قد لا يصدق الناس ما يسمعونه ويشاهدونه على شاشات التلفزة أو الانترنت ولا الموبايل الذي ينقل أحداث الثورات العربية المعاصرة في حينها إلى أصقاع الدنيا وملاحقتها من طرف ساساتها وحراسها وغير ذلك… فالثورة هي ذاك الإحساس العارم وتلك العزيمة الجازمة على إسقاط النظام الظالم مهما طال به نضاله الآثم.
وإذا اعتبرنا أن الثورة كيان يمكن تشخيصه في صورة الجسد الذي له روح وعقل ومركزه القلب، فإن الجسد يتمثل بجغرافية المكان وديمغرافية الأبدان، وأما الروح فتتمثل بالإيمان العميق بالتغير إلى الأحسن، والعقل يتمثل بالتفكير الدقيق في جلب أكبر منافع بأقل التكاليف في أقرب وقت ممكن ومن أيسر الطرق وبأشرف الوسائل، وأما قلبها فينبض بعدد الشهداء الذين يغذون شرايين هذا الأخير بحرارة الدماء الزكية، وإخلاص النبلاء، وسخاء الكرماء ومساندة الأصدقاء، لتسري فيه حرارة البركان الغاضب في سلوك صائب يغير مجرى التاريخ الراكد ويمحو النظام البائد.. تلكم هي جزء من ملامح الثورة في الواقع الميداني.
فليست الثورة شعارات تكتب على اللافتات والجدران والأبدان وإن كانت الصورة تبين هذا المشهد، ولا صراخا وعويلا وصخبا وضوضاء لفظية تهتف مجتمعة من دون هدف واضح وإن كانت مظهرا خارجيا لها، ولا تنابزا بالألقاب وتنافرا وتطاحنا وإن كانت ميزة الاختلاف من طبيعتها تثبت ذلك.. وليست هدم ما بني وإعادة بنائه وحرق ما زرع وإعادة غرسه، وطمس ما ظهر وإعادة إخفائه وإن كان العبث جزءا من ثورانها ودخان رماده.
وأعتبرني مستهترا بشدة بهذا التململ الحاصل في ثورتي ليبيا واليمن وعباب الغبار المخيم على سورية، لأنني أرى فيه انحرافا بقسوة عن الهدف المرجو تحقيقه بشتى الوسائل، فثورتا تونس ومصر لا تزالان لم تحفرا في النفوس آثار خطواتهما الأولى المتمثلة في نزع قبعة الرأس للنظام الجاثم والمتحامل على الشباب الثائر من شدة العاصفة التي أزاحت هذه القلنسوة الحديدية الصدئة لثقل وزنها الزمني الذي ارتفع إلى أكثر من ثلاثة عقود.
لأن هذه المظاهرات بباسطة أصبحت نوعا من الفلكلور أو المهرجانات التي تقام في كرنفال العدو الريفي في أمريكا، أو احتفالات السامبا في البرازيل، أو الطقوس الهندوسية في نهر الهند، وغيرها من الدول التي تسعى لإشهار أنواع الثقافات المنقرضة لعلها تجلب أكبر عدد من السياح لرفع مستوى عائداتها الاقتصادية. فيا ترى من هم أعضاء الثورة؟ هل هم ذلك الوجه الخلفي للنظام؟ أم الصورة العاكسة له في المرآة؟ أم الصورة المضطربة له في الماء؟ فقد تمثل له الصورة النموذجية ما نشاهده على الفضائيات كالثرثرة على الهواء والهراء في الفضاء أو العواء تحت الماء.
ألا يكفي ما تناقلته الأحداث من صور بسخاء وصرخات الجموع لإخراج سجناء الرأي والحرية، والمطالبة برفع الغبن عن البؤساء، والمناصرين لهذه الثورة ممن وصفوا بالغوغاء والدهماء، أم أن مفهوم القلب قد تغير من مكان وسط الجسد إلى قدميه، وقلب الثورة من الأعلى إلى الأسفل هو الواقع الميداني، ذلك ما لم نفهمه بعد.
فأين الخبراء والعلماء والقادة والشعراء والفنانون والحرفيون وغيرهم من مكونات المجتمع.. أين الاستشرافيون والاستراتيجيون والاستشراقيون لفك رموز الثورات العربية في مهدها وحلحلة طرائقها للقيام بتوجيهها لتأخذ مسارها الصحيح وحل ألغازها ورسم معالمها.. لمعرفة رأسها من قدميها وحسناتها من سيئاتها وأصدقائها من أعدائها وإلا فسوف يلحقها الغبن ويصيبها في مقتلها.
فلتسرع الثورة في ملء فراغها المثقوب وفتح أخاديدها المتصلبة، فقد تنزف دماء شهدائها وترفع مطالبها بلا حدود وتضيع صيحاتها بلا ردود وتتحول معاني القلوب فتسقط الثورة على الورود.
باهي لخضر التبسي – الجزائر