أحمد المديني1ـ كما أن هناك عديد أنواع ونماذج في النصوص الأدبية، بين الأجناس والمدونات المجنسة، والتعبيرات المتجددة دوما، فإن هناك بالمقابل ألوانا من النقد والقراءات المساوقة، شأن الدراسات والتحليلات التي تشتغل على الإبداع المكتوب، فتنمّطه، أو تقعّده، أو تُمفهِمه، أو تتخذ منه مطيّة للذهاب أبعد مما يفصح عنه مباشرة، مستخدمة في هذا المسعى أدوات ومباضع، منها المتاح نقديا، وكثير يظهر فيه جهد الاجتهاد النظري، وتلعب فيه الحساسية الذوقية دورا حاسما في صنع المتن النقدي، وإعادة صياغته في ضوء النص المقروء.2ـ نجد إحدى أهم وأدقّ هذه القراءات عند الفرنسية مارت روبير( 1914 ـ 1996)، التي ستدخل إلى النقد الأدبي من باب الكبار، أعني وهي متشبعة بثقافة جرمانية عميقة، لا غنى عنها لكل من ينشد الدرس النظري الدقيق، وباستيعاب للتحليل النفسي الفرويدي، أحد مناهجالعصر القوية، المجددة، لفهم الإنسان والنص على السواء. لنترك جانبا ما أنتجته هذه السيدة العالمة بأسرار الروايات العظيمة، علامات تحديث السرد، عند روادها ثربانتس، فلوبير، دستويفسكي، وكافكا خاصة، الذي يمثل لديها عبادة مستقلة، ولنتجه إلى الطريقة التي سنّتها، وغدت علامة عليها، حيث تمتزج الثقافة السيكولوجية، والفهم النوعي الجمالي للأدب السردي على الخصوص، بضرب من الحدس الذي هو بمثابة امتصاص لروح النص، هي تتمثله وتتحدث عنه بعقل وروح، بوعي كلي. 3ـ قد يغتر بعضٌ بمثل هذا المنهج غير المألوف في القراءة، فيحسبه منخدعا، ذوقيا، وانطباعيا على عواهن الكلام، وهذا ما تحرز منه الناقد والأكاديمي المغربي عبد الفتاح الحجمري، الذي أمسك بالزمام، واضعا نصب عينيه هديين اثنين: مارت روبير التي يمحضها إعجابا بلا حدود، لأنها تلائم طريقته الشخصية في مقاربة النصوص، وممارسة لعبة الأسئلة، ولكونها لا تتنطع بالمصطلحات وكثرة الإحالات، معتمدة أساسا إحالاتها على أعلام ونصوص محددة، تحمل في طياتها مرجعيتها المتراكمة، وبالتالي فمقروئيتها ممكنة، وتُبقي باب التأويل مشرعا. 4 ـ يعلن الأستاذ عبد الفتاح الحجمري صراحة في كتابه الجديد ‘ نصوص كالفراشات ـ يوميات قراءة’ ( منشورات مختبر السرديات، كلية الآداب، جامعة محمد الخامس) انتماءه إلى شجرة أنساب مارت روبير، بل وسيرَه على نهجها، والتزامَه بسُنَّتها النقدية الحميدة، المبينة في مدخل كتابها الموسوم ‘ كتاب قراءات'( غراسي، 1977)، إذ تقول:’ بما أنني لم أنته من التساؤل حول الأدب، وخاصة حول العلائق الدقيقة للأشياء المكتوبة مع الحياة، فإنني أقترح عليّ أن أدوِّن هنا، في ضرب من اليوميات غير المؤرخة، الملاحظات والأسئلة التي ترد على البال في صلة بما أقرأ، دون الأخذ بالاعتبار لجنس النصوص ولا لقيمتها.'(7) منتقلا إلى سؤالها المحوري، عما إن كان الأدب قد كفّ عن أن يكون موضوعا مقنعا لأنه فقد سِحره، وأي فائدة ثقافية، أم بإمكانه أن يثبت عكس هذا في حال توفره على ما يبرر امتيازاته؟. بيد أن الباحث المغربي، في تماهيه المعلن مع روبير، بتوسُّم خطاها، لا يقنع بأسئلتها، ليطرح خلافا لها، وبوضوح، ما يبتغيه من يوميات قراءاته الخاصة، ذات الصبغة المفتوحة، والمقننة في آن، كما سنرى. إنه يضيف سؤال، أو بحث القبض على المعنى’ضمن وحدات الدلالة وتعبيرات الشكل’.وبالطبع، بمنهجية متقدمة، كما هو الشأن في المدرسة النقدية والجامعية المغربية. بحث عويص ومبهم، لكنه عند مجترحه:’يكون ممكنا بفك أسرار الكلام الروائي’ ما يتوافق مع خطة الحجمري، تنهض على قراءة المتن السردي المغربي، وجزء دال ومناسب منه على وجه التحديد، وكما يجدر بكل دارس فهو يحصر متنه سلفا.5ـ لماذا ينبغي البحث عن المعنى، وهو غير المضمون؟ يجيبنا:’لأنه[أولا] ليس فقط موضوعا بل بناء موضوع ‘ (9). أي أن تحليله يعد جزءا من الكلام السردي. فهو متلازم مع الكلام بإسناد، بحكم تعلقهما معا بمجالات متنوعة، كالفلسفة، والمنطق، واللسانيات، والسرديات. ثانيا، لأنه يستدعي من القارئ/ القراءة، الانخراط في مسار تأويلي، ولاشك أن التأويل حسب ما ينصرف إليه، ومرجعياته، هو نسق قراءة عند مارت روبير، والحجمري معا، مع فارق المتن والمقاصد. وعند هذا الأخير، إذا كان المعنى خاصية قائمة على جدلية المؤلف والقارئ، فإنه يذهب أبعد واضعا نصب عينه قيمة المعنى الحكائي، الذي هو في جوهره قيمة ثقافية، ما يستدعي في نظره، وبالعلاقة مع أشكال التعبير، طرح أسئلة من قبيل: كيف يتركب المعنى في السرد الأدبي؟ ما الذي يدعو القارئ لتصديق الحكاية الخيالية؟ ولماذا تبدو هذه لدى قراءتها واقعية؟ وهل موضوع النص الحكائي هو الحقيقة أم الخيال، الخ.. 6ـ يفترض أن يوميات القراءة ستجيب على هذه الأسئلة وغيرها المتوالد من المقروء. كما يفترض أن المتن المنتقى والمقروء قابل لتوليد الإجابات الشافية، قل الممكنة، والتي يستعصي الوصول إليها أحيانا طالما أن للقارئ الباحث هنا طريقة (لولبية)، أي لا تكف عن عض ذنب السؤال كلما ظهر بخداع أن سره انقشع، وهذا محك الناقد العارف والماكر، محك الحجمري، السهل الممتنع. وهو افتراض تعززه العلاقة الضمنية التي تقيمها النصوص في أشكال تعبيرها، مع تيمات أو دلالات بعينها، وخصوصا مع رؤية بعينها، وهي ما يرسم للقارئ المحترف/ الناقد دائرة اللعب، ومناط التأويل، كلما احتوت بؤرة معنى، وإنها لتحتويه أدبيا. 7ـ لكن، قبل ذلك، فإن اليوميات شكل كتابة، وهي معلومة في السجل الكلي للسيرة الذاتية بوصفها إحدى طرائق تعبيرها، المخصوصة بنقل ما هو ذاتي، بَوْحيٌّ واعترافيّ لأنا كاتبها. كيف يتأتى هذا النوع بهذه السمة الفارقة، المؤكدة للذاتي، والمذوِّتة للقول كيفما كان شكله، مع كتابة من سجل وخطاب نقديين، أي تتعامل مع نص سابق، وتوجد حاشية له، ويفترض أن واضعها يكبت صوت الأنا فيه ليعلي أصوات المؤلفين وشخصيات محكياتهم، وينطق أساسا المعنى الحكائي الذي أعلن إيلاءه العناية الأولى؟ يستمد هذا السؤال جدارة إضافية من كون اليوميات ليست تدوينا عابرا لملاحظات عفو الخاطر، بل هي هنا، وفي خطة الناقد/ الدارس، منهج حتى وهو لا يتسمى، وأسلوب، ‘تقنية’، يدون ملاحظات لمحاولات فهم، واستخلاصات جزئية وكلية عن نصوص سردية منتقاة ومميزة، أي خارج السجال، ومحصّنة بأدبيتها، ولذا لا يمكن أن تعد اعتباطية، إذ هي مفكر فيها، ومنسوجة على نول خاص، وشكلٌ لمضمون. 8 ـ تعنينا كثيرا هذه المنهجية، وهذا الشكل، لأنهما يُعليان مفهوم وأداء القراءة بصفتها مقاربة تأويلية، معنية بلب النص، وما هو جوهري في الكتابة، تبغي حصر المعنى كرؤية شمولية لدى الكاتب بشتى مكوناتها، لا كدلالة جزئية. وفي الآن، هي متفتحة، متعددة الأبعاد. إنها قراءة تذهب إلى متعاليات النص، وفي هذه الحالة لا مناص لها من تذويب الثقافة النقدية في صيغ مركزة، كالقرص المدمج (Compact)، ودمج هذه الثقافة بالخبرة المستمدة من القراءة ومن الوجود، ما يظهرها مرنة، ومنفلتة من منظومة النقد المعياري، ومصطلحاته المسكوكة. لذلك تعد كتابات مارت روبير فريدة حقا من نوعها، وإن التحقت بالنوع الذي تسمى لدى الأخوين شليغل في مفهومهما للأدب، ونظريته(الألمانية)، مع ما ميّزه لوكاش، دائما سليل الثقافة الجرمانية، في ما يسميه بالمبحث (Eai). يقودنا هذا إلى القول بأن كاتب اليوميات (للقراءة والنقد، والتأويل) إنما يكتب نصا على نص ( Palimpseste) وهذا ما فعله عبد الفتاح الحجمري، بوصفه مريدا ، أولا، ولكونه ناقدا يحب التحرر مؤقتا من صرامة أكاديمية، مفتعلة، ليتحاور مع نصوص نابعة من الذوات، ومنفتحة على المجتمع والعالم، بذا يصبح بين أيدينا نص التأويل، الواقع في مفترق طرق بين كتابة قبلية وتلق بعدي. هل الأمر فعلا على هذه الشاكلة؟ الحقيقة، أن ما يعمل عند روبير، والحجمري، معا، هو توليد واستقراء اللا مفكر فيه، ومما يقع خارج حسبان القراءة والنقد السديدين (المدرسيين). وبعبارة أخرى، فإن القراءة تنتج نصها الخاص، فيما تكتب هي قراءتها. وعندما تتوسل باليوميات شكلا، بل قالبا، تكون قد حددت، وبرغم كل الاحتياطات المعلنة، ميثاق قراءة مختلفا لا لبس فيه.9ـ يعالج كتاب الحجمري، بوصفه أكثر من باحث سرداني(أستاذ السرديات في آداب جامعة الحسن الثاني، صدرت له من قبل دراسات مميزة في هذا الاختصاص، منها ‘ما الحاجة إلى الرواية؟’مسائل الرواية عندنا، دارالثقافة، الدارالبيضاء، 2007( تناولت أعمالا قصصية وروائية لكتاب مكرسين، في المغرب وخارجه: غلاب، السحيمي، شغموم، التازي، عمران المليح، الشاوي، حليفي، بوجدرة، إدريس الشرايبي، الباردي، الجيلالي خلاص، ماركيز، وكاتب هذه السطور) ويعفي القارئ من سر استمرار تحليق النصوص/الفراشات رغم نار الوجود الحارقة، بوضعه في خاتمة كتابه لـ’ تركيب مؤقت'(137ـ139). ومن سيقرأ هذا التركيب، والكتاب برمته، مستفيدا، ومستمتعا، سيلاحظ كيف أن هذا الناقد السرداني لا يسجن تحليله في حدود التاريخ الأدبي الوطني، ولا في نطاق قواعد الأجناس المسننة، ولا هو يغرقه في لجة المضامين، والقياسات والمقابلات. أكيد أن الدرس الأدبي حاضر باستمرار، والمصطلحية الفاعلة والإجرائية مشتغلة بحيوية، ولكن بكيفية وظيفية لتنقل القراءة إلى أفق فهم وحصر المعنى باعتباره كلية النص وجوهره، المنبثق عن شكل محدد. وهو أفق شاسع، تمتد فيه القيم والمشاعر، والأفكار، والحدوس، وحيث الواقع والخيال يلتحمان، وترِد هذ العناصر متجلية ومضمرة بين الوعي والكمون، اليقين والقلق، الحقيقة والمجاز، كطرفين متواشجين في الأدب، خلاقين للأدبي. 10ـ أعتبر أخيرا أن الأدب، بمفهومه السامي، المنفصل عن الغائية العاجلة، والمرتبط بقوة وجمال التعبير عن الذات وبحثها اللامتناهي في الوجود، لهو الرابح الأول في هذا الكتاب، اللطيف الذي أراه يقدم نموذجا طريفا في نقدنا العربي المعاصر، يعلي أدبنا فوق الظرفي، ويقرؤه في سمو القيم الإنسانية الكبرى، وبأدوات تحليل تليق بالنصوص الأمّهات، حد القول بأن متن اليوميات هي الفراشات الزاهية، والحرة، تحلق بمتعة في سماء نصوص باذخة.