مدريد ـ ‘القدس العربي’ ـ من حسين مجدوبي: كشفت الأزمة الليبية محدودية التحرك العسكري الأوروبي في الأزمات الدولية التي تخص الأمن القومي للقارة العجوز، وجاءت هذه الأزمة لتبرهن مجددا مدى استمرار ارتباط أوروبا بالولايات المتحدة في مختلف الملفات، وهو ما يقلق الكثير من الأوروبيين الذين يعتبرون ذلك تعبيرا عن تأخر الوحدة الأوروبية في المجال العسكري.
ومنذ اندلاع الأزمة الليبية ومحاولة تزعم الاتحاد الأوروبي إيجاد حل عسكري لهذا الملف المتفجر في إطار الانتفاضات العربية ضد الحكام الدكتاتوريين والانشقاق الأوروبي يتعاظم سياسيا وعسكريا. وكتبت جريدة ‘لوموند’ في افتتاحية عددها الأربعاء بعنوان ‘الارتهان المحزن لأوروبا في الأزمة الليبية’ مبرزة محدودية أوروبا كتكتل في مواجهة الأزمات بما فيها تلك التي تهدد الأمن القومي الأوروبي مثل بعض الملفات المرتبطة بالشرق الأوسط وإفريقيا. عمليا، مباشرة بعد اندلاع الأزمة الليبية انقسم الاتحاد الأوروبي الى قسمين، الأول تقوده فرنسا وبريطانيا بمساعدة بعض الدول مثل اسبانيا، حيث تتحمل هذه المجموعة المسؤولية العسكرية الرئيسية. والمجموعة الثانية كانت بزعامة المانيا وإيطاليا اللتان رفضتا التدخل العسكري في البدء وإن كانت روما عادت لاحقا لتشارك في العمليات العسكرية بينما بقيت برلين متشبثة بموقفها. ورغم تولي الحلف الأطلسي تسيير الضربات العسكرية ضد كتائب القذافي في ليبيا، فكان انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية كافيا ليبرز مدى محدودية القوة الأوروبية، الأمر الذي جعل وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس يفسر هذه المحدودية بسبب عدم استثمار الأوروبيين في المجال العسكري. ويرى خبراء العلاقات الأوروبية ـ الأمريكية أن تصريحات غيتس هي بمثابة إنذار للأوروبيين بضرورة الاعتماد على أنفسهم بسبب تغيير في الأجندة العسكرية الأمريكية وهيمنة ملفات حساسة جديدة تهم البنتاغون وعلى رأسها الصين وإيران وليس نزاعات البحر المتوسط. ويشكل الملف الليبي نقطة اختلاف كبيرة بين باريس وواشنطن رغم أن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يعتبر عمليا ونظريا من أنصار السياسة الأمريكية، لكن باريس لا ترغب في الظهور بمظهر الضعيف وهي التي تراهن على الأزمة الليبية لاستعادة بريقها الدولي. في هذا الصدد، كانت جريدة ‘لوفيغارو’ الفرنسية والمقربة من الرئاسة قد ألمحت في فاتح تموز/يوليو الجاري أن قرار تسليم باريس أسلحة للثوار الليبيين يدخل في إطار تسريع الحل، واتخذت القرار بشكل منفرد. وكان الحلف الأطلسي قد اندهش للقرار الفرنسي ونفي أي علم له به، بينما أعربت واشنطن عن تحفظها بسبب تخوف سقوط أسلحة متطورة في أيدي القاعدة في الجنوب الليبي.
وتبرز افتتاحية لوموند أن الأوروبيين رغبوا في تأكيد حضورهم على الساحة الدولية، وشكلت الأزمة الليبية مناسبة لكن هذه الأزمة أظهرت عدم النضج الاستراتيجي للقارة الأوروبية التي تجد نفسها قزما عسكريا في مطلع القرن الواحد والعشرين. وتستثني الافتتاحية فرنسا وبريطانيا بسبب ترسانتهما المتطورة، في حين تصف الباقي بالمحدودية للغاية، مؤكدة امتلاط بعض الدول الأوروبية ترسانة من الأسلحة ليست في المستوى. وتحذّر ‘لوموند’ من الواقع المقلق لاسيما في ظل تأكيد الولايات المتحدة أن اهتماماتها المستقبلية هي المحيط الهادي، أي الصين وليس الوجهة الأوروبية والشرق الأوسط.