نهى المصري ‘تجريم الضحية وتمجيد المعتدي’ هذا المعطى يبدو ان احدا لم يهمله على مدى التاريخ، بل كان أحد المباديء الأساسية التي انتهجها الغرب بشقيه الرأسمالي والشمولي على السواء في الماضي البعيد والقريب، والملفت ان الطرفين تبنيا آليات مشتركة وان اختلفت اساليب التحكم بينهما، وقد بدا ذلك واضحا خلال حقبة الحرب الباردة، حيث تجلت مسوغات أي تحرك للجيش الروسي على سبيل المثال خارج الاتحاد السوفييتي في حينها’بدعاوى حماية الأمة من ‘التهديد البربري’ و’حتمية مواجهة خطر امبراطورية الشر ودرئه’، هذه ‘المحفزات القومية ‘ لدى النظام الشمولي أخذت شكلا مغايرا في الولايات المتحدة مثلا التي استخدمت حيلا مشابهة للتحكم في المواطنين، ولكن عبر تأسيس نظام أطلق عليه اسم ‘التضحية والقصاص’ والذي اشير اليه في مذكرة مجلس الأمن القومي رقم 68 وهي واحدة من وثائق الحرب الباردة الأكثر سرية، حددت فيها الأطر الأساسية لسياسة ما اعتبرته المذكرة ‘الحاجة للقمع’ وهي حسب واضعيها سياسة سعت لتحقيق ‘الطريق الديمقراطي’ والتي وجب اتباعها مع ‘أولئك الخارجين علينا’ كما تشير المذكرة، أما من هم أولئك… ؟ قد تجعل الصيرورة الظرفية اي فرد موضع شبهة.
أين نحن العرب من كل هذا؟
بما اننا منقسمين بين حضانتي الدول الرأسمالية والشمولية، هذا يعني اننا بعضا من الاثنين كل وفقا لمرجعيته، ولكن بأداء مختلف، والا كيف يفسرالسقوط السريع لنظام حسني مبارك في مصر بعد حوادث قمع مارسها ضد طلاب الحرية تلك التي قد لايذكرها التاريخ مقارنة بما يجري’في كل من ليبيا وسورية، علما أن النظام المصري كان محسوبا على الغرب بشقه الداعم للعدو الإسرائيلي بالمطلق، في حين ان دولة كسورية وهي أحد اركان الدول الممانعة، فإن نظامها لم يتورع عن قتل الاطفال والنساء والشيوخ، وعن اجتياح القرى والمدن بشراسة يندى لها الجبين، كل هذا لحماية الأمة من التهديد البربري، وبسبب حتمية مواجهة خطر امبراطورية الشر ودرئه، الغريب ان هناك من يصدق ان قتل المواطنين هو حق مشروع للسلطة لمواجهة المؤامرة التي تستهدفها والتي تستهدف بدورها القضية الفلسطينية الأم كون سورية جدار ممانع وحامي الحمى.
إن فكرة دفاع السلطة عن نفسها تبدو مضحكة سيما انها تقتص من شعب أعزل يتم اصطياده كالعصافير عبر الشبيحة المنتشرين كالطاعون في الشوارع، اما القول بأن هذا النظام هو خير سند للقضية الفلسطينية فكيف يمكن لفاقد شئ ان يعطيه؟ من يقتل الابرياء وينتهك الحرمات دون أن يرف له جفن، لا يمكن ان يشعر بوجع القضية، ويستحيل ان يكون حاميها بل هو بالضرورة حراميها من حيث انه أحد المستفيدين الكثر، ممن تاجروا ومازالوا بشعارات لا يفقهون حتى فحواها، وهذا ما يتجلى بانتهاكات ذاك النظام الممانع الفاضحة، لذا يبقى الحديث عن الحقوق محصورا بأمر اساسي وهو ان القضية الفلسطينية تستحق منا رص الصفوف لدعمها ولكن من خلال مشروع فلسطيني متكامل، فالقضية فقدت بوصلتها عندما سمحت لشبيحة المواقف الاستثمار بخزان الثورة فانتهى الأمر بهروب مقدراتها عبر شرايين مختلفة لتغذية أغراض مغايرة لذا حان الوقت لاخراج أسهم القضية الفلسطينية وشعاراتها المطروحة في سوق النخاسة من التداول وسحب أوراق الاعتماد ممن حول القضية الى قطار، ركابه كثر لكن محطات نزولهم كأغراضهم مختلفة بعيدا عن وجهته الأساسية، لهذا لا بد من عودة القضية الفلسطينية، بكافة آلياتها الى ايدي الفلسطينيين انفسهم، من باب تكامل القوة الرادعة، بهذه الطريقة فقط يمكن وضع حد لهذه الأزمة التاريخية سيما ان الشعوب العربية دفعت ثمنا باهظا بسبب ذاك الإرث الذي وظفته الأنظمة العربية لانهاك شعوبها بمعارك وهمية حيث اختلطت خلالها أحلام شوارعنا وصحفها بل وسقف تمردها بشعارات كانت الى الأمس القريب تحكم باسمها تلك الأنظمة التي أصبحت اليوم بفعل قمعها مدعاة للسخرية، وهي التي لم تخدش جرائم إسرائيل حياءها بل ما أخرج الأسد من عرينه هو نطق الشعب بشهادة الحق بالحرية، حيث أدى الجهر بها الى تنشيط رخص التنكيل والذبح تلك التي صدّق عليها صمتنا في الماضي القريب اما خوفا او تضليلا من قادة بالكاد يعرفون كم نحن اقوياء، ومؤخراعرفنا كم هم حثالة قبل ان يكونوا جبناء، أولئك الذين جعلوا ولعقود من أوطاننا سجنا كبيرا’وهاهي جرائمهم تجعل منها اليوم مسلخا لكل من اكتشف انه وان أصابه الجبن مرات، وإن صمت مرات لكنه لن يكون مطية لأحد.
لقد فهمنا اليوم من اين يأتي صلف العدو الإسرائيلي الذي استخف ولعقود بشعوب عربية خرقاء تساق كالبعير من انظمة متغولة بأقل تقدير، لكنه ايضا تمكن من تقدير سعر الحاكم العربي وحجمه كيف لا، ولا يفهم القاتل سوى قاتل والعناصر المشتركة بين انظمتنا والعدو كثيرة وكأنها لغة تخاطب خاصة لا يفهمها سوى أبناء شريعة الغاب، فالمتأمل لممارسات العدو الاسرائيلي بمشهده العام يرى ان القتل المجاني للشعب الفلسطيني كان ومازال يمارس بوتيرة شبيهة بطقس بدائي، يتم من خلاله رسم حدود سلطة الكاسر من خلال دم الفريسة الذي يراق تكرارا ومرارا فقط لتنشيط الذاكرة ولتثبيت تفاهم الرعب، بهذا العرف تلتقي أنظمتنا مع العدو الاسرائيلي وهي التي تحاكي اليوم العدو رعبه حيث ترسم حدود سلطتها بدماء شعبها الأعزل كي يلتزم بحدود طغيانه، ولعل المفارقة المبكية أن العدو الإسرائيلي الذي لا يختلف على جرائمه أحد اطلق منذ سنوات سراح عشرات المقاومين العرب مقابل رفات جندي كان قد قتل في لبنان، في حين ان النظام السوري جعل من بلاده مقبرة جماعية لترميم عظام دكتاتورية أعلنت الحتمية التاريخية وفاتها.
بالله عليكم شعوب مذلولة وزعماء قتلة هل هذه العناصر قادرة على تحرير أمة؟ وهل يكفي ارث سيد المقاومة السيد حسن نصر الله كي يؤسس في شوارعنا العربية لقبول يشرع قتل الأبرياء باسم صد المؤامرة؟ بل كيف تبيح ضوابطه الشرعية هذا الأمر؟ لا شك ان بريق المقاومة لم يعد يخطف انظار كثير من البعض لكنه مازال يختطف البعض الأخر لاعتبارات مبررة عند من يرى الأمور بعين مصالح بعضها يتحلى بأبعاد قومية وبعضها فردية، وفي هذا الاختلاف مفارقة وفي هذا التشريع خلط لأوراق شئنا ام أبينا ستجعل من مجازر إسرائيل أمام هذه المعادلة ‘طرفة’ ، بل أن سياسة الكيل بمكيالين والتي يقوم بها اليوم أبرز مقاومي القرن تجعلنا كلنا مجرمين وقتلة وتصبح حقوقنا شبيهة مثلا ‘بحق بريطانيا التاريخي في قصف الزنوج’ حسب توصيف رجل الدولة لويد جورج الذي أكد على ان معاهدة نزع السلاح التي ابرمت عام 1932لم تضع قيودا على قصف المدنيين بسلاح الجو، أو شبيهة بامتعاض ونستون تشرشل من استياء البعض من ممارسته ‘حق’ استخدام الغاز السام على القبائل الهمجية التي تحتاج برأيه الى جرعة من الرعب مستغربا الحساسية تجاه استخدام الغاز السام قائلا ‘لا يمكننا في أي ظرف الإذعان لمنع استخدام أي نوع من السلاح بمقدوره تحقيق نهاية للتهديد الذي يحيط بتخومنا’ اذا ها نحن من جديد امام حق تكفله ‘حتمية مواجهة خطر امبراطورية الشر ودرئه’ والتي على اعتابها يسقط الحق الخاص امام الحق العام ولكن عندما يكون كل ‘آخر’ هو شيطان باعتبار ‘الآخر’ هل هذا يسقط معادلة الصواب والخطأ وهل محركات آلية الثواب والعقاب في هذه الحالة تبقى قبلية بالمعنى الثأري؟
ما الذي يجعل من مفاهيم العدالة وحق الانسان العيش بكرامة كالرخويات لا هيكل ولا شكل نهائي لها ومن يصدق اليوم ان القتل المجاني والقمع يحمي الأمة من ‘مؤامرة’، هذه المهزلة تذكرنا بعبارة شهيرة للمؤرخ ‘ديفيد فرومكين قال فيها’ لقد فشلنا في الوصول الى فهم لا اناني للبعد الانساني للرحمة، كما فشلنا في ادراك الحدود التي يجب ان نقف عندها حين نشرع بالتدخل في شؤون الآخرين’ اما ما الذي يقصينا نحن الشعوب عن الاهتمام بمصالحنا كمواطنين؟ ربما مقاربة أستاذ علم الأخلاق ‘رينولد نيبور’ تفسر بعضا من تساؤلنا حيث قال عام 1932 ‘اذا اخذنا غباء الانسان العادي في الاعتبار فان مسؤولية المراقبين الهادئين هي تقديم، الخداع الضروري الذي يوفر الايمان الذي يجب ان يغرس في العقول الأخف’، اذا اللعب بالعقول هي آلية معتمدة لدى الدول الديمقراطية والمتخلفة على السواء لتسوس العقول من خلال هندسة سياسة القبول والموافقة التي يكرسها الساسة داخل مجتمعاتهم ضمن حدود هم ينظمونها، لماذا؟ لامتلاك عقل الشارع بالضرورة، هذه الآلية تسمى في الدول الديمقراطية ‘هندسة القبول الديمقراطي’ اما في الدول الشمولية المتخلفة فالأمر مختلف وآليته تقوم على قاعدة تدمير كل من يحمل رأيا فكيف لو تجرأ على ابدائه، ولست ادري هنا ايهما افضل ان تكون الأخف عقلا لكى تبقى عبدا حيا او ان تفتح عين العقل وتمسك بزمامه لتبقى حرا وان كنت ميتا، كيف؟ يقول الكاتب المعروف نعوم تشومسكي ‘حيثما يكفل العنف طاعة المحكومين لا يكترث الحكام لما يفكر فيه الشعب، ولكن عندما لا تتوافر للدولة وسائل القهر فإنها تكترث كل الاكتراث لما يفكر فيه الشعب’ إذا ثوروا فعين الله ترعاكم.’ كاتبة فلسطينية’