د. فايز رشيد
رئيس الوزراء الصهيوني أصدر سيلاً من الأوامر الجديدة للتشديد على الأسرى الفلسطينيين في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، أنها ليست المرة الأولى التي يتخذ فيها مثل هذه الأوامر، بل هي الثالثة على التوالي منذ تسلمه منصبه. نتنياهو يعتقد أن المعتقلين الفلسطينيين يعيشون في فنادق خمس نجوم، مع أن كل تقارير المنظمات الدولية المعنية، بما فيها تقارير إسرائيلية تؤكد الظروف اللاإنسانية التي يعيش فيها هؤلاء الأسرى. إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تُشّرع التعذيب في قوانين وبقرارات من محكمة العدل العليا، بالطبع المخابرات الإسرائيلية تستعين بخبراء في التعذيب وبأطباء جعلوا من أنفسهم خَدَماً للشاباك ونســـوا مهنتهم الإنسانية، ولقد فارق الحياة كثيرون من المعتقلين الفلسطينيين جرّاء التعذيب.
نتنياهو يتسلى بالمعتقلين من خلال الأوامر بالتشديد عليهم، وكأنه في حفلة، كلما يريد تجديدها يصدر أوامر جديدة دورية، الذي يدعو للاستغراب أن ما من وسائل جديدة بقيت في جعبة الشاباك لم يستعملها ضد المعتقلين الفلسطينيين، الأمر الذي جعل من السجون الإسرائيلية رائدة وطليعية في فنون التعذيب التي تفوقت على الأساليب النازية والفاشية والأنظمة الشمولية، والأخرى العنصرية، وقد استعرضنا جزءاً منها في مقالة سابقة، فما الذي يقصده رئيس الوزراء الصهيوني في وسائله الجديدة؟ لم تتبق وسيلة تستعملها المخابرات ضد إخوتنا المعتقلين سوى إطلاق النار المباشر عليهم، هذا الأسلوب لا تستعمله المخابرات الصهيونية لاعتبارات عديدة، خشيتها من تحويلهم إلى أساطير نضالية، وخوفاً من تداعيات الإعدام، وحبّاً في المزيد من تعذيبهم. نتنياهو يتلقى النصائح من المخابرات الإسرائيلية التي تبتكر جديداً في وسائل التعذيب التي تتفنن في اختراعها بكل ما فيها من وسائل حديثة، لا تترك آثاراً على ابدان المعتقلين، نتنياهو في حفلته يأمر سكرتيرته بكتابة المزيد من الأوامر. الجديد في المخابرات الإسرائيلية أن الموساد وهي المعنية بالشؤون الخارجية، افتتحت قسماً جديداً لها يتعلق برصد الفلسطينيين والعرب وأصدقائهم على الساحة الدولية من مساندين للقضية الفلسطينية وللقضايا الوطنية العربية وعلى الأخص: الربيع العربي. هذا القسم لا يكتفي برصد الأفراد وإنما كافة الهيئات والمنظمات والتجمعات الأهلية والشعبية المؤيدة للنضال الفلسطيني، مهمته ليس الرصد فحسب وإنما تخريب هذه الهيئات والتجمعات، والتأثير على بعض الأفراد والشخصيات للحد من انتشار هذه الظاهرة، وقد انزعج الكيان الإسرائيلي كما المنظمة الصهيونية العالمية من الانتشار السريع المتزايد أفقياً وعمودياً لتأييد الفلسطينيين، بين شعوب دول العالم وبخاصة على الساحة الأوروبية، التي كانت حتى الأمس تُعدُّ مرتعاً خصباً للأجهزة الأمنية الإسرائيلية. تضايق الإسرائيليون من هذا التأييد العالمي للحقوق الفلسطينية فبدأوا في استعمال كافة الوسائل القذرة في الحد من هذا التأييد مثل: تخريب سفن أسطول الحرية 2 في الموانئ اليونانية، ونجح الضغط الإسرائيلي-الأمريكي في التأثير على الدولة اليونانية في استغلال بشع لما يمر به اليونان من أزمة اقتصادية مستفحلة، فكان القرار اليوناني بمنع سفن أسطول الحرية 2 من الإبحار إلى غزة لاختراق الحصار على القطاع الذي يُفرض للعام الرابع على التوالي. إن من واجب هذه الهيئات والمنظمات والتجمعات المساندة للنضال الفلسطيني كما الأفراد والشخصيات النشطة في هذا المضمار، أخذ أقصى درجات التنبه والحذر، وبخاصة على الساحة الأوروبية ضد استهدافهم ونشاطاتهم من قبل الموساد الصهيوني وعملائه في أوروبا، والتي تستهدفهم هم أولاً، وتحاول تخريب جهودهم.
لقد نشطت إسرائيل مؤخراً كما أجهزة الأمن الإسرائيلية على الصعيدين الداخلي والخارجي للحد من التأثيرات الفلسطينية والعربية والدولية على الداخل الإسرائيلي وعلى سمعة إسرائيل في العالم، فرصدت إسرائيل عشرات الملايين من الدولارات لمنع سفن أسطول الحرية من الإبحار إلى غزة، ساعدتها في ذلك الولايات المتحدة. كما عملت وتعمل لمواجهة الخطوة الفلسطينية بعرض مشروع الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 على الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الجديدة في أيلول/سبتمبر القادم. قدرة اسرائيل النشاطية على الصعيد العالمي ليست بفضل سوبرمانية الموساد الصهيوني، وإنما بالاعتماد على العملاء والأجهزة الأمنية للدول الأخرى الصديقة لإسرائيل. لقد بتنا نشهد حالياً استمرارية ملاحقة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية للنشطاء الفلسطينيين، فمن عادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية وقبل القيام بخطوة اغتيال الشخص الفلسطيني المعني (وهذا ينطبق على النشطاء العرب أو الدوليين أفراداً ومؤسسات وهيئات) تقوم إسرائيل بترويج أكاذيب إعلامية حوله، لمحاولة الإيحاء داخلياً وخارجياً: بأن المعني يشكل خطراً على الأمن الإسرائيلي، هذا ما قامت به إسرائيل تجاه كل الذين اغتالتهم من الفلسطينيين، ومنهم غسان كنفاني وأبو جهاد، وكمال ناصر، وكمال عدوان وأبو علي مصطفى والشيخ أحمد ياسين والدكتور الرنتيسي وغيرهم وغيرهم. لفت الانتباه منذ بضعة أيام ما لفقته منظمة الشاباك من أكاذيب عن الناشطة والمناضلة الفلسطينية ليلى خالد وكما نشرت ذلك صحيفة يديعوت أحرونوت الأسرائيلية (الثلاثاء 28 حزيران/ يونيو الماضي)، من أنها حلقة الوصل بين خلية عسكرية اعتقل أفرادها في القدس وبين القيادة للجبهة الشعبية في دمشق.
المناضلة خالد وعلى شاشة فضائية الجزيرة كذّبت هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، وأوضحت أهداف إسرائيل من وراء هذه الاتهامات: الإيحاء بأن قيادة الشعبية في دمشق وبأنها معنية بالعمل العسكري ضد إسرائيل، وبأن سورية تأوي منظمات (إرهابية) فلسطينية، والتخطيط لاتخاذ خطوة ضد خالد نفسها وضد قيادة الشعبية في دمشق وبخاصة في هذه المرحلة التي تمر بها سورية، ومثلما أوضحت الناشطة الفلسطينية: فإن الجبهة الشعبية متواجدة في الأراضي المحتلة، وهي عندما تخطط لشيء ما، فهي ليست بحاجة لا إلى صلة، ولا إلى القيادة في دمشق.
من جانب آخر، فإن المقاومة الفلسطينية هي مقاومة مشروعة، شرّعتها الأمم المتحدة في قرارات واضحة لكافة الشعوب المحتلة أراضيها، والمغتصبة حقوق أهلها.
يبقى القول: أن لا القيادة السياسية ولا الأخرى الأمنية الإسرائيلية تعتبر قَدّراً مفروضاً، فالشعب الفلسطيني بنضالاته المشروعة يفرض حقائقه، وسيصل شاء الإسرائيليون أم أبوا، إلى حقوقه الوطنية المشروعة أيضاً. ‘ كاتب فلسطيني