على هامش لقاء معه في نيويوركعلاء الأعرجيذكـّرني الأخ الأديب فرانسوا باسيلي، مشكورا قبل أيام، بعيد ميلاد صديقنا الأديب المعروف جمال الغيطانيّ، بإرساله مقالة عامرة نشرها في السنة الماضية، بمناسبة بلوغ الغيطانيّ الخامسة والستين. فهاتفته مهنئاً بعيد ميلاده وبسلامته بعد شفائه من ذلك المرض والجراحة القلبية الخطرة، التي أقلقتنا كثيراً وأقلقت جميع المحبين والقراء الذين يعرفون أعمال الغيطانيّ، ولاسيما ‘الزيني بركات’، ومتمنياً له الصحة والعافية. وسألته عن خبر انتمائه إلى حزب ‘المصريين الأحرار’ فكذّبَ الخبر، وقال إنه لم ينتمِ لأي حزب ولا ينوي الانتماء إلى أي منها في الوقت الحاضر. وفي اجتماعنا الطويل والثرّ، الذي تجاوز أربع ساعات، في اليوم التالي في مكتبة ‘ستراند’ الكبرى في وسط نيويورك، ثم في أحد المطاعم الهادئة في شارع برودوي الصاخب، حيث تركز الحديث طبعاً على الثورات العربية المشتعلة، ولاسيما الثورة المصرية، والأخطار المحدقة بها وتعمقنا في موضوعات الساعة الساخنة؛ عدنا إلى الأخبار التي انتشرت حول انتمائه إلى حزب ‘المصريين الأحرار’ برئاسة نجيب ساويرس، فأكد عدم صحتها، وإنه انتسب في شبابه لفترة قصيرة فقط إلى تنظيم حزبي، وهو يشعر بأن الانتماء الحزبي يقيد حرية فكره وقلمه وحركته. وذكرني عيد ميلاد الغيطاني بعادة الاحتفال بمناسبة أيام الميلاد الوافدة، إلينا مع العولمة التي يعتبرها بعض الإسلاميين بدعة. فأشير إلى أنه باستثناء مولد الرسول(ص)، لم أكن أعرف، في طفولتي وصباي في منتصف القرن الماضي، َمنْ احـتـُفِـلَ بعيد ميلاده، في العراق، سوى ميلاد الملك غازي ثم ميلاد الملك الطفل فيصل الثاني. فصرت أعتقد أن الأنبياء والملوك هم وحدهم الذين يحق لهم الاحتفال بهذه المناسبة. وعندما كنت أدرس في باريس سألتني زميلتي عن يوم ميلادي، فشعرت بإحراج شديد لأنني لم اكن أعرف اليوم بالذات، فاستغربت. وقد لاحظتُ أن الجميع كانوا يحتفلون بأعياد ميلادهم هناك، فيقيمون ولائم كبرى أحياناً، لذلك اخترعتُ يوماً من السنة التي ولدت فيها (1928)، باعتباره عيد ميلادي. وعند عودتي إلى بلدي لاحظت آثار العولمة السريعة من خلال ظهور هذه العادة لدى الميسورين أو ‘المتمدينين’، ثم صار الاحتفال بأعياد الميلاد عادة منتشرة لدى الطبقات الوسطى والمثقفة في معظم البلدان العربية تقريبا. ولـِمَ لا؟ فإنَّ ذلك جزء من تكريم الإنسان للإنسان، بعد أن كرّمه الله تعالى:’ولقد كرّمنا بني آدم’. وفي هذه المناسبة (اليوم او الأسبوع أو الشهر)، يمكن أن يحاسب الإنسان نفسه، فيقوّم ما قدم لها، وللآخرين: ‘خير الناس أنفعهم للناس’ و’أحب العباد إلى الله تعالى أنفعهم لعياله’، كما ينسب إلى الرسول (ص). ويقول الشاعر: ‘إذا مرَّ بي يوم ولم استفد علماً ولم أصطنع يداً، فما ذاك من عمري’ كذلك تتيح هذه المناسبة للآخرين التعبير عن تقديرهم للمحتفى به، لاسيما إذا كان شخصية فكريـّة او علميّة أو سياسيّة أو أدبيّة بارزة لها حضور ودور واضح في المجتمع. إذاً، ألا يجدر بنا أن نقـوِّم، بهذه المناسبة، شخصية أدبية متميزة، كان لها أثر كبير في الادب العربي وفي الفكر العربي، لاسيما انها أضافت 46 عملاً أبداعياً رصيناً إلى المكتبة العربية، وحازت ثماني جوائز عالمية تقديراً لأعمالها؟ تقويم بعض أعمال الغيطانيّ1 ـ في دراسة ٍ مسهبة ٍبالإسبانية بعنوان ‘الأصالة ُ والمعاصرة ُ في أعمال جمال الغيطانيّ’ يقول الباحث ُ الإسبانيُّ خوان جو يتسيلو:’ قليلون وقليلون جدا الكـُتـّاب الذين يحافظون على الصبرِ المطلوبِ للعمل الأدبيّ المتميز’ ويـُضيف الناقد ُ’ إن أعمالَ جمال الغيطانيّ الكبيرة َ تشكلُ عَمارة ً جميلة ً، مِعمارُها وشكلـُها يمكن الإحساسُ بهما عَبر مسافة ٍ طويلةٍ، حانية ٍ على التجرِبةِ الشخصيةِ التي يبدو فيها الظاهرُ غلافا وكاشفا للباطن’. 2 ـ وتعليقاً على كتابِ ‘رسالةِ البصائر ِ في المصائر’، يقول المفكر المصري البارز السيد ياسين: تـُمثلُ المغامرة ُ الإبداعية ُ لجمال الغيطانيّ واحدة ً من أخصبِ المحاولات الأدبية ِ التى قام بها عضوٌ بارزٌ من جيل ِ الستينياتِ، وقد قام بها أديبٌ جسورٌ، لم يقنع بتبني الأشكال ِ الأدبيـّة التي ورِثها عن أسلافه. ولكنه بعد بداية ٍ لفتت الأنظارَ منذ وقت ٍ مبكر ٍ إلى موهِـبتـِه، ونعني بها مجموعتـَه القـَصصيّـَة َ، ‘أوراقُ شاب عاش منذ ألف عام’، ألقى بنفسه ِ في محيط ِ التجريبِ، الزاخر بالأخطار ِ والتياراتِ العاصفة. 3ـ أعلن راشد العريمي، الأمين العام لجائزة الشيخ زايد للكتاب، عن فوز الروائي الأديب جمال أحمد الغيطانيّ، من مصر، في فرع الآداب للدورة الثالثة 2009 عن رواية ‘رِن’ وهو الدفتر السادس من دفاتر التدوين، كما وأعلن عن حجب الجائزة في فرع أدب الطفل.
وعن حيثيات فوز رواية ‘رِن’ علّق العريمي قائلا ‘ تـَوَفــَرَ النص على كفاءة سردية متميزة، فالصياغة في دفتر ‘رِن’ متدفقة متوخية الدقة مستعملة تركيبات تلائم الابعاد الروحية المهيمنة على النص وتحاول الارتقاء بالمحسوس والمعيشي الى صعيد روحي يتخلص من الظرفي والعابر ليقبض على ما هو متخط للزمني والتاريخي.’ويذكر ان كتاب ‘رِن’ يروي رحلة الكاتب عبر الذاكرة إلى مصر القديمة عبر سبره في أساطيرها وتراثها المنسي، والرحلة الروحية تتوازى مع رحلة واقعيّة يقوم بها الكاتب منطلقاً من هضبة الهرم باتجاه جنوب مصر، لا يحمل معه إلا تهويماته التي يحملها عن أماكن بعينها لم يزرها وأشخاص لم يلتق بهم، لكنه يحاول تخليقهم من خلال الاسم، ومن هنا جاء العنوان ‘الرِن’ من الكلمة الشعبية ‘شنة ورنة’، حيث الشنة هي الاسم والرنة ماهيته أو كينونته.
تقويمي لقلم الغيطانيّعندما أقرأ ‘رسالة البصائر في المصائر’، ولاسيما المقدمة أشعر بأنني أمام فيلسوف عميق، ذي أسلوب أدبي دقيق ورقيق، وَصَفَهُ السيد ياسين بحقّ: ‘مغامرة ُ إبداعية ُ تمثل واحدة من أخصبِ المحاولات ِ الأدبية’. أما في ‘شطح المدينة’ فقد علـقتُ على صفحته الفارغة الأولى، وبعد عبارة الإهداء اللطيف من المؤلف إلى كاتب هذه السطور: ‘مهارة عجيبة في ربط الأشخاص بالأحداث مع تلاحم مثير مع المكان التراثي او الأثري والزمن التاريخي’. كما أشعر وأنا أقرأ الكثير من سطوره بانسيابية ترفعني إلى عوالم أخرى. وعقبت على بعض أعماله في مناسبات سابقة، ولاسيما بعد أن ألقى بعض المحاضرات في مقر الأمم المتحدة، في نيويورك، تلبية لدعوتنا له في إطار النادي العربي في المنظمة الدولية: لم أعد أهتم بأدب الرواية، الذي قرأت أن الغيطانيّ يمارسه بكفاءة عالية، إذ فارقني أدبها منذ زمن بعيد. صحيح أن وراء بعض الأعمال الروائية المهمة فكرة عميقة، إلا أنني أصبحت لا أصبر طويلاً على انتظار الخاطرة الذكيّة، بل صرت مستعجلا ً ومتعطِّشا لرشف الفكرة الناضجة من معينها، عارية تماما، أو مجردة من أي ‘ماكياج’ يُـجَـمِّل وجهها أو ثوب يحسِّن مظهرها.
ولكن بعد أن تعرّفت شخصيـّاً على الأديب الغيطانيّ، وفي أعقاب لقاءات ثقافية ثرَّة، تمت سواء في دارة الأخ د. نائل الشافعيّ، صاحب موسوعة المعرفة، أو في الصالون الأدبي للكاتب والشاعر فرانسوا باسيلي أو في مسكني؛ أقول بعد تلك اللقاءات التي كانت حافلة بالنقاش الجادِّ والحادِّ أحياناً، ربما شعرتُ بأن الوقت حان لإعادة النظر في بعض آرائي حول أدب الرواية، أو بالأحرى في أديب الرواية جمال الغيطاني. وهكذا حرصت على اللقاء بالغيطانيّ على انفراد، لأنني شعرت من خلال مناقشاتنا الحامية في تلك الجلسات بأن وراء هذا العملاق الأدبي الجبار، جبلاً شاهقاً من الفكر العروبيِّ المتفتح من جهة والمفعم بالكهوف العميقة، والدروب السحيقة، التي تحتاج إلى استكشاف واستقصاء، من جهة أخرى. وتذكرت قصيدة ذات معنى عميق ودقيق، لشاعر فرنسي يدعى Jules SUPERVIELLE، عنوانها ‘الأصدقاء غير المتعارفين ‘Les Amis Inconnus. فحوى بعض مقاطعها بمعناها الموسّع: إن لكل إنسان أصدقاء لا يعرفهم لأنه لم يلتق بهم أصلاً، منتشرين في مختلف أرجاء العالم. ولكن قد يحدث أن يتعرف على أحدهم صدفة، فيستغرب مدى الانسجام والتفاهم، الذي يسود بينهما بهذه السرعة. ويصبحان أصدقاء بعد ساعات او أيام قليلة، وكأنهما يعرفان بعضهما منذ عشرات السنين. هذا ما شعرت به، وأنا أتجول وأتحدث مع صديقى الغيطانيّ في متاحف ومكتبات نيويورك العامرة التي نعشقها معاً. ما يتميز به هذا الأديب، بالإضافة إلى علمه الغزير، هو سعة الأفق العقلي، والتواضع الفكري، وهو ما أبحث عنه كثيرأ، ولا أجده إلا قليلا. في لقائي الأول معه، في دارة نائل الشافعي، أهديت إليه كتابي ‘أزمة التطور الحضاريّ في الوطن العربي بين العقل الفاعل والعقل المنفعل’. انشغل به عن الآخرين، باهتمام شديد لفترة قصيرة، ثم رفع رأسه ورنا إليّ قائلا: ‘خطير! سأقرأه اليوم قبل النوم’. ابتسمت متصوراً أنه يمزح أو يجامل متلطفاً. عندما قابلته في اليوم التالي وبعده، لاحظت أنه اطـــّلع عليه فعلا، وعن كثب، بل تفهَّم أهم الأفكار الواردة فيه، حين أمطرني بأسئلة دقيقة. لهذا رجوته أن يكتب تصدير الطبعة الثالثة التي نشرت في ما بعد من دار ‘أخبار اليوم’ القاهرية. ولهذا دعاني، خلال زيارتي الأخيرة للقاهرة، لبرنامجه الحواري المتميز’علامات’ على قناة النيل الفضائية، الذي استمر ساعة كاملة.
نعود إلى أعماله المتعددة التي تجاوزت الأربعين كتابا. أهدى إليَّ عدداً منها، ولئن اعترف بقدرتي النسبيـّة على الاستيعاب مقارنة به، أجـَّلـتُ مطالعة بعضها، وقرأت البعض الآخر. تمتعت مثلا بـ’ملامح القاهرة في ألف عام’، واحتفلت بها؛ تاريخاً وتوثيقاً ووصفاً وتحليلاً، وانبهرت بـعمق بـ’الزيني بركات’، الذي ما زلت بحاجة إلى مزيد من الإنعام والتعمق فيه. أما ‘رسالة في الصبابة والوجد’، فقد سحرتني لغتها السلسة والعميقة، التي تناجي القلوب والعقول معا. وسأعالج بعض أعمال الأديب الغيطانيّ من خلال فرضيتين/نظريتين، قد تقدما للقارئ فكرة كافية عن بعض خصائص أدب الغيطانيّ:
النظرية الأولى:
الفجوة بين الفكر واللغة؛ هل ردمها الغيطانيّ؟ من خلال هذه الرسالة الأدبية البارعة وكتبه الاخرى التي تمكنت من أن اطلع عليها، قررت إعادة النظر في رأيي المتعلق بالعلاقة بين اللغة والفكر.
فأنا أتمسك، إلى حد كبير، بنظريتي الخاصة القائلة بوجود فجوة شاسعة بين الفكر واللغة. لأن اللغة هي الأداة الاجتماعيّة التي نستخدمها عادة للتعبير عن الفكر. أما الفكر فنابع من جوهر الطبيعة البشريّة العاقلة ذاتها، فهو غير محدود، على عكس محدوديـّـة اللغة، التي تمثل مصطلحات لفظية نشأت وتطورت تبعا للتطورات التي تعرض لها المجتمع، أو’الوحدة المجتمعيّة’. فاللغة مُنتج اجتماعيّ محض، مقابل الفكر كمُنتج طبيعيٍّ محض، لاسيما في أصوله وجذوره، واللغة مُنتج موضوعيٌّ، مقابل الفكر كمُنتج ذاتـيٍّ. نعم، هناك تفاعل جدلي معقد ودائم بينهما، لكنَّ هذا التفاعل المعقد بالذات يكشف عن الفجوة القائمة بين الفكر واللغة بكل جلاء. هنا أستدرك فأقول إنني أفرِّق، في هذا المقام، بين الفكر والعقل، فالعقل مُنـتـج اجتماعيّ، بينما الفكر منتج طبيعيّ ذاتـيّ. والحديث يطول حول هذا الموضوع الفلسفي العميق الذي عالجته في كتابي المذكور أعلاه. (انظر: الفصل المعنون ‘ما هو العقل؟ وما الفرق بين العقل والفكر؟’ في كتابي ‘أزمة التطور الحضاريّ في الوطن العربيِّ. . .’، ص 70، ط3) نعم، أرى وجود فجوة كبيرة بين اللغة والفكر بوجه عام، تتجلى مثلاً فيما يعاني منه الكاتب/المفكر أو المتكلم، من فارق بين الأفكار العميقة والواسعة التي تدور في ذهنه، احياناً، والأداة التعبيرية اللغوية المحدودة أو الضيـّقة، التي تخضع للعقل المجتمعيّ، أي ما تعارف عليه المجتمع من تركيبات لغويــّـة اعتباريــّة، كما أسلفنا، التي يضطر الكاتب/ المفكر لاستخدامها في سبيل التعبير عن تلك الأفكار، التي غالبا ما يشعر بأنها تتجاوز تلك الأداة اللغوية، مهما كانت متطورة، ومهما كان متمكناً منها، لاسيما إذا كان واسع الفكر متشعب الإدراك المتعدد الأبعاد والأطياف، مع مراعاة اختلاف قدرات الكـُتـَّاب والمفكرين في الأداء اللغويّ والتعبيريّ. وقد تشكل هذه النقطة مؤشرا على تخلف اللغة عن الفكر. وهذا بحث آخر ينوء به ذهني منذ سنوات طويلة. أمَّا في هذا النص، الذي نشره الغيطانيّ تحت عنوان ‘رسالة في الصبابة والوجد’، بوجه خاص،(كذلك في ‘شطح المدينة’) فأرى أن اللغة لم تـَعُـد، في بعض العبارات والتركيبات الوصفيّة التحليليـَّة، مجرد رمز للمفهوم القابع في ذهن الكاتب، ذلك الرمز اللغوي، أو اللفظي، الذي قلنا إنه قد لا يعبّر بدقة عن فكر الكاتب؛ بل تحوّلت إلى ‘مفهوم’ مجرد بذاته، مستقل عن فكره. بمعنى أن الكلمة/ العبارة توحي بمفهوم معين، ليس بالضرورة المفهوم الكامن في ذهن الكاتب. وهكذا أرى أن الغيطانيّ حاول، عن طريق الإبداع في استخدام ‘جدليّة الخفاء والتجلي’، بالاستعارة من كمال أبو ديب، أن يتجاوز الفجوة التي تحدثنا عنها بين اللغة والفكر، فنجح في تجاوزها. بعض هذا النص التعبيري الـمُـشِعّ بـ’دلائل الإعجاز'( بالاستعارة من الجُرجاني)، قد يرتبط بحالات واقعية معينة، ولكنه يخترق ذلك الواقع برقـّة، أو بعنف ودقـّة، أحياناً، ليلامس شغاف القلوب، حيث تتكسر أشعّة الحرف، متحررة من مصدرها الضوئي. فيعيش القارئ النابه، مع الكاتب، تجربة جماليّة تتجاوز تلك الحالة/ الواقعة، إلى غبطة فنيــّة تسمو إلى نقاء عاطفيّ، مجرد من الزمان والمكان. فالخيال المبدِع، لدى القارئ المنهمك والمتأمل والمتذوق، قد يتعمد تحطيم تماسك الواقع، ليعيد تشكيل أجزائه بُغيـَة تفصيله على قياسات مزاجه. وهنا يتعالى انفعال القارئ او السامع فوق غبار الواقع الـمَعيش، إلى خيال يذيب المدركـَات العقليّة والحسيّة في روضة صور جماليّة عميقة تسمو على الإدراك العقليّ، الذي قد يشوِّه تلك الصور. يقول نزار قباني ‘الفنون بجميع أشكالها هي الجسور التي تربطنا بالآخرين، هي السلالم الحريرية التي نتسلق عليها لنعانق الآخرين’. وهكذا كان بين القارئ ذي الذائقة الأدبية العميقة، وبين الأديب جمال الغيطانيّ، الذي لم يكتف بردم الفجوة، التي كنت أفترض حضورها في كل عمل تعبيريٍّ – أدبيٍّ شعريٍّ فنيٍّ فلسفيّ – بل صاغ لغته بشكل يُمَكِـّـن القارئ النابه من نهل جماليـّة النص المشبعة بدقة المعنى ورقة الوصف، وممزوجة بحرية الخيال الرومانسي، التي قد تعلو حتى على المعنى الذي أراده الكاتب، بل قد تتمرد عليه، وتثور، وقد تعيش معنى جديداً آخر، يخلقه القارئ الجَسور على هواه، وتبعاً لرهافة ذائقته الفنيـّة، انطلاقاً من طراوة تلك الجملة الشعريـّة المنثورة. وهكذا هل يمكن القول إن ‘الأدب تعبير غير عاديٍّ عن مشاعر عاديـَّة؟
هنا لم تعد اللغة مجرد رمز بارد لمفهوم ساخن، بل تصبح بذاتها مفهوماً ملتهباً لمفهوم صادق، قد يكون أو لا يكون كامنا في كيان الكاتب، فترتفع اللغة نفسها إلى مفهوم مجرد من الفكر الذي صنعها، تسمو عليه وقد لا ترنو إليه، وبذلك تستقل عن صانعها وتتحرر من مبدعها. النظرية الثانية: الغيطاني يخلق من محيطه المألوف مادة جماليّة غير مألوفةالمرء ُ ثمرة بيئته. وبتعبير آخر، أكثر صراحة وتقحّماً، هو عبد لـ’العقل المجتمعيّ’ الذي نشأ في ظله، لأنه خاضع في الواقع لسلطة ذلك العقل القاهرة، التي تجعله منفعلاً بها، أي يصبح طائعاً لأوامرهاً ونواهيهاً بـ’عقله المنفعل’. ونادراً ما يستخدم الإنسان العاديّ قوّة ‘عقله الفاعل’ لمقاومة استبداد او استعباد ‘العقل المجتمعي’ السائد في المجتمع الذي يعيش فيه.(انظر ‘مدخل إلى نظرية العقل المجتمعي ونظرية العقل الفاعل والعقل المنفعل’ في الفصل الرابع: ‘تحرير الإنسان العربي لتحرير العقل العربي’، في كتابي المذكور اعلاه، ص 19، ط 3). ولكن يظهر عادة في بعض المجتمعات أفراد قلائل، يدركون هذه الحقيقة، يتحلون بعقل فاعل، أي ينعون على عامة الناس انقيادهم الكامل أو الأعمى للعقل المجتمعي، بما يكمن فيه من قيّم ومعتقدات وأعراف ومفاهيم سائدة ومعتبرة والتي قد تصبح مقدسة أحياناً. فيعملون على تسليط ‘عقلهم الفاعل’ على ذلك ‘العقل المجتمعي’ السائد لينقدوه، بعد أن يكتشفوا خزائنه ويحللوا محتوياته. ويمكن تقسيم تلك النخبة الواعية التي تستخدم عقلها الفاعل في نقد العقل المجتمعيّ أو الخروج عليه، أو التحرر منه، إلى أربعة أصناف: الصنف الأول، يصبح انطوائياً ومنعزلاً أو مُستلـَباً بتعبير الفيلسوف الألماني ‘هايدغر’، وربما مجنوناً أو مدمناً أو مجرماً، أو لا منتمياً، بتعبير كولن ولسن؛ والصنف الثاني يصبح نبيـّاً ثائرا أو مصلحاً اجتماعياً أو بطلاً وطنياً فاتحاً. والصنف الثالث، هو الصنف الذي يصبح مفكراً سامقاً و/أو فيلسوفاً مبدعاً. أما الصنف الرابع فهو الذي يستطيع أن يكتشف في نفس ذلك العقل المجتمعيّ جوانب إيجابيّة كثيرة، تخفى حتى على الفيلسوف المتبحر، فيستخلص من مخزونه معاني سامية وبناءة، ويخلق من المحيط الذي يخضع له عامة الناس، مادّة خِصبة للوصف المتميز والتحليل أو التفكيك والتركيب والبناء، فيضفي عليه معانيّ جديدة مبتكرة، لم تخطر ببال الناس العاديين ولا ببال المفكرين المحترفين. وأعتقد أن أديبنا الغيطاني يحسب في عداد هذا الصنف من المفكرين او الأدباء. الفكر البشري أعظم نعمة أنعمها الله على الإنسان، بوجه عام، ونحن غالباً ما نكفر بها، إذ يندر أن نستخدمها بكل طاقاتها الخلاقة، بل يندر أكثر أن نستخدمها في نقد عقلنا كمنتج ثقافي، أطلقنا عليه تعبير ‘العقل المجتمعيّ’، الذي يتكون من تفاعل معقد بين آلاف العوامل الخارجية المؤثرة في الفرد منذ ولادته حتى وفاته. وقد استطاع قِلــّة من الأشخاص أن يستفيدوا من هذه النعمة، بكفاءة عالية، بمن فيهم الأنبياء والفلاسفة والعلماء والأدباء. ونحن نرى أن أديبنا الكبير جمال الغيطاني يقع في رأس القائمة. *باحث وكاتب من العراق يقيم في نيويورك [email protected]