وزارة الرقابة والاستبداد الإعلامي

حجم الخط
0

أحمد السنوسي ابتلي الإعلام ‘العمومي’ المغربي بعاهة مستديمة، بفعل ظروف النشأة ومسار التحكم، بيد من استبداد، في وسائل إعلام ممولة من عرق دافعي الضرائب بقوة الإكراه، لكن المتاريس والحواجز الإسمنتية وُضعت أمامها لكي تكون أحادية النظرة وعاجزة عن أن تعكس (بينما دورها هو أن تعاكس) ما يعتمل داخل المجتمع المغربي من تجاذبات وتفاعلات عميقة وجدت لها مسارات أخرى للتعبير عن نفسها فيما قاطعت الجماهير المنتوج الرسمي وهاجرت إلى آفاق أخرى مرغمة لا بطلة. وهو ما يكرس هوية المغاربة كمهاجرين يركبون الأهوال بحثا عن لقمة العيش، بعد أن التهم جراد الفساد الآدمي كل أرزاقهم وموارد عيشهم، أو يحلقون بأعينهم المتمردة في الفضاء، بحثا عن الخبر المغربي، بعد أن تحولت نشرات الأخبار الرسمية إلى مجرد سوق لترويج بضائع حكومية منتهية الصلاحية مفلسة وبائرة.

وفيما يتم الترويج لنوايا الإصلاح المؤسساتي، بينما لا يعملون سوى على إصلاح الفساد وتزويقه وتجميله، يتم تناسي عامل أساسي في هذا المسلسل، الذي يكبل أيادي التغيير، ويتمثل في بناء الثقة بين المرسل والمتلقي، هذا البناء الذي لا أساس له، ومن لا يحترم قواعد البناء يسقط بيته فوق رأسه. وهنا يكمن حجر الزاوية في المهمة الإعلامية التي رأس مالها الأول والأخير هو المصداقية وإعمال الحق في الاختلاف عوض التعاطي مع الوسيلة الإعلامية التواصلية كصوت للقبيلة، تجهل فوق جهل الجاهلينا، إذا ما انبرى صوت معارض أو نغمة معزوفة خارج انضباط الأوركسترا التي تردد لحنا واحدا فاشلا لحقه واقع التقادم، وأصبح يبعث على السأم والملل من فرط رتابته وبؤسه وانسداد أفقه، بعد أن سكن الرعب مخيلة العازفين من أن تقتحم حقولَهم المسيجة بأسلاك التضليل والرأي الواحد الأوحد طيورٌ شاردة دأبت على التحليق في فضاءات الرأي الحر والقدرة على الجهر به، دون مخافة لومة لائم. ولا نعتقد أن علاج العاهات المستديمة للإعلام الرسمي المغربي ستصبح متاحة بمجرد تغيير رؤساء القطب السمعي البصري، مع أن هذا الإعلام لا يسمعه ولا يبصره أحد، إلا مرغما أو مكرها. فبالرغم من أن الرئيس المدير العام القابع في مكتبه ينتظر أن يرن الهاتف الأحمر القاني لدعوته إلى الرحيل والإحالة على التقاعس المبكر، كما رن نفس الهاتف في الماضي، من أجل إسقاطه بالمظلة في عالم لا يفقه شيئا في أبجدياته. ولذلك، فقد سقط فعلا في مهمته، بالرغم من ذلك، فإن التعيينات، خارج السياق المهني، ستزيد من استفحال الداء، إذ أن زيدا لن يصلح ما أفسده عمرو، فبوثقة الاستبداد الإعلامي الفاسد مرشحة لمزيد من الانتشار، إذا لم تكن محكومة بمقاربة ديمقراطية شاملة قادرة على الإقرار بأن الإعلام العمومي يكون منبثقا من الإرادة الشعبية ومعبرا عن ‘الموزاييك’ السياسي والاجتماعي والثقافي، خارج معضلة الإملاءات الفوقية التي جعلته يقاطع الشعب ويحتقر ذكاءه ويحاول إغراقه في مستنقع إعلام مهمته إخفاء مساوئ السلطة وعوراتها، دون أن يفلحوا في ذلك، رغم استمرار وجود رجل يشغل منصب وزير للاتصال، وهي الوزارة التي انقرضت من كل الدول الديمقراطية، ولم تعــــد تعني في الأنظمة الشمولية سوى ‘وزارة الرقابة’ وَوِزْرُ الاتصال الدكتاتوري.

ويبدو أن هدف وزارة الاتصال اليوم هو إلحاق بالغ الضرر بالهوية المشتركة، مع أكبر قدر من التجهيل ووضع الماكياج على وجه الظلم واحتقار الجمهور، الذي يؤدي ثمن تلفزة تنصب له مشانق الإعلام يوميا. ومن باب السخرية حالكة السواد هو ادعاؤهم فرض انفتاح مغشوش على تفاهات العالم، وإقصاء الثقافة المغربية، فيما يريد الشعب الانفتاح على نسائم الديمقراطية العالمية في أرقى صورها وأبدعها، ويريد الانفتاح على الشعوب التي انتزعت حريتها انتزاعا من يد الاستبداد، وعلى الثقافات التي تعتبر كرامة الإنسان الغاية الأسمى للإبداع. ‘ كاتب وفنان مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية