بين العاطفة الحقيقية و ‘المهمة ‘ الامبريالية:
عبد الحميد أبو النصرمع اختلاف الكتاب والنقاد في تعريف المستشرقين إلا أن هناك عاملا ثابتا وهو تأثر الغرب بالحضارات الشرقية مما دفعهم للتعرف عليها عن قرب، ومزج قصص وحكايات الشرق بلوحاتهم وفنهم العريق، رغم عمليات التشويه والمحاولات الفاشلة في إظهارها كحضارة غير قابلة للتطور والتجدد بل تعكس الرجعية والسلبية، إلا أنها أخذت المساحة الأكبر لدى المستشرقين وتجلى ذلك في رحلات الاستكشاف المسيَّرة نحو الشرق. ولن أخوض في مؤلفات المستشرقين واختلاف آرائهم المتأثرة بصراع الشرق والغرب، بل سأُبحر في لوحاتهم ونظرتهم العامة ولفلسطين خاصة من خلال رسوماتهم التي عبرت عن تأثرهم بهذه الحضارة. واستطيع القول أن بداية الشغف الحقيقي بفلسطين وتطلع الرسامين المستشرقين لها كان في العهد العثماني وخاصة في اواخر القرن السادس عشر، وبلغ أوجه في القرن الثامن عشر وصولا إلى القرن التاسع عشر ليترك أجمل اللوحات الزيتية والمائية لفلسطين كأنها صور فوتوغرافية في عصر ما قبل النهضة، لتكون مخطوطات يستدل بها في رؤية الغرب لفلسطين. وحقيقة لا اخفي بعض التزوير التاريخي وهو متوقع في ظل انتشار سياسة الامبريالية والأطماع الدائمة في فلسطين والشرق وحالة الجدل الدائرة بين العرب والغرب وحرب إثبات الوجود ومحاولة تجيير بعض اللوحات الفنية لتحقيق ثبوت تاريخي لم يستطيعوا إثباته على الأرض، إلا أن هذه اللوحات فضحت رساميها من شدة انبهارهم بحضارتنا وجعلتهم رغم انتمائهم الغربي يوقعون هذا الرسم التاريخي لمنطقة عربية إسلامية ثمانية آنذاك، وكانت لوحاتهم بمثابة الآثار الحديثة التي لم تكتشف وتخضع لدراسة وتحليل مبدعيها حتى الآن. فقد وقَّع الرسام روبرتس ديفيد أجمل لوحاته خلال رحلته إلى الشرق التي بدأت عام 1838 وشملت مصر وفلسطين (الأراضي المقدسة) وسورية وشكلت أجمل اللوحات بتناغم الريشة مع إحساس الرسام بروعة المكان وعبق التاريخ، فخلق منه وجها آخر وأخرج منه أجمل الإبداعات، ولكن الصورة الوردية لم تكتمل حين وقع ديفيد على إحدى لوحاته للسور الغربي للقدس عبارة (سور الهيكل) في محاولة يائسة لإثبات ما لم تثبته الآثار المكتشفة حتى يومنا هذا، كما رسم باورنفنيد غوستاف الألماني 1848 ـ 1904 أجمل لوحاته المقدسية، خلال زيارة لبيروت ويافا والقدس وتمثلت بلوحة زيتية على الخشب كأنها صورة فوتوغرافية مأخوذة من احد أبواب القدس، تصور مدخلا خشبيا بزخرفه الإسلامي يفتح أبوابه على قبة الصخرة بلونها الفضي آنذاك وفسيفسائها الأزرق والأبيض وبلاطها الرخامي وحجارة مقدسية تدل على عتق المكان، ويظهر فيها شيوخ بالزي العثماني يتسامرون ويتكئون على عكاكيز الزمن، إلا أن الرسم وُثِق بجملة مدخل هيكل سليمان في القدس رغم عدم وجود أي شيء في اللوحة يدل على الهيكل سوى هذه الجملة التي لن تغير واقع التاريخ بالتأكيد لكن درجة تأثره بفلسطين جعلته يقيم عام 1989 في القدس حتى موته لتأسره إلى الأبد. وبالرجوع إلى روبرتس ديفيد فقد أبدع في رسم الأراضي المقدسة من الناصرة وعكا ونهر الأردن وكنائس بيت لحم والقدس ونابلس، مما يؤكد أن المستشرقين تأثروا وأحبوا فلسطين ولكن لم يخفوا انتماء بعضهم للامبريالية، ورحلتهم إلى الشرق جاءت لمهمات معينة، إلا أن الشرق أسرهم ولم يأسروه ولتأكيد المحاولات اليهودية لإثبات وجود هيكل سيلمان منذ القدم وتجلى ذلك في بعض لوحاتهم. ورغم تأثير الحضارات الغربية في النهضة العالمية بمختلف المجلات الاجتماعية والفكرية والعلمية والثقافية، إلا أن هذه اللوحات شكلت مفخرة للحياة الفلسطينية وعكست تأثر الغرب بجوانبها المختلفة وظهور تفاصيلها وانعكاس ألوان الريشة على أجمل صورها، بل وجعلت من المستشرقين أداة للتواصل عبر الزمن وتوثيق صور الحياة اليومية في ذلك العصر.
ولم ينته الموضوع عند هذا الحد بل ظهر المصورون الجدد ليكملوا المسيرة بعد عام 1890 بظهور التصوير الفوتوغرافي، حيث رحلت مجموعة من المستشرقين الشغوفين بالأراضي المقدسة منهم انتونان جوسين في سن التاسعة عشرة، ورافائيل سافينياك في سن الثامنة عشرة وقضيا حياتهما في فلسطين وشكلوا 80 ‘ من مجموع الصور القديمة لفلسطين والقدس وتركا أجمل اللوحات الفوتوغرافية النادرة وركز عملهما على أسوار القدس والحرم الشريف وساحته وصور داخلية لقبة الصخرة في عام 1904 و1905 حتى 1917 أي حقبة الدخول والتغلغل البريطاني. وإن المتمعن في تسلسل اللوحات الزيتية والمائية والفوتوغرافية يوضح لنا اختفاء معالم وظهور معالم أخرى والتحول الكبير الذي شمل المدن الفلسطينية وخاصة في القدس وهنا تكمن أهمية هذه اللوحات لأرشفتها التاريخية لتسلسل المكاني والزمني في ظل غياب مقياس الزمن. وبكل الأحوال يجب أن لا نتمادى في الانبهار بلوحاتهم كما انبهروا بحضارتنا إلا بعد فك رموز كل لوحة على حدة وتحليلها بدقة بما يخدم قضيتنا الفلسطينية، رغم أهمية هذه اللوحات وقلة اللوحات العربية الإسلامية في تلك الحقبة التي تدل على المكان كما رسمها المستشرقون، وباعتقادي فإن جزءا كبيرا منهم كان يعرف حقيقة تاريخ فلسطين وأراد أن يعطيها جزءا من حياته وفضَّلها عن حياة الغرب لكن بعضهم جاء برؤية الامبريالية في عصر الرجل المريض، والأكيد أن هذه اللوحات أصبحت جزءا من توثيق تاريخ فلسطين وبلاد الشام العريق. رئيس جمعية بيت القدس للدراسات والبحوث الفلسطينية كاتب وموثق تاريخي [email protected]