باحثان أردنيان يستعيدان الشاعر الروسي ‘بوشكن’ في ندوة بعمَّان: عمان ‘القدس العربي’- من سميرة عوض: يعد الشاعر بوشكن اليوم في روسيا رمزا قوميا كالنشيد الوطني وكالعلم. ولم تكن نبوءته توهما، وإنما قامت على أسس موضوعية كان يدركها الشاعر في ذاته، حين كتب وقتها: ‘سيشيع ذكري في أرجاء روسيا الشاسعة ويلهج الناس باسمي بكل لغاتها الحانية’. فاليوم صار اسم ‘بوشكن’ على كل لسان في روسيا، لأنَّه فجَّرَ اللغة الروسية من أعماقها، وجعل لغة الشعب اليومية لغة لشعره الجزل والرقيق، واضعا اللغة الأرستقراطية المتعالية والمقعرة خلف ظهره.’ومنتدى الرواد الكبار بالتعاون مع المركز الثقافي الروسي’يستعيد الشاعر الروسي بوشكن ـ بمناسبة ذكرى مولده- والذي ‘يعد أعظم الشعراء الروس في القرن التاسع عشر، ولقب بأمير الشعراء’، كما ‘أن روسيا اليوم اعتمدت تاريخ مولد الشاعر وهو 6 حزيران/يونيو باعتباره ‘يوم اللغة الروسية’، تقديرا لشاعريته ‘ولغته’، كما قال الكساندر دورو فييف مدير المركز الثقافي الروسي في عمان الذي عبر عن ترحيبه بهذا التعاون في الندوة التي أقيمت بمشاركة د.
حسين جمعة، ود.
سلطان قسوس، ألقت فيها رئيسة المنتدى هيفاء البشير كلمة ترحيبية، وأدارها مدير المنتدى التنفيذي عبد الله رضوان.
ولكن هل يستطيع الشاعر الصاحي… وقال مدير الندوة رضوان، بعيد عرض فيلم وثائقي صامت بالأبيض والأسود جسد حياة الشاعر، كان ‘بوشكن تنويريا. لقد كان مدافعا متحمسا عن التنوير، ليس بمعنى تطوير الثقافة والتوسع في تعليم الشعب وحسب، بل وقد رأى في تطوير التنوير واحدة من أهم الوسائل الضرورية لتحقيق الحرية للشعب’، مستحضرا مقاطع من قصيدة للشاعر لم تنشر في حياته ‘رسالة إلى يويدن” ومنها: ‘أنت تريد، يا صديقي العزيز، أن تعرفأحلامي، رغباتي، أهدافيوأنت تريد أن تصغي، وابتسامة الصداقة تعلو شفتيك، إلى الصوت الهادئ للمزمار البسيطولكن هل يستطيع الشاعر الصاحيأسير أحلام الصبا’. البشير: التعامل مع الروح الشعبية الروسيةونوهت هيفاء البشير رئيسة منتدى الرواد الكبار في كلمة ترحيبية لخصوصية الشاعر، ودوره في بناء الأدب الروسي الحديث، وأهميته الأدبية الكبيرة في تطور الحركة الأدبية الروسية، ودوره أيضاً في بناء القومـية الروسية، والتعامل مع الروح الشعبية الروسية، وتضمين هذه الروح الخلاّقة والمبدعة في مجمل أعماله الشعرية، سواء كانت غنائية أم درامية أم مسرحية، ليكون ‘بوشكن’ بذلك، علماً روسياً معروفاً على مستوى العالم، بجمالية إبداعه، باعتباره أنموذجاً إيجابياً متميزاً للأدب الروسي، على مستوى وطنه روسيا، وعلى مستوى الأدباء العالميين الكبار.
وبينت البشير ‘هذه الأمسية الأدبية حول الشاعر الروسي الكبير ‘بوشكن’، التي تقام بالتعاون مع المركز الثقافي الروسي في عمان، تمثل باكورة التعاون المشترك مع المركز الثقافي الروسي ممثلاً بمديره السيد الكساندر دورو فييف، الذي نرحب به ترحيبـاً خاصاً، متطلعين إلى أمسية ثقافية أدبية راقية، تليق بكم وبالشاعر الروسي الكبير’بوشكن، مؤكدين عمق صداقة الشعبين الروسي والأردني، إذ لا يمكن أن ننسى هذا التاريخ من الصداقة التي تجمع بيننا’، لافتة الى انه ‘لا تكاد تخلو أسرة أردنية من طالب أو طالبة أكملا دراستهما الجامعية في الإتحاد السوفييتي سابقاً/ أو الجمهورية الروسية حالياً، وهو ما يعمق أواصر الصداقة والتعاون، وبخاصة وإن الحقل الثقافي إنما يشكل إطاراً جامعاً محققاً شروط التواصل، عبر التعدد الثقافي والحضاري القائم على احترام وتقدير ثقافة الآخر، وحضارته، ورموزه الثقافية والإبداعية’. جمعة: مسيرة حياته نفسها هي حياة روسية حقيقية لفت د.
حسين جمعة في خاتمة ورقته المعنونة ‘مكانة بوشكن وعظمته الأدبية والفكرية إلى أن بوشكن (1799- 1837)، ‘لم تقتصر مهمته على ابتداع الأعمال الشعرية والنثرية، وإنما على استقطاب الأدباء حول مجلة ‘المعاصر’، وطرح آراء جريئة ومبدئية لما ينبغي أن يكون عليه النقد الأدبي والفني، داعياً إلى التأسيس الفلسفي والجمالي للأحكام النقدية، وكان تأثيره ساطعاً في الحراك الفكري والأدبي، في عصره، بما قدمه من مبدعات فنية وفكرية رائدة’. كما ويلفت إلى ان نبوءة الشاعر الذي كتب: ‘سيشيع ذكري في أرجاء روسيا الشاسعة / ويلهج الناس باسمي بكل لغاتها الحانية’، لم تكن غطرسة أو توهماً، وإنما قامت على أسس موضوعية وذاتية، وتحققت في زمانه، وما تزال بعد مرور قرنين من الزمن تحتفظ بوهجها ومصداقيتها، والفضل في ذلك لا يعود لعبقريته الفذة، ولا لحدوسه الاستشرافية الدقيقة، ولا لكدِّه الدؤوب المتواصل حسب، وإنما لأنه – إلى جانب ذلك – حمل همَّ أمته وعانى من تخلفها وفساد حكامها، وسعى إلى إصلاحها بالفعل والكلمة، حيث ‘استجمع في ذاته كل ما هو جميل ومستنير في روسيا’ – على حد قول الناقد الروسي الكبير بيلينسكي.
مبينا أن بوشكن تناول ‘بعقل منفتح وإحساس عميق في سائر أعماله كفنان مرهف ومفكر قومي أصيل معظم المسائل الجذرية الاجتماعية والسياسية الحادة، التي شغلت المجتمع الروسي وقتذاك، عبْر التصوير الاستثنائي الشامل لمختلف جوانب الحياة الوطنية والإشكاليات الموسوعية التي واكبتها؛ فتجسدت ملامح الحياة الحقيقية وصور العيش المتنوعة في مشهدية خارقة، وكأنها في عدسة مصغرة تلوح بوضوح ساطع، ألهب حماس نيكولاي غوغول، فاندفع، وهو يشيد بمأثرة بوشكن، دافقاً مسترسلاً في كلامه: ‘عند سماع اسم بوشكن تتوهج لدى المستمع فكرة الشاعر القومي الروسي. في واقع الأمر ليس بين شعرائنا من هو أعلى منه قامة لتسميته شاعراً قومياً يفوقه، هذا الحق يُعزى إليه بصرامة. بوشكن يشتمل في ذاته، وكأنه معجم محيط، على كل ثراء لغتنا وقوتها ومرونتها… إنه ظاهرة استثنائية، وقد يكون الظاهرة الوحيدة للروح الروسية: إنه إنسان روسي في ذهنيته المتطورة التي لن يظهر مثيلٌ لها خلال مائتي سنة. تتوافر في بوشكن الطبيعة الروسية، والروح الروسية، واللغة الروسية الحيّة، والشخصية الروسية التي اتقَدت بكل ألقها وجمالها الناصع، كما يتراءى المنظر الطبيعي على سطح مرآة بصرية محدّبة. مسيرة حياته نفسها هي حياة روسية حقيقية’. مهمة إيقاظ المشاعر الخيرة وتمجيد الحرية واستمد بوشكن مضامين شعره من أعماق حياة الأمة وشرايينها، وجسَّدها في صور حية زاخرة بالصدق وعامرة بالأماني القومية، وذات جذور تاريخية واجتماعية، حيث تلوح الصور النموذجية لأبطاله بمجمل صفاتها وسحنها القومية، مثل: أنيغن في رائعة بوشكن المسماة باسم بطلها، وغيرمان البطل البرجوازي في ‘البنت البستوني’، وملامح الإنسان الروسي ومناقبه كما تجلت في ‘تاتيانا لارينا’ و’بوغاتشوف’ وغيرهما. كما جنح بوشكن إلى خطاب الشعب وروح الشعب ولغته، ودشن مصنفات خالدة في مجالات الحياة المختلفة، لعبت دوراً مهماً في قضية تنوير الشعب بحاله وبمصائره، لم يقتصر أثرها على الجانب الجمالي، وإنما كانت تتغيّا التربية الروحية عامة، وغدت بفضل هذا التوجه آثاراً فنية واجتماعية لصيقة بالشعب، يتلقاها الجمهور ويستوعب مقاصدها وأغراضها، وتحولت مع مرور الزمن إلى ما يسمى بِـ(شعر الواقع) الذي يقرأه سائر شرائح المجتمع في كل الأوقات وفي شتى الظروف. هذا الضرب من الإبداع حقق لبوشكن منزلة رفيعة في وطنه أهلته ليكون رائداً من أوائل رواد الواقعية في الأدب الروسي، التي أضفى عليها من فرادته الفنية وروحه الثائرة المتوثبة ما أتاح لها أن تتزيا بخصوصية فريدة، وتوسمُ باسمه – واقعية بوشكن، التي جعلت منه شاعر روسيا القومي الكبير، الذي أنشأ من الأدب منارة للقضية القومية ووجه اهتمام الجمهور إلى المواضيع التي ينبغي أن ينشغل بها.. أي إلى الحياة الفعلية وإشكالاتها المتشعبة. كان بوشكن يؤكد على أن الفنان الحقيقي قرين الأنبياء، ينبغي عليه أن يشعل الأفئدة ويكون سباقاً إلى النفاذ إلى طوايا الروح الإنسانية، لأن مهمته إيقاظ المشاعر الخيرة وتمجيد الحرية: ‘سأبقى مؤنساً دوماً لهذا الشعب المعطاء وأشعل فيه بقيثارتي بريق المشاعر الطيبة وأمجد في عصري الرهيب هذا نسائم الحرية وأدعو بالرحمة لكل مَنْ سقط من الشهداء’. ويشير جمعة إلى أن بوشكن كان ‘أعظم دعاة تحرير الإنسان الروسي وانعتاقه من قيوده الثقيلة وأعباء الحكم المستبد، وقد أولى أهمية كبرى للمسألة الفلاحية، وطالب برفع الحيف عن الفلاح الروسي المستضعف في مبدعاته كلها، من قصيدته ‘القرية’ إلى ‘بنت القبطان’، وأمطر الأدب الروسي بوابل من لفتات الجرأة الإبداعية، ومجد الحرية وتغنى بإشراقاتها، كما ابتعد عن التحيزات الأدبية الضيقة، والأشكال الأدبية والأجناسية المتحجرة، وتخلى عن التجاوزات البلاغية العابرة، وناظر ضد الجمال الخارجي والتلبيسات الشكلية الخاوية، والعبث الأسلوبي الزائل، وكان ديدنه وضوح اللغة ودقتها، وانتظام المعمار الشعري وانسجامه مع طبيعة المادة، وعدم التكلف والبساطة الفنية العالية، والحفاظ على موسيقى الشعر ورنينه، كما كان أول من حرر الفكر الفني الروسي من التجريد الذهني، والوصف الباهت والتخطيطات العقلية المسبقة، وأرسى إنجازات جمالية فعلية تامة… هذه المهارات الفنية تجسدت أبدع ما يكون في كل ما كتب بوشكن؛ مما أفضى إلى رفع مستوى الإبداع، وسما بالأدب الروسي عالياً؛ وخلق منه أدباً قومياً للشعب الروسي، ومنافساً للآداب العالمية الأخرى، وفتح الطريق أمام أجيال الأدباء الروس الكبار، ليصبحوا من عظماء أدباء العالم، أمثال: غوغول وتولستوي ودوستوييفسكي وتورغينف وتشيخوف وغيرهم، ممن كان أثرهم جلياً في مسارات الأدب العالمي، والفكر العالمي، بعد أن عمل بدأب على اختصار المسافة ما بين الأدب الروسي والآداب العالمية الأخرى، مع أنه جاهد ضد التكييف القسري لما هو روسي مع الأوروبي، وضد استتباع الأدب الروسي للآداب الأوروبية’. لا لأدب الصالونات الأرستقراطي… وهب بوشكن منذ صغره هبات روحه العطرة لشعبه؛ فتفانى في خدمة قضيته على كل المستويات الإبداعية والحياتية، وبشّر بمثل الحرية ونادى بضرورة الكمال الإنساني وانسجامه، وكان مشحوناً بالتفاؤل والأمل والسعادة في الحياة، والإيمان بالعقل وحب الناس واحترامهم، وكان يحتقر الشاعر الذي لا هدف له ولا نوازع تدغدغه، ويدعو الأدباء والعلماء ليكونوا في طليعة السباقين إلى التنوير، وإلى الحض على بلوغ مدارج العلم وحقائقه، وتيسير المعارف للجميع. ومن هذه المنطلقات التنويرية دافع عن الأصالة القومية، ودعا إلى شعبية الأدب، وكان يعني بشعبية الأدب انعكاس السمات المخصوصة للشعب في مرآة الشاعر، وجلاء صور أفكاره وأحاسيسه، وإبراز ظلام التقاليد البالية، والاعتقادات والعادات الباهتة التي لا تساير العصر، ونادى بديمقراطية الأدب وتوسيع ثيماته لتجسد الحياة الفعلية للمجتمع، وحث على درس الشعر الشعبي وامتلاك ناصية لغة الشعب البسيطة والمبسطة، وعدم التوجه إلى أدب الصالونات الأرستقراطي البعيد عن روح الشعب وهمومه؛ وجاهر بمعارضته لفلسفة الشك والخلو من العاطفة في الشعر، ورأى غاية الأدب في التعبير عن الفكر الروسي كحقيقة تطور روحي للأمة وتنويرها. القسوس: بوشكن الإنسان العبقريويعترف د.
سلطان قسوس في ورقته ‘بوشكن الإنسان’، أنه ليس من السهل الكتابة عن عبقري كالشاعر ألكساندر سيرغييفيتش بوشكن بدون تحيز وبكل بساطة. مبدع في سنواته السبع والثلاثين أبقى للإنسانية مؤلفات شعرية ونثرية ودراسات تاريخية تشكل بحد ذاتها مكتبة متكاملة. مختتما ورقته بالقول: ‘لقد مر على وفاة بوشكن أكثر من 180 عاماً، والناس لا تذكره، فحسب، بل تحفظ أشعاره ـ عن ظهر قلب ـ ويلحن الموسيقيون قصائده، وتقدم المسرحيات والأوبرات بملحماته الشعرية’. ويلفت القسوس إلى صعوبة تلخيص أعمال بوشكن بمحاضرة واحدة أو مقالة، ففي سياق كهذا يمكن فقط القيام بجولة ‘سياحية’ في مجمل أعماله، مشيرا إلى وجود آلاف الأطروحات الأكاديمية والدراسات الأدبية والتاريخية والندوات المكرسة لهذا الأديب الخالد، وأشير إلى وجود معاهد متخصصة ببوشكن فقط. بل إن هناك أدباء تخصصوا في جانب واحد من بوشكن، وقفوا حياتهم على دراسته، لافتا الى أنه – في هذه العجالة- سيتطرق إلى بعض الجوانب العامة من حياة بوشكن.
جد بوشكن ليس عربيا ولا مسلماويدحض القسوس ‘أسطورة لا تزال تجد لها صدى في بعض الدراسات العربية أو المحاضرات واللقاءات، التي يصر فيها الباحثون على تأكيد الأصول ‘الإسلامية العربية’ عن طريق جده لأمه! ‘ مبينا أن أخطاء الترجمة هي السبب، ساردا الحقيقة التي مفادها انه ‘في الواقع جد والدة بوشكن هو ابراهيم هانيبال وهو ليس عربيا ولا مسلما. إنه أمير إثيوبي مسيحي اختطفه تجار يونان في طفولته وأهدوه في قفص لبطرس الأكبر حين كان وليا للعهد. لمح بطرس في الطفل الأسود ذكاء متميزا فتبناه ورباه وعلمه وأصبح اسمه إبراهيم بيتروفيتش. وقد ترعرع هذا الطفل إلى جانب القيصر وسافر معه إلى هولندا لمدة ثلاث سنوات تعلما خلالها صناعة السفن، وأصبح هانيبال قائدا للأسطول الروسي في عهد بطرس الأكبر، وزوجه القيصر بإحدى الأميرات الروسيات وذلك ليوفر له الحماية عن طريق المصاهرة. أما لماذا هو من أصول عربية؛ فهذه قصة مضحكة تدل على تخلي بعض المترجمين عن ضميرهم. في اللغة الروسية كلمة عبد أسود هي ‘Arap’ ولأن الكثيرين لا يميزون بين P وB فإن بعض المترجمين تهيأ لهم حين كان بوشكن أو بعض أخواله يشير إلى لون جلده الأسود مازحا ويقول أنا Arap ، كما أن هناك رواية لبوشكن حول جده هانيبال وعلاقته بالقيصر عنوانها ‘The Arap of Peter the great ‘ ؛ و لأن الترجمة إلى فترة قريبة بل ولا تزال لا تحظى بالدقة و الاهتمام اللازمين فقد اعتبر بعض المترجمين أن المقصود هو الأصول العربية، تماما مثل ترجمات المنفلوطي السماعية التي كانت تحول hello إلى ‘السلام عليكم ورحمة الله و بركاته’. ‘شرف أن نشنق في سبيل الوطن مرتين’وأستعرض سيرة الشاعر الذي ولد وترعرع في طفولته وصباه في فترة العواصف الهائجة التي اجتاحت أوروبا. لقد جاء إلى الحياة في 6 حزيران 1799 بعد أن تلاشت آخر شرارات الثورة الفرنسية وقام نابليون بابتلاعها ومحاولة ابتلاع أوروبا، بل و المشرق العربي. وترعرع خلال الحرب الوطنية العظمى التي شنها نابليون على روسيا وأدت إلى تحطيم إمبراطوريته وسيطرة القوات الروسية على باريس. لذا لا يمكن دراسة أدب بوشكن دون ربطه بإرهاصات ذلك الزمن الذي وسم كل أحداث القرن التاسع عشر. لقد تألب الشعب الروسي بكامله من نبلاء وفلاحين وأقنان الأرض لقتال نابليون، وشاهد النبلاء كيف يضحي الفلاحون وأقنان الأرض بأرواحهم في سبيل الوطن مع أنهم لا يملكون في هذا الوطن شيئا. كما شاهدوا عند عبورهم أوروبا كيف تعيش تلك الشعوب وأحس غالبية النبلاء بالعار لوجود قوانين دولتهم الإقطاعية المتخلفة والظالمة. لذا بعد انتهاء الحرب وهزيمة نابليون قام عدد من هؤلاء النبلاء بتشكيل جمعيات سرية، هدفها العمل على التغيير الديموقراطي ووضع دستور يحد من سلطات القيصر وإعطاء الحرية لأقنان الأرض. كان كثير من هؤلاء النبلاء أصدقاء لبوشكن وكان هو عضوا في جمعياتهم مما عرضه للملاحقة والنفي، إلى شهر ديسمبر من عام 1825 وعند تولي القيصر نيكولاي الأول مقاليد الحكم خرج هؤلاء الضباط النبلاء مع جنودهم إلى الميدان الرئيس في بطرسبيرغ معلنين التمرد و قد أصبح اسمهم التاريخي فيما بعد ‘الديسمبريين’. قمعت هذه الحركة الثورية بوحشية، و تم نفي العشرات من النبلاء إلى سيبيريا وتجريدهم من ألقابهم وأملاكهم، كما حكم على خمسة منهم بالإعدام شنقا وعلى رأسهم الشاعر ‘بيستيل’. حين علق الخمسة على المشنقة سقطت العارضة الخشبية التي تحملهم – إما مصادفة أو لتعاطف الجلادين معهم وحسب تقاليد ذلك الزمان كان الحكم يعتبر نافذا ولا تعاد عملية الشنق، لكن القيصر كان مصرا على تنفيذ الحكم حتى الموت.
، عندها صرخ بيستيل جملته الشهيرة التي بقيت ترن في أسماع القيصر حتى وفاته ووصلت إلى سمع كل أفراد الشعب الروسي ‘إنه لشرف عظيم لنا أن نشنق في سبيل الوطن مرتين’. بعد عدة سنوات عند عودة بوشكن من المنفى سأله نيكولاي الأول ‘لو كنت موجودا عند ذلك التمرد أين يكون موقعك؟ ‘فقال بوشكن بلا تردد ‘في الميدان’ وكان هذا الجواب مفتاح تراجيديا بوشكن. فجر اللغة الروسية من أعماقهاونوه القسوس: إسم بوشكن فعلا على كل لسان في روسيا. كيف لا وهو الذي فجر اللغة الروسية من أعماقها وجعل لغة الشعب اليومية لغة لشعره الجزل والرقيق واضعا اللغة الأرستقراطية المتعالية والمقعرة خلف ظهره. لقد كان قبل بوشكن أدباء وشعراء ولكن تاريخ الأدب الروسي يضع حدا فاصلا بين النهضة الأدبية لروسيا وما سبقها ببوشكن، حيث يعتبر أدب بوشكن ثورة في الأدب الروسي. هذه كانت على مستوى اللغة والأسلوب وكذلك على مستوى المواضيع والأبطال. لم تعد مواضيع القياصرة (باستثناء بطرس الأكبر) والنبلاء والأثرياء هي الأساسية، بل أصبح أبطاله صغار الضباط، صغار الموظفين، أقنان الأرض. وأصبح هاجسه الحديث عن الحرية والتغني بها. كذلك أدخل بوشكن إلى الشعر القصة والمسرحية، وحول القصائد إلى مادة غنائية، غلى نص يفهمه أي قارىء عادي. لقد جعل الشعر للشعب، لكنه لم يحط من قدر اللغة ولم يسفها، فقد بقيت لغته شاعرية رشيقة وانسيابية موسيقية. كتب بوشكن في معظم المواضيع الرومانسية و التاريخية والاجتماعية والسياسية شعرا ونثرا و كان ينبع دائما من ذاته ومما تمليه عليه متطلبات شعبه كما يفهمها. غوغول: لقد مات معلمي… كان بوشكن غزير الإنتاج، متعدد المواهب؛ وكان في الفترة الواحدة يعمل في كتابة ملحمة شعرية ورواية وقصص قصيرة وإعداد مجلته الشهيرة ‘المعاصر’، والأهم من ذلك فإنه كان دائم البحث عن المبدعين الناشئين للأخذ بيدهم ودعمهم ووضعهم في درب النشر والشهرة. لقد كان يدرك أن العمل الأدبي هو واجب تجاه الوطن والشعب وأن على الأدباء أن يأخذوا بأيدي بعضهم البعض. أحد أهم الأدباء الذين وضعهم بوشكن على طريق الشهرة الأديب غوغول. لقد أمن له العمل وفتح له مجال النشر في مجلة ‘المعاصر’. بل لقد ‘أهداه’ فكرة أهم عملين عرف بهما غوغول وهما ‘الأرواح الميتة’ و’المفتش العام’، وهذه مسألة ليست من باب الطعن بغوغول فهو نفسه كان يعتز بأن هذين العملين من بنات أفكار بوشكن و أنه ارتأى أن أحسن من يمكنه صياغتهما فنيا هو غوغول. لذا بعد مقتل بوشكن دخل غوغول في مرحلة كآبة وسوداوية استمرت سنوات حتى وفاته المأساوية. لقد كتب غوغول لشقيقتيه بعد مقتل بوشكن (لقد انتهى عالمي أصبحت يتيما. لمن سأقرأ فصول ‘الأرواح الميتة ‘ الآن؟ إن كل كلمة كتبتها حتى اليوم كنت أقرأها لبوشكن وأستمع لرأيه. لقد مات معلمي). إن بوشكن لم يكن يشعر بالحسد عند اكتشاف عبقرية جديدة، بل كان يشعر بالسعادة إذ يرى أن الزملاء قد ازدادوا و بالتالي ازدادت قوة الكلمة. القيصر مراقبا للمطبوعات لأعمال بوشكنلا شك أن حياة بوشكن كانت مأساوية. ولكن فيم تكمن مأساته؟ أين العنصر الأساسي الذي جعل بعض قوى المجتمع الرجعي الروسي تتألب عليه إلى حد قتله؟ هناك مئات الإجابات والأطروحات ولكن أعتقد أنها كلها فرعية. السبب الرئيسي لمأساة بوشكن هي كلمة جميلة وبسيطة الحرية. بوشكن كغيره من أبناء النبلاء درس في المدرسة الإمبراطورية في ‘تسارسكويه سيلوه’ عادة من خريجي هذه المدرسة كان يتكون البلاط القيصري والحرس القيصري وسواهم. وقد لاحظ القيصر نيكولاي الأول أن هذا الشاعر ذا التقاطيع الإفريقية نابغة لذا أراد أن يجعله شاعر البلاط وهذا ما رفضه بوشكن الذي لم ينس أن هذا القيصر هو الجلاد الذي أعدم زملاءه الديسمبريين. بوشكن منذ أن أنهى دراسته وهو محكوم بالنفي أو الإقامة الجبرية بسبب ما كانت السلطات تجد في كتاباته من عداء. لم يغادر روسيا إطلاقا مع أنه كان يتقن عدة لغات (الفرنسية، الإغريقية، اللاتينية، الألمانية والإنكليزية ) بل إن بعض المناطق في روسيا كانت محرمة عليه. ما أزعج القيصر أيضا أن بوشكن كان يرفض القرب منه وفي الوقت ذاته يتغنى بأمجاد جده العظيم بطرس الأكبر، الذي كرس له الملاحم الشعرية والروايات والدراسات التاريخية، وكأن بوشكن بهذا يبين للأحفاد مدى ضآلتهم مقارنة مع جدهم. رغما عن أن بوشكن تم تعيينه موظفا في البلاط القيصري، ولهؤلاء الموظفين كان لباس خاص، تعمد بوشكن ألا يرتديه إذ كان يرى نفسه فيه أسيرا وجزءا من القطيع وهذا أغضب القيصر. لقد جعل القيصر من نفسه مراقبا للمطبوعات لأعمال بوشكن، وهذا لم يحصل لأي أديب آخر. كان بوشكن يكتب عن الحرية، عن الشعب الذي آمن به بطرس الأكبر ومعه انتصر على الصليبيين بقيادة ملك السويد كارل الثاني عشر، ومع هذا الشعب بنى المدينة الأعجوبة بطرسبيرغ في مكان لم يتوقع أحد استغلاله في المستنقعات المحيطة بنهر النيفا.