة أن هذه الأنظمة لا تريد مثقفا عضويا فعالا وإنما تريد مثقفا مدجنا حليفا وداعما ومفسرا ومبررا لكل ما تنتجه من قرارات، ودوره المجتمعي لا يتعدى كونه حلقة وسطى بينها وبين العوام، التي لا ترى فيهم سوى دشت بشري هائل تلقي إليهم بالفتات من الثروات وتقنعهم بكل السبل والطرق بأنهم عالة عليها.
أما المثقف الخارج عن السياق والداعي إلى التغيير، سواء بطريقة سلمية مهادنة ومتحسسة في آن معا- نموذج الخاشقجي وراجع مقالاته ومواقفه إن شئت- أو الداعي إلى التغيير الثوري، هذا المثقف تتعامل معه تلك السلطات بشكل عدائي وتسعى لتصفيته جسديا ومعنويا.

أضحت الديمقراطية ومشاركة الحاكم في اتخاذ القرار بدعة غربية لم تعدم من وجود من يكفر أصحابها والداعين إليها.

إنها الأزمة الأولية الكامنة في بنية العقل الجمعي التاريخي العربي والإسلامي المؤسس لأنظمة الملك والحكم والسلطة إزاء المثقف الخارج عن السياقات الاجتماعية والسياسية في مواجهة هذه السلطة، أو حتى المثقف المحتمل خروجه عن النص، بكل الأحوال يتم التعامل معه على أنه مدان تلقائيا وكلما تضخمت ذات السلطة زادات دائرة قمعها بشكل لانهائي وأصبحت في حالة تعطش دائم للقمع.
في هذا السياق تحديدا يصبح ما حدث لخاشقجي ليس ابن هذه اللحظة الراهنة، أنه ميراث تاريخي تراكمي ضخم ضاغط على عصب الممارسة اليومية الآنية للمستبدين المعاصرين، ميراث لا يعدم من وجود مبرر ديني يعطي مسكنات للضمائر، هذا في حال صحوها إن صحيت (أنظر أقوال الكثير من علماء السعودية وهيئة كبار العلماء في هذه الأزمة وغيرها).
والحقيقة الأخرى التي لا بد لنا من الاعتراف بها هي أن ميراث الذبح والنشر والتصفية طويل جدا وممتد في تاريخنا، بدءا من ذبح الجعد بن درهم صبيحة عيد الأضحى وسط تهليل وتبريك المشايخ تحت دعاوى التبديع والتفسيق، وهو الذي نفى القدرية عن أفعال الإنسان، وبالتالي تنفى الحرية عن الحكام وتحملهم مسؤولية ظلمهم وطغيانهم، فكان لابد من إسكات هذا الخطاب المزعح المتصاعد في مواجهة خطاب المرجئة المهادن والخانع والمبرر والمتمتع بحماية الدولة الأموية.
في مثل هذا السياق الخانق والقامع يمكن تفسير ما حدث للحلاج من ضرب وصلب وحرق، ليس لأنه خرج من المنظور الفقهي التقليدي على السياق العام ولا من أجل شطحاته العرفانية، التي كنت تُقبل وتُمرر بشكل أو بآخر منه ومن غيره في هذا التوقيت، وإنما لأنه دعا في خطاب مواز لخطابه العرفاني إلى تصوف لا يخدر العامة ولا يمنيهم بأنهار الخمر والعسل واللبن في مقابل التنازل عن حقوقهم في الحياة الدنيا، تصوف نادى ولأول مرة بتوزيع عادل للثروات والحقوق وتأليب العامة وتثويرهم على أوضاعهم.
هنا كان لابد من مجابهته بمقولة يا حلال الدم التي تتضمن في بنيتها تصفيته جسديا ومعنويا بشكل حرفي لأنها تحمل بين طياتها تكفيره وحرمانه من الدنيا والآخرة وبالتالي يصبح الحرمان والعقاب الدنيوي والآخروي قائم في وجه كل من يحمل هذا الفكر.
في هذا المساق أيضا تم قتل عبد الله بن المقفع وبشار بن برد والعشرات غيرهما عبر تاريخ الدماء الممتد لتصفية الصوت المعارض تحت دعاوى الزندقة والتفسيق، بينما على سبيل المثال السبب الحقيقي لقتل شاعر كبشار هو هجاؤه للخليفة ببيت شعره الشهير (خليفة يزني بعماته)،
لذلك فإن بنية الخطاب السلطوي والسرديات النصية الكبرى المؤسسة لهذا الفكر في تاريخنا تحتاج إلى بذل مجهود شديد من أجل تفكيكها وتعرية هذه البنية المتهافته حتى لا تمرر عمليات القمع و التصفية والسحل والتبديع والتخوين للمثففين والمفكرين.. وإنه وللعجب وحتى هذه اللحظة يتم تبني خطابات وبيانات جاهلة ومتخلفة وقرووسطية تنتج نصوص تساهم في إنتاج مثقف سلطوي خانع قابع في الظل يقتات على موائد السلاطين والأمراء والحكام بوصف هذه الطاعة هي نوع من العبادة وإن جار الحاكم وضرب ظهرك وأخذ مالك.
في هذا السياق البياني التاريخي يتضح لنا أن خاشقجي ليس بدعا من التصفيات الجسدية عبر التاريخ، سواء المعلنة أو غير المعلنة، ولن يصبح خاتم المغتالين طالما المنظومة المنتجة والمفرخة لآليات القمع قائمة، وطالما ليس هناك بالفعل مناخ حر وقيم حداثية تؤدي مآلاتها إلى تقويض خطاب التسلط والتجبر والعنف وكذلك غياب وجود آليات ديمقراطية فعلية محققة على أرض الواقع بلا قيد ولا شرط. ومن السرد المبتسر الآنف الذكر لتوصيف حالتنا الراهنة يتضح لنا أن المنشار الذي مزق هذا الجسد هو منشار تاريخي هائل عابر لمئات الأعوام وما دماء خاشقجي إلا نقطة في بحر دماء تاريخي وجغرافي يمتد كبقعة زيت سوداء خانقة تحجب الأفق.

٭ إعلامي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية