مصطفى زماني ليس يوسف عليه السلام: الدراما تدخل محرمات الشخصيات الدينية

حجم الخط
0

لينا أبو بكر

الدفاع عن الطغاة أكل عيش دار الحوار في ‘أجندة مفتوحة’ حول محاكمة بن علي، والتي نفى فيها أستاذ التاريخ ‘علية العلاني’ خضوع القضاء للتأثير الإعلامي الذي لم يؤثر على تحويل المحاكمة إلى محاكمة شعبية، أما محامي القانون الدولي سعد جبار فكان محاججا منطقيا إلى أبعد الحدود لما قال أنه يصر على محاكمة بن علي محاكمة عادلة يحق له فيها الدفاع عن نفسه لكنه يستهجن إصرار محاميه في لبنان أكرم عازوري على اتخاذ محاكمة ‘شيراك’ الفرنسي نموذجا. لأن الأول فرّ والثاني موجود في فرنسا، واعتبر أن المحاكمة الشعبية هي الإطاحة بالدكتاتور، لكن عازوري حذر جبار من استخدام التعابير الوصفية لموكله، فهل سيأتي زمن على الربيع العربي تُحاكم فيه الشعوب على الثورة ضد الطغاة؟ والله هزلت يا قانون بيك! هؤلاء القانونيون يقومون بمهمة اللوبي الصهيوني مع منظمات حقوق الإنسان بعد الحرب على غزة، بل يفوقونه لأنهم باسم القانون لا يضعون العدالة في نصابها فممنوع التطرق للمجرم لا بل والجريمة.. عبد الحميد كان حياديا حتى آخر رمق وبما أنه مع الحقيقة فلن تلومه على حيادية منحازة، وقد أحاط بالقضية بكل جوانبها خاصة لما تساءل إن كانت الظروف بعد الثورة التونسية ملائمة لمحاكمة عادلة، رأى ‘العلاني’ أنها يجب أن تراعي الجانب التقني والسياسي معا، ووافقه ‘جبار’ الذي حذر من تضليل كبير عن طبيعة الأحكام الغيابية المؤقتة في تونس والتي تسقط بمجرد حضور المتهم، ثم رأى أن يتم تأجيل المحاكمة حتى تطهر تونس مؤسساتها القضائية وقد توافقه وأنت ترى أن المحاكمة أقصر الطرق لتجديد البيعة لكل مخلوع بما أن محاكمتهم تجري ضمن قوانين هم شرعوها.

يحق لنا أن نقول أن البي بي سي العربية فازت هذا الأسبوع بسؤالين ذهبيين الأول سأله أنطوان خوري لأحد ضيوفه عن ثورة عراقية مفترضة كانت ستطيح بصدام في ظل الربيع العربي لو لم يتدخل الاحتلال الأمريكي في 2003؟ والسؤال الثاني هو الذي وجهه حميد للعازوري: ‘هل أنت مقتنع بالدفاع عن بن علي وضميرك مرتاح؟ أم أنها مسألة أكل عيش؟ وإياك أن تعتذر يا عبد الحميد عما سألت وإلاّ! فإجابة المحامي كانت دليلا على أن القناعة ليست شرطا لتولي الدفاع عن المتهم، وما الدفاع سوى إقرار بعدالة المحاكمة التي رأى أنها أهم من الاقتناع الشخصي ببراءة المتهم، هذا التلاعب اللفظي والتحايل على العدالة، أوقعه في تناقض يدينه كمحام! وهو ما يعيدني إلى ثورة مصر لما هاج بعض الإعلاميين على استخدام الجزيرة للفظة فرعون بوصفها غير مهنية، فكان احتجاجهم دفاعا عن الفرعون وليس المهنية لأنهم يستخدمون تعابير وصفية لا تعتمد مبدأ الإسقاط التاريخي الذي لا يتجاوز أخلاق المهنة، مع طغاة آخرين، ربما عليهم أن يتوقفوا ولو للحظة مع أنفسهم ليأخذوا درسا بالحيادية المنحازة للحقيقة وليست المضللة والتي ينتمي شرفاء الإعلام إليها بفطرة واعية…’دراما المحرمات’أشد ما يهولك وأنت تبحث عن مسلسل ‘ يوزر سيف ‘ الإيراني هو ذلك الجدل حول شخصية الممثل ‘مصطفى زماني’ الذي قام بالدور، فعداك عن تهافت الجنس اللطيف على صوره وأخباره – حتى لتخاف على السكين من أيدي حواء – فإن هنالك من اعتبر’ زماني ‘ محسوبا عليهن، وحدث ولا حرج عن هذا الحسبان! ثم يأتي بعد هذا الهول هول آخر هو مسألة تحريم تصوير الأنبياء، ما يعده بعضهم تجاوزا لكل معايير القداسة بالتزامن مع مفاجأة الدراما الإيرانية القادمة:’ الملك سليمان ‘ فكأن نجاح يوسف الكنعاني مهد الطريق لباقي الأنبياء نحو الدراما التلفزيونية… ربما فعلا تُغير الثورة السورية من مجريات اللعبة الدرامية ‘الاستهلاكية’، ففقدان تركيا كحليف استيراتيجي للرئيس السوري سرّب خبر القطيعة كالنار في الهشيم، فلا دراما تركية بعد اليوم يا شباب، ولست أدري هل هذه بشرى خاصة للأزواج وأهل الفن أم أنها نذير شؤم لمن أدمنوا هذه الأعمال الفنية كمصدر للارتواء العاطفي بعد فترة شح رومانسي أصابت الدراما العربية بمقتل؟

عموما محاكاة الأعمال التركية أمر غير مشروع لدراما بني يعرب، ما دمنا لم نزل حتى بعد الربيع العربي نخضع للرقابة البوليسية في ذات الوقت الذي نتجاوز فيه كل الخطوط الحمراء خاصة على صعيد الفيديو كليب والتوك شو، فمبدأ الحشمة في هذين يفتح الله، وكذلك الغواية التي هي من ضرورات العمل الفني، فما يُقدم ليس إغراءا فنيا، بقدر ما هو تسلية بذيئة مخلة بالذائقة قبل الحياء لأنها لا تحرك الإحساس بقدر ما تحرك أشياء أخرى، وهنا يصبح العشق كفكرة في صلب الدراما العربية من أخطر المحرمات الدرامية التي تقص رقبتها الرقابة، فما البديل عن دراما تركية تتقمصها بعض أصوات فناني قائمة العار من وراء ستار؟

البديل دراما محرمة أيضا ولكنها الدراما الإيرانية، التي لن تختص بمهند ولميس والذخيرة الرومانسية التي أصبحت في أرشيفنا أطلالا يمر بها عشاق الثنائي على طريقة جدهم عنترة فيا دار لميس التي هي عبلة في الفضاء الإعلامي تكلمي وعِمي صباحا دار أردوغان واسلمي، الدراما الإيرانية تخصص ‘ شرعي’ وقد سبقهم إليه ‘ ميل جبسون ‘ لما أغاظ من أغاظ من بني صهيون بتصوير ملحمته الفنية ‘عذابات المسيح ‘ ببطله الأمريكي ‘Jim Caviezel’واليوم لدينا يوزر سيف ‘ الصديق يوسف ‘ يتقمص نبوته الإيراني ‘ مصطفى زماني ‘ وبالأمس كان عندنا سلاف فواخرجي التي تقمصت أسمهان فوضعت أنفها في السماء ومرغت أنف التي’تقمصتها بالأرض لما رأت انها أضافت لأسمهان أكثر مما أضافت هذه إليها، والحمد لله أنها لم تؤد دور رابعة العدوية، لكانت أصبحت من العشرة المبشرين بالجنة! يجري تصوير دراما يقوم رشيد عساف فيها بدور الإمام الحسين بن عليّ كرم الله وجهه ويُتوقع أن تثير جدلا قد يدخلها في نظاق التصنيف الطائفي، ترى هل كانت ستكون عرضة لهذا لو كانت دراما مستوردة؟ والله إني في شك من بغداد إلى النجف الأشرف! لست أدري هل سيحفز ‘ يوزر سيف ‘ شهية حاتم علي لمغامرة بنت مُحَرّمات فيختار أحد أبطال الدراما العربية لتقمص شخصية ‘ عمر ‘ مُقّلّبا أوجاع أمة اعتادت أن تحرم على نفسها ما تحله لغيرها؟ أمة يُهدر دمها لو خطر ببال فنها خاطر يتعدى التعبير الرمزي عن تلك الشخصيات؟ لسنا نمشي في جنازة الدراما العربية إذن، إنما نشيع العدالة إلى مثواها الأخير، ودستور يا أسياد الفتوى!

تبرير تاريخي أم خطأ فني؟ لست أظن أن المبالغة بالإسهاب في تصوير مشاهد عذابات زليخة إفلاس على صعيد البحث التاريخي فلقد شارك في كتابة السيناريو الذي استغرق 4 سنوات 20 باحثا في المادة التاريخية قدموا خلاصة البحث في أكثر من 1800 صفحة من المعلومات الموثقة حسب ما أورد موقع ويكيبيديا عن المسلسل، وهنا يجب أن تقف مليا عند الرسالة التي أراد صاحب العمل أن يوجهها للمشاهد، فهل هو استجداء لتعاطفه مع زليخة؟ لماذا هذا الإصرار من إدارة العمل على التركيز الممل على ضمير زليخة الذي هو إثم قلبها؟ كان يمكن للكثير من المواقف والأحداث أن تزدحم بكتلة صراعات نفسية هائلة عاشها يوسف وعايشها وقد تكون عذابات شخصية يعقوب على رأسها، بدل أن يُغض الطرف عن معظمها لمصلحة الإثم ومبرراته.. ولكن هل نسامح أية نوايا مضمرة للفن بالتبرير لأخطاء تاريخية ورثنا الحقد عليها ومواصلة رجمها دون أن نتمتع بشجاعة الغفران كمحاولة يائسة للتطهر من ذنوبنا التي كانت شماعة زليخة حمالة آثامها؟ يا معشر حواء: إياكن وقطع الأيادي فهذا قصص درامي، ومصطفى زماني ليس يوسف عليه السلام!

شاعرة عربية- لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية