مالك التريكي
هل يتوقف التحكم في النفس على مدى المعرفة بها؟ هل يؤدي الشعور بالظلم إلى إدراك ما هو العدل؟ هل الفن أقل ضرورة من العلم؟ هل يمكن أن نكون على صواب ضد الوقائع؟
هذه هي المواضيع التي طرحت في امتحانات الباكالوريا الفرنسية في مادة الفلسفة لهذا العام. وما كنا لنعلم بها لولا مبادرة طريفة من جريدة لوموند التي أعادت طرح هذه المواضيع على قرائها ممن ‘يقتفون’ أثر ومضاتها الإخبارية على شبكة ‘تويتر’، ثانية كبريات شبكات التواصل الاجتماعي بعد ‘فايسبوك’. طرافة مزدوجة. أولا، من حيث وضع القراء موضع الاختبار الاستعادي لسنوات الاجتهاد والتحصيل. وثانيا، من حيث إلزامهم بحصر بحر الفسلفة الزاخر في قنينة ‘تويتر’ ونظامها القاهر. في الباكالوريا: أمامك أربع ساعات للإجابة على السؤال أيها الطالب. أما في ‘تويتر’: فأمامك مساحة سطرين للإجابة على السؤال أيها القارىء! إذ لا تسمح أصول التواصل الاجتماعي على ‘تويتر’ إلا برسائل ونصوص لا يتجاوز حجمها 140 علامة (من حرف، ونقطة، وفاصلة، الخ.). ولأن المواضيع الثلاثة الأولى تحيل إلى قضايا فلسفية كلاسيكية، فإن الموضوع الأخير -‘هل يمكن أن نكون على صواب ضد الوقائع؟’- هو الذي حظي بأكبر عدد من المعالجات و’التحليلات التويترية’ الماكرة. ولعل أكثرها نموذجية قول أحدهم إنه ‘يمكن للمرء أن يكون على صواب ضد الوقائع إذا كان صحافيا’! جواب ساخر طبعا. فيه تعميم وتثريب ودعابة. لكن مضمونه جاد كل الجد. ومؤداه أن انطلاق المرء من مسلمات غير ممتحنة لا يمكن أن يفضي به في الأغلب إلا إلى النتائج التي يرغب فيها، بحيث لا يمكن لأية وقائع أن تعرقل هذا المسار حتى لو كانت نافية لصحة المسلمات ابتداء. وهذا عموما ما يقصده الإنكليز عندما يقولون، تهكما، إن فلان غير مستعد ‘للسماح للوقائع بقطع الطريق على نظرية جميلة’! إلا أن من الممكن أن يعمى المرء عن الوقائع دون أن يكون للنظريات، أو الفنون، الجميلة أي دخل أو ذنب في ذلك. فلو طبقت المسألة على المشهد السياسي الحالي في تونس، لجاز القول إنه ‘يمكن للمرء أن يكون على صواب ضد الوقائع إذا كان سياسيا تونسيا’! يمكن للسياسي التونسي اليوم أن يكون على حق رغم أنف الحقائق لأنه على عجلة من أمره الحزبي، متعجل نصيبه من كعكة السلطة أو بقلاوتها! ذلك أن المواقف والمسلمات المانعة من إبصار الواقع ومن التبصر بدلالاته هي من تجليات ذهنية الانعزالية الحزبية ومنطق القبلية العقائدية التي لا تدرك الديمقراطية إلا على أنها مجرد حالة تصادف جغرافي بين أنانيات إيديولوجية قاطعة لا يشرطها أي توافق وطني على ثقافة سياسية جامعة. وليست هذه المواقف وليدة مخاضات الثورة الشعبية إلا من حيث أنها أشاعت درجة من المساواة أو الديمقراطية، كانت منعدمة من قبل، في مضمار التمترس على ‘أخلاقيات الاستبداد’… لقد كانت لهذه الأخلاقيات السالبة صيغتها الرسمية وماركتها المسجلة، بما يتفرع عنهما من هذيان ايديولوجي وبهتان ‘إعلامي’ تجند له الأموال والطاقات والمؤسسات. أما اليوم فقد صار لها صيغها الأهلية وصناعاتها التقليدية: لجوء سريع إلى العنف ورغبة في الإبادة السياسية والثقافية إعمالا لمقولة ‘لعبة المحصلة الصفرية’، حيث إما أن تكسب كل شيء أو تخسر كل شيء. للفائز كل الغنم وعلى الخاسر كل الغرم. كما بلغ نكران الوقائع الاجتماعية وإنكار الحقائق الثقافية حد الانسياق ‘الإبداعي’ خلف الشغف بتحويل مسائل هي من صميم حرمة الحياة الشخصية والاختيارات الفردية (مثل الإلحاد أو الشذوذ الجنسي) إلى مسائل رأي عام أو قضايا وطنية. بل إنه بلغ حد إعادة طرح سؤال الهوية من باب مشروعية الدهشة المعرفية… البريئة من حرب ‘أولها كلام’: حرب ‘سياسات الهوية’. مواقف محبطة هي تلك التي تعصف بالمشهد السياسي التونسي الحالي. أما ما يزيدها خطورة فهو أنها بدأت تعمل على خراب العمران بينما لا تزال البلاد واقعة في أسر هذه الفترة المحتشدة بأقصى الانتظار وأقساه: الفترة الانتقالية بين ماض لا يريد أن يمضي وبين مستقبل ضبطته الحكمة الشعبية، ذات شجار سياسوي تلفزيوني مستديم، متلبسا بجميع احتمالات الردة والخذلان.