تلك كانت صفقة، فقسماها مرتبطان الواحد بالآخر. في تصريح بلفور الذي يحتفلون بذكراه الـ 101 هذا الأسبوع، تم التأكيد بصورة واضحة على الصفقة التي قُدمت للهستدروت الصهيونية: إقامة وطن قومي لليهود «بشرط واضح، ألا يتم فعل أي شيء من شأنه المس بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية في أرض إسرائيل». أي، دولة اليهود تكون دولة ديمقراطية تمنح المساواة لكل سكانها. هذه صفقة غير قابلة للتجزئة، وعدم تطبيق الجزء الديمقراطي يلغي الشرعية والدعم الدولي الذي منح لإقامة دولة اليهود.
تصريح بلفور يعدّ القاعدة السياسية ـ القانونية لمطالبة الحركة الصهيونية بإنشاء دولة اليهود في أرض إسرائيل الانتدابية: «حكومة جلالة الملك تنظر بعين الرضى إلى اقامة وطن قومي للشعب اليهودي في أرض إسرائيل». إن تضمينه في صك الانتداب الذي أعطي للبريطانيين غير تماماً تطبيق فكرة الانتدابات (مساعدة وتعليم «الشعوب الضعيفة» في بلادهم)، وشرع استثناء فلسطين ـ أرض إسرائيل من مبدأ تقرير المصير («الأرض تعود لسكانها وليس لمن احتلوها»)، أي أن تصريح بلفور منح الشعب اليهودي، الذي لم يكن يعيش في وطنه في ذلك الوقت، الحق بإنشاء دولة خاصة به، وهذا الحق منع عن عرب أرض إسرائيل، رغم أنهم شكلوا أكثر من 90 في المئة من عدد سكان البلاد وسيطروا على أكثر من 90 في المئة من أراضيها الخاصة.
بعد مئة سنة على ذلك، في عام 2012 كان ادموند ليفي، قاضي المحكمة العليا، هو الذي شرع في تقرير طلبته حكومة نتنياهو، بناء البؤر الاستيطانية غير القانونية «على أراضي الدولة». وحسب موقفه، فإن صك الانتداب الذي أساسه وعد بلفور، هو الوثيقة القانونية ـ السياسية الأخيرة وسارية المفعول بخصوص أراضي الضفة الغربية. في صك الانتداب جاء في المادة 6 بشكل صريح أن «النظام في فلسطين… سيساعد بشروط مناسبة من أجل تشجيع هجرة اليهود، وتشجيع التعاون مع الوكالة اليهودية، واستيطان كثيف لليهود على الأرض، بما في ذلك أراضي دولة وأراضي قفر غير ضرورية لاحتياجات السكان».
إن طرح الأمور بهذا الشكل جاء وسمع في كل مناسبة من قبل رافضي الاتفاق الدائم وحل الدولتين. ولكن هذه، بقيادة بينيت وشكيد وسموتريتش وكيش، الذين يريدون أن يمرروا في الكنيست القادمة قوانين لضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية، تعرض فقط نصف صفقة وعد بلفور وصك الانتداب ـ وتؤدي إلى ضعضعة مكانتهما كأساس سياسي وقانوني لدولة اليهود.
من أجل ضمان سريان مفعول تصريح بلفور يجب على إسرائيل التراجع الكامل عن هذه السياسة
في تشرين الأول/أكتوبر 2017، قال جونثان ألين، نائب سفير بريطانيا في الأمم المتحدة، في تطرقه لحقيقة أن إسرائيل تسيطر منذ خمسين سنة على المناطق وتمنع عن سكانها المساواة في الحقوق: «دعونا نذكر أنه كان هناك جزءان للتصريح، الجزء الثاني لم ينفذ». حتى لو كان يمكن رفض هذه المقولة بذريعة أن إسرائيل في حدود 1967 تعطي مساواة كاملة لسكانها، فإن المخططات المستقبلية لضم مناطق من الضفة الغربية، التي ستقود بعملية سريعة إلى الضم الكامل بدون إعطاء الجنسية للسكان العرب ـ لن تنجح في هذا الامتحان.
حكومة إسرائيل التي تسن عدداً من القوانين التي من شأنها أن تستخدم كأسس قانونية لتشريع الضم وشرعنة البؤر الاستيطانية غير القانونية التي أقيمت على أراض فلسطينية خاصة، تتجاهل الشرط الواضح الذي يظهر في المادة 6 في صك الانتداب: «النظام في فلسطين سيساعد (اليهود)، في حين يتعهد بعدم المس بحقوق ومكانة باقي أجزاء السكان». قانون التسوية الذي رفضه المستشار القانوني للحكومة بعيد جداً عن أن يفي بهذا الشرط، ولكن الحكومة تواصل طريقها، هكذا، في حزيران/يونيو الماضي مرر بالقراءة المستعجلة مشروع قانون بشأن مكانة الهستدروت الصهيونية والوكالة اليهودية، الذي معناه أنه مميز تماماً: أراضي في المناطق المحتلة ستنقل لإدارة وحدة الاستيطان ولن تتم جباية ثمن على أراض ريفية أقيمت عليها بيوت المستوطنات في يهودا والسامرة منذ 1967 وحتى الآن. أي أنه سيتم إلغاء الديون السابقة بمئات ملايين الشواقل، التي ستخصم من الخزينة العامة.
هذه التفسيرات المنحازة التي تتجاهل الشروط الواضحة التي وضعت في تصريح بلفور وفي صك الانتداب، تضر بصورة شديدة الرواية الصهيونية وأسس الصهيونية، كما أكدها مناحيم بيغن في 1972: «الصهيونية… هذه أسسها في أرض إسرائيل… سيكون هناك أغلبية يهودية، وأقلية عربية، ومساواة في الحقوق للجميع. لم ننحرف ولن ننحرف عن هذه العقيدة، التي تتجسد فيها عدالة قضيتنا». الرغبة في توسيع دولة إسرائيل إلى كل مناطق الانتداب لأرض إسرائيل دون الحفاظ على النظام الديمقراطي وعلى الأغلبية اليهودية الموجودة فيها، تتجاهل هذه الأسس والشروط الدولية التي فقط تطبيقها يبرر عملية الإنشاء الخاص لدولة إسرائيل.
الرواية الفلسطينية تعتبر تصريح بلفور «تصريحاً لا يمكن نسيانه، وليس أمراً يجب الاحتفال به، خاصة إن لم يكن هناك شعب من الشعوب قد عانى من الظلم وعدم العدالة المستمرين.
إقامة وطن قومي لشعب واحد خلق استغلالاً واستمراراً لمضايقة الشعب الآخر، وأدى إلى انعدام توازن عميق بين المحتل والواقع تحت الاحتلال»، كما كتب محمود عباس في السنة الماضية. حكومة نتنياهو بيديها ستحول هذه الرواية إلى حقيقة تاريخية.
من أجل ضمان سريان مفعول وأخلاقية تصريح بلفور، يجب على إسرائيل القيام بانعطافة كاملة عن سياسة الضم والعودة إلى فكرة حل الدولتين لشعبين. الـ 101 سنوات التي مرت حولت الحلم الصهيوني من دولة ديمقراطية ذات أغلبية يهودية إلى حقيقة قائمة. الآن يجب الذهاب خطوة أخرى نحو حل قائم على تنازل تاريخي لا يلغي تصريح بلفور. وكما واصل عباس وكتب في «الغارديان»: «الاحتفالات يجب أن تنتظر حتى اليوم الذي يحظى فيه كل من يعيش على هذه الأرض بالحرية والاحترام والمساواة. إن التوقيع على وعد بلفور كان في الماضي، وليس بالإمكان تغييره، ولكن يمكن إصلاحه.
هذا يحتاج إلى التواضع والشجاعة، ويحتاج إلى مواجهة مع الماضي، واعتراف بالأخطاء التي حدثت واتخاذ خطوات ملموسة لإصلاح هذه الأخطاء. وهذا هو الوقت المناسب.. خطوات ملموسة ستؤدي إلى إنهاء الاحتلال على قاعدة القانون الدولي والقرارات الدولية.. والاعتراف بدولة فلسطين في حدود 1967 وشرق القدس عاصمتها، من شأن ذلك أن يقوم بتجسيد الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني».
شاؤول اريئيلي
هآرتس 6/11/2018