المبادرة الخليجية: حل عادل أم خروج على منطق الثورة؟

حجم الخط
0

يبدو أن وضعنا العربي من الكآبة والقنوط بحيث يمكن البحث عن حلول له حتى في المستحيل منطقيا. المنطق يقول بمعاقبة المسيء، المنطق يفرض الإدانة لمن أدان، المنطق يشير الى أن لكل جريمة عقابا. تعودت شعوب هذه الأمة على الصبر والاحتساب، جُبلت هذه الأمة على الإيمان بان الطغاة حسابهم عند ربهم، لم تتعود هذه الأمة على محاسبة المستبدين والطغاة وهم أحياء، كان هذا هو سمتَها العام. طوال الأجيال التي خلت. كانت الجزاءات الدنيوية للطغاة تأتي من أمثالهم، وبالتالي تستبدل الأوطان طغاة بطغاة. ولكن وبعد ما نشهده اليوم من ثورات شعبية هائلة، ومنظمة رأيناها في تونس ومصر واليمن لم يسجل مثلها تاريخنا تنظيما وسلمية وسموا في الشعار والمطلب، والثورة السورية قادمة هي الأُخرى على نفس المنوال، بعد كل هذا لا يمكن الاستمرار ضد منطق العدالة التاريخي الذي شهدته ثورات العالم قاطبة. اليوم بن علي مطلوب للمحاكمة ومبارك على أبوابها رغم توسلاته، في ظل هذا كله تأتي المبادرة الخليجية على أهميتها وبياض نيتها معاكسة تماما لمنطق الثورة ومنطق العدالة بعد قيامها. تأمين خروج الرئيس من السلطة وعدم ملاحقته قضائيا بعد حكم تعدى عامه الثاني والثلاثين، يسأل فيها وأثناءها عن وقت شعبه ومصدر رزقه في ما أفناه، وعن ثروة بلده في ما أنفقها، وعن دماء شبابه في ما ولماذا أُزهقت. هل يعقل أن يكون هناك عمل بدون حساب؟ منطق الدنيا قبل الآخرة لا يجيز ذلك. نعم الكرب عظيم والثمن قد يكون باهظا وهو كذلك، ولكن المبادرة الخليجية على حسن نيتها، تتعارض ومنطق الثورة، كان من الممكن النظر والاعتبار في منطقها والأمور لم تصل بعد الى حد الثورة، منطق الثورة أيها السادة ينطلق أساسا من الإحساس بوقع الجريمة الشمولية وينطلق أساسا باتجاه تحقيق العقاب. بمعنى أن الشعب اليمني اليوم يهمة جدا أن تكتمل ثورته بمحاكمة المسؤول عن وضعه البائس الذي دفعه للثورة وتقديم قرابينها من دماء أبنائه وشبابه. ضمان عدم ملاحقة المسؤول أو المسؤولين عن الثورة، يعني عدم مشروعيتها ضمنيا. لنا أن نتصور أن هذا المنطق قابل للتطبيق في عالمنا العربي من أقصاه إلى أقصاه وخروج كل هؤلاء الطغاة بعد كل ما خلفوه من دمار نفسي ومادي للشعوب خروجهم بضمان عدم الملاحقة فأين تأتي العدالة إذن؟ هل يمكن للعدالة أن تتجاور مع الاستبداد، وهل يمكن للثورات، أن تكتفي بإبعاد الاستبداد لا استبعاده واستئصاله؟ هذا الاستثناء العربي يؤكد استثناء عربيا آخر يأتي الكلام عنه عند الحديث عن الديمقراطية. بهذه الاستثناءات، قد يقبلنا التاريخ كاستثناء على صيرورته ومنطقه. فيدفع بمصطلح الاستبداد الشرقي كاستثناء قال به ماركس وهيغل أو رؤية بابا الفاتيكان الحالي حول تخلف التراث الاسلامي مقارنة بالتراث المسيحي الذي أنشأ أوروبا المتقدمة والديمقراطية. المبادرة الخليجية إذا ما طبقت وقبلت وأنا أشك في قبول المجتمع والثورة اليمنية بها، ستكون إضافة جديدة تؤكد الاستثناء السلبي العربي في ما يتعلق بمفهوم الثورة ذاته، حيث ستنزع عنه فكرة الخلاص من الظلم وتستبدلها بفكرة التعايش معه، الأمر الذي سينفي ويستبعد قيامها أصلا.

عبدالعزيز الخاطر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية