بعد أن كتبت مقالا يحمل عنوان ‘ضرب ليبيا استهداف للثورات العربية’ وأوضحت فيه أهداف الغرب لضرب ليبيا والهيمنة التي يسعى إليها وكيف يطمح إلى ضرب نواة الوحدة العربية قبل ولادتها وكيف يسعى أيضا لتهديد الأمن القومي لكلا القطرين مصر وتونس من خلال توسط القوات الغازية بينهما في قطعة مترامية الأطراف (ليبيا)، بعدما تحررا من التبعية الغربية بإسقاط الدكتاتورية التي تربعت على عروشهما لعقود عديدة وبعدما قرأت العديد من الردود التي وضعت على المقال الآنف الذكر في احدى الصحف العربية ومنها ما كان مؤيدا ويوافقني الرأي ومنها ما كان يخالفني ومنها ما وصلت به الحالة إلى حد التخوين والتسقيط، فآليت على نفسي أن أكتب مقالا آخر أوضح فيه خطورة الموقف في القطر العربي الليبي وخطورة الاختيار بين الأمرّين، مرار القمع والدكتاتورية التي يمارسها نظام العقيد ومرار الاحتلال وتدمير البنية التحتية للوطن باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
لا احد يستطيع أن ينكر تخاذل الموقف العربي الرسمي تجاه ما يدور في ليبيا، من جرائم وكبت للحريات وقمع وقتل وتقديم القرابين من المواطنين الأبرياء لكي يحافظ النظام على كرسي الحكم والعظمة والفخامة، وذلك لأن جميع الأنظمة مشغولة بذات الأمور والأهداف ونحن قد اعتدنا عليها منذ سنوات طويلة بل منذ أن قسم الغرب الوطن الكبير إلى أوطان متناثرة ومبعثرة فجل الحكومات والأنظمة تغرق في التبعية للغرب، ومشغولة بحماية مصالحه وأهدافه بالمنطقة لتكون الكلب الوفي والحارس الأمين على ذلك، وموقفهم تجاه القضية الفلسطينية والتخاذل العلني والصريح منهم ليس مبررا لنا لكي نرتمي في أحضان الاحتلال الصهيوني ونلقي رأسنا للبكاء على كتفه بحجة أن الأنظمة العربية متخاذلة وصماء تجاه قضيتنا وعدالتها وكذلك ما شهدناه في ليبيا من تخاذل عربي رسمي لا يبرر لنا أن نلتجئ إلى الغرب وندعوه ليضرب وطننا ويدمر بناه التحتية والتي هي ملك للمواطن وليست لأي نظام كان.
لقد انتابني شعور من الألم واليأس عندما سمعت الموقف الذي صدر عن جامعة الدول العربية والتي اعتدت على مواقفها المتخاذلة دوماً تجاه قضايا امتنا بأنها ستطرح أزمة ليبيا في الأمم المتحدة وتطالب بفرض منطقة حظر جوي على ليبيا والعمل على حصارها دون أن تعرض آليات عمل أخرى ربما تكون أكثر نفعاً في حقن الدماء التي تسيل على ارض ليبيا، فكان بإمكانها مثلا إنشاء وساطات عربية رسمية أو غير رسمية لتتوسط بين النظام والشعب للوصول إلى حل دون اللجوء إلى حمل السلاح والاحتراب، أو مثلا تهديد النظام الليبي بجيوش عربية تدخل ليبيا لتحمي المواطنين وتوقف سفك الدماء وهناك الكثير الكثير من آليات العمل التي تستطيع أن توقف الاحتراب القائم في ليبيا وتحقن بها الدماء دون اللجوء إلى الغرب وتقديم القطر الليبي على طبق من ذهب، ليكون بوابة جديدة يستغلها لدخول امتنا بعد ان أخذ يفقد ارتكازه بها نتيجة المقاومة الشديدة التي تلحق به الخسائر الفادحة بالعراق وسقوط العديد من الأنظمة الموالية له والتي تعمل بإمرته بالمنطقة، وأقل ما ينتج عن هذا الموقف المتخاذل هو إما أن تتحول ليبيا إلى بحر كبير من الدماء التي تسيل من كلا الطرفين الموالي للنظام والمعارض له أو تتحول ليبيا إلى دولة تحت الوصاية والهيمنة الغربية باسم المساعدات وباسم حقوق الإنسان التي اعتاد الغرب على رفعها دوماً تجاه أي قطر عربي ينوي احتلاله، وهنا نعود بالذاكرة إلى زمان ليس ببعيد وهو مشاهد احتلال العراق وتدميره باسم حقوق الإنسان والتباكي من الدكتاتورية التي أنجبت الملايين من العلماء والأطباء والمهندسين والمهنيين والتي وقفت ودافعت عن سيادة وطنها بكل شموخ وكبرياء مستمد من التفاف الجماهير العربية حولها، أما اليوم فان ديمقراطية الدبابة الأمريكية قد أنجبت لنا ما لا يقل عن مليون ونصف المليون شهيد وعن مليون أرمله وعن خمسة مليون لاجئ ومشرد وعن عشرات الألوف من المعتقلين وتحويل العراق من ساحة أمنة جدا إلى ساحة تغرق بالفوضى والفساد لتصبح الدولة رقم واحد بذلك تلوذ بها فرق الموت والعصابات التي جاءت من الخارج، ولكي لا تصبح ليبيا نموذجا مشابه لما حدث بالعراق أخذنا نحذر من خطورة الموقف والتطبيل والترويج للأجنبي وليس للمزايدة على أحد. إن من يسمون اليوم بقادة المجلس الانتقالي في ليبيا ليسوا منزهين أو أقل جرماً من القذافي لأن غالبيتهم العظمى كانت من أركان هذا النظام الذي استبد بالشعب وقتل الأبرياء والقسم الآخر منهم شغل نفسه طيلة أربعة عقود بالدعاء لهذا النظام والتغني له ولثورته وإظهار الولاء والطاعة له ولأن الرياح تأتي في بعض الأحيان بما لا تشتهي السفن إما لتقودها إلى مسار مجهول لا تعرف نهايته أو تؤدي إلى تلاطم السفن بالموج لتدخل في صراع هائج يؤدي إلى غرقها لذلك نجد أركان النظام الليبي بدأوا يتسابقون في سباق القفز الماراثوني من سفينة النظام ليلتحقوا بسفن الغرب القادمة لتحتل ليبيا باسم حقوق الإنسان وباسم الوصاية والعطف لكي يضمنوا المناصب الرفيعة والأوسمة التي يضعها لهم الغرب نتيجة إظهار الولاء له.
وفي نهاية المقال أود أن أطرح تساؤلا قديما جديدا يدور في خلجات نفوسنا عند كل أزمة تتعرض لها أمتنا وهو لماذا يجب علينا أن نبقى دوماً نختار أحد الحلول التي يفرضها علينا الواقع الفاسد والأجنبي المستبد؟! لماذا يجب الاختيار بين مرارة العروش الرجعية وبين الاحتلال المباشر؟
؟ لماذا لا نرفض هذه الخيارات ونأتي بحل جديد يحقق أماني وطموح شعبنا ويخدم أمتنا؟! أسعد عطاري