‘المسلم الجيد’ رواية عن ميلاد بنغلاديشابراهيم درويش كثيرة هي الروايات التي تصدر باللغة الانكليزية ويمكن بلغات اخرى ويطلق عليها روايات اثنية لان كتابها من ابناء الاقليات الاثنية التي تعيش في مدن الدول الغربية من الاجيال التي تعلمت في الجامعات الغربية ومن قرروا العيش في مدنها. وتتميز الروايات ‘الاثنية’ هذه بانشغالها بحياة ومشاكل الاقليات من الهوية والعنصرية والحنين لوطن الاباء والنزاع بين الثقافة والعادات التقليدية والحداثة وتحدي سلطة الاب وعادات الاقلية المنغلقة على تراثها، كما انها عن تمرد الشباب الموزع بين عالمين، والتهميش. والرواية هي جزء من السير الذاتية التي كتبها ابناء المهاجرون عن حياتهم في الاحياء المكتظة وتمردهم ومرورهم في رحلة النضج والاكتمال في البحث عن الهوية والتكيف مع وضع الهوية الملتبسة احيانا والغامضة، وكما في حالة الرواية هناك عدة سير ذاتية تصدر سنويا خاصة من تلك التي تحاول استكشاف هوية المسلمين وموقعهم في العالم الغالب من دول الهجرة، وفي مرحلة ما بعد هجمات ايلول (سبتمبر). وكما المحنا خلال الاسبوعين الماضيين في قراءتنا لكتاب ليلى احمد عن الحجاب، فان الجيل الجديد من ابناء المهاجرين هم من يشكلون طبيعة الثقافة والنقاش العام حول الدين والهوية، ويشاركون في صناعة الثقافة من خلال الفن الرسم والسينما والكتابة الابداعية: شعرا وقصة ورواية ومسرحا. وفي الجانب الاخر، فكتابات ابناء الوطن والتي تحظى دائما بترحيب في الجوائز والنقد الصحافي وبعضها يحظى بقطاع واسع من القراءة وكم كبير من النسخ الموزعة، فهي تنشغل اما في السياسة او وضع المرأة، او الاوضاع المعيشية ووضع ابناء الاحياء الفقيرة، وتحمل الروايات نمطيات خاصة عن البلد وسكانه يرى الناشرون انها تحظى باهتمام واسع من القراءة خاصة انها تلعب على فكرة الغرابة وتفتح افاقا للتعرف على ثقافة الاخرين المختلفة عن الثقافة في الغرب. ويلحظ ان الكثير من الكتاب والكاتبات الشابات خاصة قدموا – قدموا عددا من الروايات التي اهتمت باستكشاف اثار الحرب الاهلية – واثار حروب الاستقلال على النفسية والوعي الجماعي في البلاد. ولاحظنا في الاعوام الماضية روايات عن حرب البيافرا في نيجيريا- في الستينات من القرن الماضي، والهجرة والحرب والوصول الى شواطئ انكلترا في رواية لشابة صومالية، واخرى عن الحرب الاهلية في اثيوبيا وغيرها من الاعمال. وقد قدم جنوب اسيا عددا من الاسماء من الروائيين الشباب ممن استكشفوا ملامح عدة في حياة الامم الثلاثة التي كانت جزءا من شبه القارة الهندية الهند والباكستان وبنعلاديش، وعلى الرغم من ان الهند قدمت اسماء سواء اثناء الاستعمار او في مرحلة ما بعد الاستعمار، واخيرا عن الحياة في عهد الدول الوطنية الا ان باكستان وبنغلاديش بدأتا تثبتان حضورا جيدا في المشهد الروائي هذا، فمثلا محسن حميد ‘الاصولي المتردد’ لفتت الانتباه الى باكستان وفكرة العيش كآسيوي مسلم في امريكا بعد انهيار البرجين، ونالت مونيكا علي التي انتجت حتى الان ثلاث روايات اضافة لروايتها الاولى عن ‘بريكلين’ في شرق لندن اهتماما جيدا، والقائمة طويلة وتضم تشيامانادا اديتشي نغوزي من نيجيريا ‘نصف الشمس الصفراء’، وكيران ديساي من الهند (فازت بالبوكر) عن روايتها ‘ارث الفقدان’، واريفاند اديغا ‘النمر الابيض’ (فازت بالبوكر) و’ولد ثعبان المامبا’ لنظيفة محمد، وغيرها من الاسماء. وتختلف هذه الروايات كما اشرنا بالحس والموضوع عن روايات الاستقلال وما بعد الاستعمار التي حاولت التأكيد على الكفاح من اجل التحرر والتضحية، ومنابع الثورة والهوية القومية. وكنا قد استعرضنا قبل عامين رواية لكتابة بنغالية او بنغلاديشية عن الحرب بين باكستان الشرقية والغربية واستقلال الاولى او انفصالها عن باكستان في حرب شرسة ادت الى وصول مجيب الرحمن كأول رئيس وزراء للبلاد. وحملت الرواية الاولى اسم ‘العصر الذهبي’ وهي الرواية الاولى لتهامينا انام، واتبعتها هذا العام برواية اخرى بعنوان ‘ المسلم الجيد’ وتلاحق فيها نفس ابطال الاولى الرئيسيين عائلة حق التي عاشت ظروف الحرب وشاركت فيها كحرب تحرر من ‘الاستعمار’ الباكستاني وقاتل ابناؤها في الحرب وتطوعت الام فيها، ‘امو’ و’سهيل’ و’مايا – شهرزاد’. وتبدأ الرواية بعودة سهيل من الحرب وفي الطريق الطويل من الجبهة. ويلاحظ اثار الجنود الباكستانيين ومعسكراتهم المهجورة او المدمرة، ولكن الشيء الاهم الذي لاحظه سهيل ان البلد لم يعد كما كان قبل 1971 بل اصبح اسمه ‘بنغلاديش’. يعود سهيل متأخرا للبيت بعد ان عاد ابناء الجيران من الجبهات ولكنه يعود متغيرا، محملا بعبء من الهم الذي سنعرفه لاحقا، بعد المفتتح هذا تأخذنا الرواية الى مايا التي تكون تخرجت من جامعة دكا كطبيبة ونقلت للعمل في قرية من منطقة راجيشاهي، وتعود هي الاخرى على جناح السرعة لان خبرا جاء من دكا يقول ان واحدا من عائلتها توفي، في البداية تشعر بانه قلبها هبط من الخوف، حيث فكرت ان الميتة قد تكون الام، ولكن تعرف ان المتوفاة هي زوجة شقيقها سهيل، سليفي، وهي البنت التي احبها سهيل في الرواية الاولى ولكن امها زوجتها لضابط في الجيش توفي بعد ذلك وتزوجها سهيل. مايا تعود في رحلة طويلة عبر قطارين، وعبارة من اجل الوصول الى دكا، ومثل شقيقها تعود محملة بسر، لا تريد البوح عن شازيا والجلد والطفل الذي ولد مشوها وعادات القرية التي لا تعرف او لا تريد ان تعرف حقيقة الامر. الرواية تقدم حسا مثقلا بالاسرار الشخصية، الاخ سهيل، قتل بريئا لانه تفوه بكلمة غير مناسبة اثناء القتال، الاخت تشعر بالذنب عندما تقنع صديقتها شازية بالسباحة معها في بحيرة القرية الصغيرة، وحملها المشوه الذي اعتقدت القرية ان سبب تشوه الجنين، وصمت شازية عن الكلام المباح بعد الجلد المبرح 101 جلدة، والام التي انعزلت عن الحياة بعد ان كافحت من اجل بلدها وابنائها، فيما قبلت بالعيش مع خادمتيها ريحانة وصوفيا، في شقة تحت شقة ابنها سهيل وزوجته وابنائه. تتحرك الرواية زمنيا بين اعوام السبعينات والثمانينات وتنتهي بمشهد اخير عام 1992. لكن الرواية واحداثها تدور في عامين مفصلين 1971- 1972، وبعدها. مقابل اعوام 1984 و 1985 حيث تتذكر الساردة وهي مايا ـ احداثا في اشهر معينة تقدم مجرى الاحداث وتحاول اقناع القارئ بما جرى وحيوية التحولات على البلد والشخصيات التي تعمدت بأخطائها واكتوت بنار الاثم والندم وهي تحاول التكيف مع الحياة ومواصلتها. بنغلاديش الدولة الفتية كما في الرواية لم يكن قد مضى على ولادتها سوى 13 عاما، وقد تغيرت كثيرا، شوارعها حملت اسماء جديدة، والبيوت حملت ارقاما جديدة، بشكل شوش السكان، بين استخدام الرقم القديم ام الجديد، وما يهم في وضع بنغلاديش انها تعيش في ظل ديكتاتور يريد تسمية البلد باسم الجمهورية الاسلامية وهو فاسد اشترى سيارة ليموزين له واخرى لزوجته. وهنا فالبلد الذي يظهر من ذكريات مايا المستعادة هو بلد يئن من جراح الماضي ويصر سكانه على تذكرها في كتب عن الشهداء ولقاءات وحملات تعقد من اجل توثيق جرائم من تعاونوا مع ‘العدو’ الباكستاني من ابناء بنغلاديش ومعاقبتهم امام القانون. وهناك قسم اخر من السكان وجد في الدين طريقا للتعافي من الجراح وتناسي الوضع وحتى تناسي الديكتاتورية (زمن محمد ارشاد)، فمايا تلاحظ ان الخطاب العام في الماضي كان يتجنب استخدام كلمات من مثل الحمد لله ، وما شاء الله، ونعني هنا اللغة الدينية، ولكن هذه اصبحت جزءا من الخطاب اليومي، بل تصدح المآذن بالأذان كل وقت، والدين وصل الى بيت مايا او امها، فشقيقها المناضل اليساري تحول الى الدعوة والتبليغ، واصبح من اهم رموزها، وشقته التي لا تريد امه معرفة ما يجري فيها دائما تستقبل وفودا من اتباع الجماعة الدولية- من فرنسا والمانيا وجنوب افريقيا بل من القدس وباريس وباكستان ودول اخرى، ودائما سهيل مشغول عن ابنه زيد، الذي يرفض ادخاله في المدرسة الحكومية مع ان سهيل درس في مدرسة تبشيرية في صغره، ويتركه لعناية الشيخة خديجة التي حلت محل زوجته المتوفاة سيلفي في قيادة الدعوة النسائية او ‘التعليم’. زيد يتعلم كلمات اجنبية كثيرة من النساء ويتعلم السرقة كذلك من محفظة عمته، ويعيش مشردا بدون ام واب منشغلا بالدعوة والتبشير، مما يدعو مايا للعناية به وتعليمه في البيت بعد رفض والده السماح لها بادخاله في مدرسة حكومية. حس القطيعة بين الابن والعائلة تعود جذوره الى زمن عودته من الحرب، حيث اثقله الهم وانعزل عن العالم على سطح البيت يقرأ القرآن. مايا في البداية تشعر بالخيبة عندما توقعت منه عند العودة ان يحكي لها القصص من الجبهة، ولكنه ظل يتجنب الحديث عن اي شيء يتعلق بالحرب ويتعلل بالتعب، لقد اغلق عقله لكل ما يعني تلك الحرب، وبالنسبة لمايا فهي تشعر بالخيبة لان شقيقها فعل هذا وهي التي كانت تذهب معه كل يوم للمدرسة وتمسك بيده، وهي التي ظلت قريبة منه حتى عندما ارسلتها العائلة بعد وفاة ابيهما الى لاهور لقضاء بعض الوقت مع خال لهما لاعطاء الام فرصة للراحة والتفكير في المستقبل. تنقل الرواية مشاهد التغير في المجتمع البنغلاديشي وتوزعه بين الديكتاتورية، والحرب وجراحها، والمشاكل الاجتماعية والعشوائيات والطبقة الجديدة التي تجيد الاحتفالات واللقاءات الاجتماعية وتتحدث عن الطعام والخدم والحشم والشراب. في الرواية حس من ان امال الاستقلال شوهت، فهي لا تجد سوى القليلين ممن يحملون الشموع الى ‘منار شهيد’ في يوم الاستقلال، وترى التظاهرات تندلع يوميا في الجامعات ضد الحكومة لان الديكتاتور فعل هذا وفعل كذا. ومن يهتم باعادة الجراح والتمسك بذكريات الحرب ترى مايا انهم بحاجة للتفكير في اوضاعهم. ففي لقاء حضرته مع صديقها جوي، العائد من امريكا تتحدث ام شهيد انها كتبت كتابا عن الحرب عن ضرورة توثيق ايام الحرب والاستقلال وتحديد العملاء، بعد خروجها من الاجتماع تقول لصديقها انه بدلا من هذا الحديث فعلى المرأة ان تفكر بالعشوائيات حولها وكيف تجبر يوميا على ان تضغط على معدتها حتى لا تذهب للحمام في النهار وتنتظر حلول الظلام كي تمشي بعيدا عن البيوت التنكية وتجلس قرب خط سكة حديد لكي تقضي حاجتها وتفعل نفس الامر في الصباح حيث تخرج قبل طلوع الشمس وتقضي الحاجة وتعود لتكمل النوم. ومن هنا اختارت مايا ان تركز على الاوضاع الاجتماعية عندما اعطاها صديق فرصة كتابة عمود في صحيفته. تنقل الرواية حس الحياة في شغبها وضوضائها، اصوات السيارات واصحاب الركشا، وغبار الشوارع وحر الجو، ورائحة الفلفل والطعام، وبخار الارز المطبوخ والخارج من النار لتوه، والباراثا الطازجة والمعجونة، وحلقات الذكر ‘والحضور’. وبعيدا عن هذه المشاهد المفعمة بالحياة والمدينة المتغيرة، نرصد في داخل الشخصيات التي تحاول التكتم على جراحها، حسا بثقل الماضي والحاضر، فالماضي الدموي كان من اجل الاستقلال، والحاضر هو زمن الخيبات، او زمن لم تكتمل فيه الاحلام بعد، والرواية هي عن اتجاه البلاد والى اين ستسير. ولكن الرواية هي عن الاخطاء والتكفير، عن زيد الذي ارسله والده سهيل الى المدرسة الدينية بعيدا عن دكا، وكيف حاولت مايا انقاذه من نظام المدارس الدينية هناك ليقتله النهرـ وتسجن مايا بسبب الاخطاء ومواجهتها مع اخيها الذي قال ان زيدا لم يكن ابنها ابدا، وانه الاعرف بمصلحته، وهي عن الايمان وجراح الحرب، وعائلة تمثل الامة الجديدة بكل ما فيها من جراح ورضوض تأبى الا ان تعود وتطفو على السطح، ويبدو رمز الام في الرواية رقيقا حنونا رغم الازمة المرضية والسرطان الذي اصابها. ما يميز الرواية هي التوتر بين الاخ والاخت، الذي يطفو على الرغم من الحب الضائع ومحاولة استعادته، مايا هربت من ماضيها اثناء الحرب حيث كانت تقوم في الحرب باجهاض من حملن سفاحا من الجنود، وهي في هذا مثقلة بالاثم والذنب. وفي محاولاتها استعادة الزمن الجميل، والحفاظ على الثورة وقيمها، على الام وابن الاخ والاخ، ترتكب اخطاء فادحة. ‘المسلم الجيد’ تعمل على عدد من المستويات، مستوى العلاقة بين الاخ والاخت، والاخت وزوجة الاخ، وبين الام والابن الذي يبدو بعيدا عن الام ويحاول في طريقة ما التكفير بقتل الرجل البريء، اما المستوى العام فهي عن علاقة ابناء البلد الجديد بنظامهم. تقود الرواية قارئها في رحلة بين مدن وبحار بنغلاديش السبعة وقصص الاولياء والصالحين، وحياة دكا الصاخبة، وفي فصولها القصيرة تبدو الرواية الموزعة على ثلاثة كتب، متقنة في اللغة والحبك، وسهلة للقراءة. هنا البطلة في الرحلة وهو الموزعة بين الشك والايمان والتي ترى الحلم في الثورة التي لم تفسد نلاحظ التوتر الذي يصنع منها رواية مغامرة بوليسية او رحلة في تاريخ امة وليدة تعاني مما تعاني منه الامم الوليدة. وبعد كل هذه السنوات هل تخلص البلد من اشباحه؟ قبل فترة كتبت انام تقريرا لصحيفة ‘ الغارديان’ عن المدارس الدينية وان كانت تصدر الارهاب من بنغلاديش وقد زارت عددا منها في العاصمة والريف وهي ان انتقدت البرامج التعليمية واحوالها وطريقة التدريس الا انها اعطت حسا ان المدارس ليست مجالا لتفريخ الارهابيين او الاصوليين. لا بد من الاشارة الى ان الرواية زمنيا تدور في عصر الصحوة الاسلامية وصعود قوة الاسلاميين ، وتقترح هنا ان الحكومة الديكتاتورية حاولت التكيف مع الاسلاميين من اجل شراء رضاهم. وان كانت الرواية عنهم وعن التطرف امر يحتاج لنظر لان التبليغ وجماعتهم ليست سياسية وبعيدة عن السياسة. الرواية تتحدث تاريخيا عن الجانب الباكستاني حسب الرواية البنغلاديشية لكنها لا تذكر مصير الاف الجنود الذين تركوا لقدرهم بعد ان اعلنت اسلام اباد موافقتها على الانفصال واعادت مجيب الرحمن ليعلن الاستقلال. كما ان الرواية تظل مسرحا للنمطيات وصناعة الصور، فزيد جن بسبب دخوله المدرسة الدينية التي تصور كسجن مغلق محرم على النساء وغرفها مثل الزنازين، وكأن بنغلاديش الوليدة تعيش بين زنازين الملالي ومدارسهم وخطاباتهم وزنازين السلطة التي تجرم من ينتقد او من يتحدث بخير عن والد الامة مجيب الرحمن.The Good MuslimTahmina AnamCanongate/ 2011′ ناقد من اسرة ‘القدس العربي’