دمشق – «القدس العربي» : تتناقض رؤى السوريين حول مدى تطبيق بنود اتفاق ادلب الذي يعيش حالة من السكون، وسط فترة «هدوء إعلامي» حوله ربما بانتظار إنجاز ملفات أخرى طرأت على الساحة الميدانية شمال شرقي سوريا، وتتباين التحليلات حول الاتفاق الذي قد يكون صعب التحقيق وكان أبرم بين الرئيسين التركي رجب طيب اردوغان والروسي فلادمير بوتين في قمة استثنائية عقدت بعد منتصف شهر أيلول/سبتمبر الفائت، في منتجع سوتشي الروسي، وأثمر عن «مسار سلام» وهدوء الجبهات نسبياً بشكل مؤقت ومنطقة معزولة السلاح في محيط إدلب. بينما يبقى السؤال: ماذا تحقق من اتفاق «سوتشي»؟
يأتي ذلك في ظل إمساك أنقرة بأوراق قوة لتطبيق هذا الاتفاق، أولها الرضا الأمريكي على التفاهم، فواشنطن لا ترغب أن تستحوذ إيران على مناطق جديدة في سوريا، كما أن وجود نقاط المراقبة التركية وزيادة ثقلها العسكري داخل المنطقة، وإشرافها على أهم فصيل عسكري يتمثل بالجبهة الوطنية للتحرير، كل ذلك يعطي أنقرة مساحة جيدة في التحرك لأي عارض في المنطقة، ويساعدها على تطبيق الإتفاق المبرم مع روسيا.
وكان الرئيسان اردوغان وبوتين توصلا في 17 أيلول إلى اتفاق حيال ادلب ومحيطها، وصفت بنوده بالفضفاضة، لكنه وبالرغم من ضبابيته حوّل منطقة خفض التصعيد الاخيرة إلى منطقة استقرار مؤقتة منزوعة السلاح، وألغى النية الروسية في شن عملية عسكرية ضد المنطقة، وهو ما شكل «نصراً» للحراك التركي الدبلوماسي والسياسي والعسكري، و»مخرجاً» مباشراً وصريحاً للتراجع الروسي عن هجوم عسكري وشيك بعد الحشد المكثف له إعلامياً وسياسياً وعسكرياً.
«الاتفاق يعمل بـ30%»
تطبيق الجزء الأكبر من الاتفاق وخاصة فيما يتعلق بموافقة هيئة تحرير الشام الذي تشكل جبهة النصرة نواتها الصلبة يشير إلى وجود تناغم بين الأخيرة والسياسة التركية وفق اتفاقات آنية ستنتهي حسب مراقبين بإيجاد مخرج لقيادات الصف الاول بهدف ضمان الموافقة الدولية على ترسيخ بقاء انقرة في هذه المنطقة، والحفاظ على ادلب ومحيطها دون تهديد خارجي من اي طرف كان سواء من الروسي والايراني او غير ذلك.
مدير وحدة المعلومات في مركز عمران نوار اوليفر اعتبر ان الاتفاق يعمل بنسبة 30 بالمئة فقط، مشيراً إلى ان المرحلة الاولى من الاتفاق التي تشمل اخراج التنظيمات المتشددة من المنطقة واخراج السلاح الثقيل للمعارضة السورية المتمثلة بالجبهة الوطنية للتحرير، والحد من الهجمات والاستهداف من قبل الطرفين المعارضة والنظام قد تطبق بنسبة بسيطة جداً.
ولفت المتحدث لـ»القدس العربي» إلى ان التنظيمات المتشددة روجت لانسحابها ومن ضمنها هيئة تحرير الشام، ودلل على عدم سحب الأخيرة لسلاحها الثقل واحتفاظها بوجودها القوي إلى الهجوم الذي شنته الاسبوع الاخير حيث «هاجمت مواقع لاحرار الشام التابعة للجبهة الوطنية في كفر حمر واستطاعت السيطرة عليها وأسرت 20 مقاتلاً اغلبهم من الاحرار» وعزا المتحدث السبب في قوتها إلى ان «هذه الفصائل سحبت سلاحها الثقيل من المنطقة اما النصرة فلا تزال تحافظ على طاقتها».
مخاطر وأسئلة حول احتفاظ «النصرة» بقوتها في المنطقة «المعزولة السلاح»
وأضاف ان هيئة تحرير الشام التي رمز لها المتحدث اختصار بـ «هتش» ما زالت مقسومة إلى تيارين الأول متشدد والآخر أقل تشدداً يروج لقبوله للحراك الثوري والاتفاق، وقال «اما التيار الاخر الذي يقوده الاجانب وعلى رأسهم ابو يقظان المصري وهو التيار غير القابل لأي اتفاق ويرفض الخروج من المنطقة». يذكر أن المرحلة الثانية من الاتفاق تضم فتح الطرق الدولية وإعادة الحركة التجارية لها، حيث فتح مؤخراً معبر مورك، وتمت اعادة الحركة التجارية له مبدئياً من والى إدلب، وسط توقف الحركة المدنية.
فشل ضبط الميليشيات
ميدانياً، تشهد إدلب خروقات واضحة من كلا الطرفين، فقد وثقت محاولات تقدم لقوات النظام على اكثر من جبهة بينها جنوب حلب وجبهة سهل الغاب، وهو ما يشير إلى فشل الروس وعدم قدرتهم على ضبط القوات المحلية والميليشيات التابعة لإيران، وفي هذا الاطار قال «اوليفر» ان الاستهداف متواصل منذ اعلان المنطقة المعزولة السلاح، حيث تم استهداف ادلب بـ 480 صاروخاً نتج عنها مقتل الكثير من المدنيين آخرهم ضحايا مجزرة جرجناز التي قتل فيها 10 مدنيين بينهم 4 أطفال. في حين لم تشهد هذه الفترة هجوماً من قبل قوات المعارضة – الجبهة الوطنية – حيث كان دور الأخيرة «دفاعياً» حسب وصف المتحدث، على عكس النظام الذي هاجم مواقع المعارضة بحجة وجود هيئة تحرير الشام وهو ما ينافي واقع الحال، حيث استهدفت هجماته مناطق معارضيه كافة. ويمكن القول ان وجود جبهة النصرة بدأ يشكل خطراً حقيقياً على المنطقة المعزولة السلاح وخاصة ان الجبهة الوطنية سحبت سلاحها الثقيل واصبح الهجوم عليها أكثر سهولة.
وقال القيادي في المعارضة السورية، العقيد فاتح حسون إن المنطقة العازلة قد أنجزت بشكلها الكامل، اما بالنسبة لاتفاق إدلب فمازال بالشكل العام قيد الإنجاز من ناحية البنود المعلنة في الاتفاقية والتي وصلت حالياً إلى البند المتعلق بفتح اوتوستراد حلب – اللاذقية وحلب – دمشق. وحسب رؤيته فإن انقرة لم تتأخر في تنفيذ الاتفاق بل «هو قيد الإنجاز وإدارة أنقرة للملف ناجحة جدًا بالمقارنة مع العقبات المتوقعة. فهي تدير الملف سياسياً لحد الآن وهذه الادارة تعطي ثماراً إيجابية على الأرض في صالح تنفيذ الاتفاقية».
وحول هجمات جبهة النصرة ومخاطر تواجدها بكامل قوتها ضمن المنطقة المشار اليها قال حسون «هذه الهجمات هي محاولات لإثبات الثقل والنفوذ، وفي المحصلة هي لا تخدم الثورة، بل تعطي انطباعا بأن المنطقة تحت تصرفهم ووصايتهم ، وهذا غير صحيح، فالمنطقة فيها فصائل عسكرية عديدة، وآن الأوان لتقوم هيئة تحرير الشام بإجراء مراجعات شاملة لسياساتها، ولتصطف إلى جانب الحاضن الشعبي بكل أريحية وليس بفرض القوة وبسياسة الأمر الواقع، وبغير هذا فلن تستطيع الاستمرار، ولن تستطيع حماية المدنيين».
وبالرغم من إجماع المراقبين على عدم فشل انقرة في تنفيذ تعهداتها، لما تمسكه من أوراق قوة على رأسها الرضا الأمريكي الذي يرفض الوجود الإيراني، الا انه في حال فشلت في ضبط منطقة إدلب والأرياف المحيطة فسوف يكون لزاماً عليها القبول بتفاهم روسي جديد، حيث قال «الشارع» ان الفشل يحتم عليها قبول تفاهم ضمن شروط قاسية ربما تفرض روسيا من خلالها دخول مؤسسات النظام السوري على اقل تقدير إلى ادلب، و»هناك رغبة روسية أن تشارك في قتال الجماعات الجهادية داخل إدلب».
مهام أنقرة
ويمكن القول إن أمام أنقرة مهام أخرى وهي كبيرة نسبياً، فهي بحاجة للعمل على ملفين أساسيين: الأول هو إيجاد حل ضمن صيغة مقبولة للجماعات الجهادية (هيئة تحرير الشام، تنظيم حراس الدين، الحزب الإسلامي التركستاني). وبهذا الصدد أشار الباحث السياسي سعد الشارع إلى ان حلول أنقرة يجب أن تكون ضمن سياق سياسي فأي صدام كبير مع هذه التشكيلات أو أحدها سوف يعرض الشمال السوري لحرب دموية كون هذه التنظيمات متغلغلة في المدن ويمتلك بعضها حواضن شعبية، كما أن أنظار روسيا وأيضاً النظام السوري مازالت مسلطة على هذه المنطقة.
أما السياق الثاني الذي يجب على أنقرة العمل عليه فهو إيجاد حوكمة مقبولة للشمال الذي يحوي نحو 3.5 مليون مدني وفيهم نسبة كبيرة من النازحين، لذا هذه المنطقة بحاجة لآلية إدارة وإغاثة للنازحين، ويزداد الإلحاح على أنقرة لضبط المنطقة مع تسارع الأحداث ففتح معبر نصيب الحدودي مع الأردن سوف يتبعه فتح الطريق الواصل إلى الحدود التركية المعروف بطريق «ام 5» اوتوستراد حماة – حلب، وتنتظر تركيا أن يكون هذا الطريق بمثابة معبر اقتصادي لتصريف منتجاتها ليس فقط في سوريا بل في الأردن ودول الخليج العربي. وأعرب الباحث السياسي عن اعتقاده بان انقرة لم تتأخر في تنفيذ الاتفاق المبرم مع روسيا حول منطقة إدلب والأرياف المحيطة بها، فهي أخرجت السلاح الثقيل الذي بحوزة الفصائل من المنطقة المستهدفة، وضبطت إلى حد معين العمليات العسكرية من طرف المعارضة إلا في حالات الرد على انتهاكات النظام كما حصل خلال الأيام السابقة.