الاغنية الشعبية الفلسطينية: ضريبة الانقسامات

حجم الخط
0

فراس حمدانارتبطت الكلمة في الأغنية الشعبية الفلسطينية بالكفاح المسلح منذ الإحتلال الصهيوني لفلسطين عام 48، فحملت معاني ومضامين الرصاصة ودورها في التحرير، كما خلدت في الذاكرة اسماء الشهداء. فأي فلسطيني لا ينسى شهداء ثورة البراق بعد أغنية الشاعر نوح ابراهيم ‘من سجن عكا طلعت جنازة’ والتي تتحدث عن إعدام كل من فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير في (17 حزيران عام 1930)، وهم من الأبطال الذين قاوموا الاستعمار البريطاني آنذاك، ورسخت الأعنية الشعبية أيضأ اسماء مدن وقرى هُجر أهلها وبعضها دمر وسوي بالأرض (وين على رام الله)، (من الناطورة لجنين ومن النقب لبلعين)، (أم فحم فيها أسود والبيرة عطر وعطار)، فكان لها دور هام في التعبئة والتثقيف والتحريض وخاصة مع انطلاقة الثورة المعاصرة عام 1965 حيث بدأت الأغنية تأخذ منحى آخر، للتنقل من الشجن والحنين للعودة والرومانسية المتعلقة بالأرض إلى المفردات الصاخبة التحريضية التي تحض على المقاومة والاستشهاد، فأغاني ‘جفرا’ مثلأ التي تغنى بها كثير من الشعراء الفلسطينيين اختزلت كثير من معاني الوطن وأصبحت رمزأ بعد أن تحولت من أغاني الدبكات إلى أغاني تمجد الثورة والفدائيين.

كما حافظت الأغنية الوطنية الملتزمة على اللهجة الفلسطينية فكان لها بالغ الأثر في الحفاظ على هذا الجانب الهام من التراث الشفوي لستة ملايين لاجئ مبعثريين على جهات العالم الأربع، ورصدت الأغنية الفلسطينية المراحل النضالية والأحداث التاريخية التي واجهت الشعب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة وخارجها فكانت بمثابة توثيق لتلك الأحداث فأغلب الفلسطينين لم يسمعوا بقلعة شقيف التي استعصت على الجيش الإسرائيلي وسجلت صفحات نضالية خالدة في الصمود إبان حصار ييروت عام 1982 إلا من أغنية فرقة العاشقين: ‘اشهد يا عالم علينا وع بيروت’.. لتقول الأغنية: قلعة الشقيف اللي بتشهد يا بيروت…….. عاللي داسوا راس الحية هذا فضلأ عن أن الأغنية الفلسطينية حملت آلام الشعب الفلسطيني، وآماله، وأحلامه و طموحاته وكانت الاغنية الشعبية الفلسطينية ولا زالت دليلا قويا على شموخ التراث الفلسطيني وانه عصي على الانقراض مهما سعى المحتل لذلك، فالاغاني متنفس للحلق مع الكلمة واللحن والحلم نحو ارض الوطن بروحٍ انهكتها زنزانة الغربة القصرية، ولكن هل ما زالت الأغنية الشعبية قادرة على أداء دورها بفعالية كرديف للبندقية في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها القضية الفلسطينية….. في تسعينات القرن المنصرم واجهت الأغنية الشعبية تحدياً جمأ مع تعالي نبرة المفاوضين واعتبار البعض أن دعوات الثورة والتحرير عف عليها الزمن كما أنها لا تناسب المرحلة الزمنية التي تمر بها القضية الفلسطينية، كما أنها اي الأغنية تفتقر للواقعية السياسية فللشعب الفلسطيني ‘وبحسب قولهم’ قضايا انية ويومية واجب التعاطي معها ومع ذلك استطاعت الأغنية الحفاظ على مضمونها الثوري. لكن في الأعوام الأخيرة خرجت الأغنية الشعبية عن الهم الفلسطيني العام لتدفع ضريبة خلافات فصائلية وحزبية ضيقة، فلكل فصيل أو تيار سياسي فرقته ‘من باب استكمال الصورة’ التي تمجد شهداء هذا الفصيل وتتغنى بقادته وقد تتعرض لقضايا جامعة ولكن على سبيل الديكور ليس إلا، كما أنه لا يتم دعوة فرقة لمناسبة ما الا إذا كانت منتميةً لهذا الفصيل أو ذاك بعد ما كانت الأغاني تلعب دورأ موحدأ لمختلف القوى بل الشعب الفلسطيني بأكمله كونها حملت همه المشترك من ألم اللجوء إلى حنين العودة، إذأ عاصرت الأغنية حالات الانقسام فصرنا نسمع العديد من الاغنيات التي تمجد انجازات الطرف الذي يهمها، ما أثر على تلاحم صفوف الشعب الفلسطيني، ربما هذا العامل الأهم الذي أفرغ الأغنية الفلسطينية من مضمونها، كما أنه لا بد للإشارة أنه ومع سطوع نجم قوى الممانعة وللأسف كانت الأطراف النقيضة لتلك القوى أكثر دراية بقيمة الثقافة والفن وأكثر تقديراً لدورها في غالب الأحيان، ولا أبالغ إذ نقول أن القوى المناهضة للثورة هي أكثر تقديراً لدور الثقافة وأكثر تحسساً لذلك الدور، هذا بدوره انعكس على كتاب الأغاني ليضيف الى عاتقهم تحديات منها ما هو شخصي تتعلق بلقمة عيشهم ومنها ما يتعلق بإعادت التجاوب والقبول للأغنية فقلما ما نجد اليوم من يردد الميجانا والدلعونة وظريف الطول، ويبقى لوسائل الإعلام دور هام في إعادت الأغنية لقيمتها وسحرها وبريقها و إخراجها من طور الذبول بعد أن مرت بفترة خصبة إبان الانتفاضة وقبلها لأنها ما زالت سلاحأ فعال أوضرورة تقتضيها الحاجة وليست ترفا ثقافيا فالأدب الملتزم واحد سواء كان رواية أم قصة أم مسرحية أم أغنية شعبية فضلأ عن كون الأغنية مستهدفة على اعتبارها جزء من التراث الشعبي الفلسطينة الذي يحاول الاحتلال السطو عليه من كوفيته وزيه إلى أطعمته وألحانه بإعتباره دليل على ملكية الأرض و الحلقة المفقودة في وهم دولته المصطنعة.

صحافي فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية