ابراهيم درويش
في العدد الاخير من صحيفة ‘نيوز اوف ذا وورلد’ جاء على صفحتها الاولى ‘شكرا لكم ووداعا’، بهذه الكلمات اعلنت الصحيفة التي ظلت في قلب الحياة الصحافية البريطانية مدة 168 عاما، موتها بفضيحة، على خلاف الصحافة في العالم الثالث التي تموت لانقطاع الدعم المادي عنها او لغضب الديكتاتور عليها. فالصحيفة ربما جاءت وفاتها بقرار ديكتاتوري من مالكها الاسترالي ـ الامريكي روبرت ميردوخ، صاحب اكبر امبراطورية اعلام في العالم التي تمتد اصابعها الاخطبوطية في كل انحاء العالم من الصين الى بريطانيا والساحل الشرقي في الولايات المتحدة، واماكن اخرى من العالم ومنها العالم العربي. ولكن قصة ميردوخ و’نيوز اوف ذا وورلد’ (اخبار العالم) وهي طبعة الاحد من صحيفة التابلويد ‘صن’ هي قصة الاعلامي، التايكون الاسترالي مع المؤسسة البريطانية، وهي حكاية عن تأثير دام اكثر من اربعين عاما، حيث بدأ عام 1969 عندما اشترى الصحيفة من مالكها سير ويليام كار، ومع انه بدأ بعيدا عن المؤسسة في حينها، التي كانت تعني في حينه حزب المحافظين، والكنيسة ومجلس اللوردات، والخدمة المدنية، وقادة الجيش ورجال الصناعة، لكنه انتهى في قلبها وعصبها. فقد تم اختياره لشراء الصحيفة مفضلا على اليهودي الاخر، روبرت ماكسويل الذي انتهى بفضيحة، وعندما مات نقل جثمانه الى اسرائيل، المهم ان ميردوخ في البداية ابتعد عن المؤسسة ربما لانه كان كما قال عام 1976 لمجلة ‘فيليج فويس’ يحمل عقدة من النظام الذي يعني تقاليد اجتماعية معينة و’كرافتات’ وما الى ذلك وهو الذي ابتعد عن كل هذا ومن يعرفه يرى انه لا يتفاخر بتجارته وهو متحدث سهل ولا يهتم بالمظاهر. وقد تأكد موقفه من انه معاد للمؤسسة عندما حصل على مذكرات ‘بائعة الهوى’ كريستين كيلر التي ادت علاقة وزير الدفاع جون بورفوميو، معها الى غضب المؤسسة، حيث كان بورفوميو يحاول تناسي العار والشنار الذي اصابه، واعتبرت المؤسسة فتح الحديث عنها اهانة لرجل تعتبره منها. ولكن الرجل عوض غضب المؤسسة عليه من خلال تحويله صحيفة ‘صن’ التي كانت صحيفة خاسرة امام صحيفة ‘ديلي ميرور’ الى صحيفة التابلويد الاكثر مبيعا في بريطانيا، ومصدرا لتوسيع مملكته الاعلامية، حيث اشترى بعدها ‘التايمز’ و’صاندي تايمز’، حيث كبرت الامبراطورية واصبحت توزع اكثر من 6 ملايين نسخة في الاسبوع وتصل قيمتها الى 30 مليار سنويا، وكان ميردوخ من اوائل الاعلاميين او اصحاب المؤسسات الاعلامية التي عرفت منذ البداية اهمية الاعلام الفضائي، وانشأ قناة سكاي عام 1989 ثم اندمج مع ‘بي اس بي’، التي تحولت الى ‘بي سكاي بي’ (خسرت منذ الفضيحة مليار جنيه من قيمتها)، وهي المؤسسة التي كان ميردوخ يحاول السيطرة عليها قبل ان تتفجر الفضيحة التي قضت على الصحيفة ذات التاريخ العريق، وربما قضت على امبراطورية ميردوخ البريطانية وتأثيره في السياسة البريطانية. عداء الاسترالي وبعده عن المؤسسة وكونه معارضا لها ومعاديا للاتحادات الاعلامية ادى به عام 1981 لنقل صحيفته من فليت ستريت الى شرق لندن. ولكن كيف حدث التحول في العلاقة بين السياسة والاعلام في حالة ميردوخ، حيث لم يعد الاخير، الرقم الصعب ليس في الاعلام ولكن في السياسة البريطانية، وصار كل الساسة والحالة هذه يتودون اليه ويطلبون رضاه. مع تاتشر والعمال الجددالتحول جاء مع صعود مارغريت تاتشر للحكم، ووجد ميردوخ تآلفا معها، واتفاقا في الايديولوجية، فكلاهما معاد للمؤسسة ومن خارجها، وكلاهما كانا يكرهان اوروبا، ويريدان تفكيك المؤسسات البريطانية المتداعية، وكلاهما مع السوق الحر والخصخصة، ومن هنا اظهر ميردوخ لاول مرة ولعا بالساسة، لانه وجد فيهم اداة لتوسيع مصالحه التجارية، فيما وجد فيه الساسة اداة للوصول للسلطة ـ وتحولت صحيفة ‘صن’ منذ تلك الفترة الى الصحيفة التي تحدد الفائز مسبقا في الانتخابات، فقد اصبح ميردوخ يلعب مع الرابحين ويعارض الخاسرين، وبدا هذا واضحا في خسارة زعيم العمال نيك كيونوك الانتخابات امام جون ميجرـ زعيم المحافظين الذي جاء فوزه مفاجئا للجميع، ومنذ تلك الفترة اصبح لميردوخ، ومملكته الاعلامية قول حاسم في السياسة. وفي الانتخابات الاخيرة، عندما كان زعيم العمال ورئيس الحكومة غوردون براون يخاطب جماهيره من العمال، اعلنت ‘صن’ دعمها للمحافظين بزعامة ديفيد كاميرون. كان جبروت وسطوة ميردوخ هما اللذان اديا بمهندسي العمال الجدد، توني بلير، وبيتر ماندلسون واليستر كامبل والخاسر براون الى الاتصال واقامة علاقات معه كي يدعم مشروعهم، وكانت ‘صن’ هي من اوصلتهم الى الحكم عام 1997، فقد عرف هؤلاء انه لا طريقة لكسر احتكار المحافظين للسلطة الا من خلال تجييش ميردوخ وصحفه والحصول على الدعم.
بلير اتصل به ليلة حرب العراقوخلال السنوات التي كان فيها بلير في الحكم، ظل على اتصال معه ـ في بريطانيا وخارجها، وكان دائم الحديث معه على الهاتف، لدرجة ان البعض كان يعتقد ان ميردوخ هو العضو الرابع والعشرين في الحكومة، ومع ان التايكون لم يكن في الحقيقة موجودا في اجتماعات الحكومة السابقة والحالية الا انه كان حاضرا ومخيما على الاجتماعات والقرارات التي تتخذها الحكومة. وتحدث بلير مع التايكون ثلاث مرات قبل بدء غزو العراق بعشرة ايام، حيث تظهر المعلومات التي تم الحصول عليها حسب قانون حرية المعلومات انهما تحادثا في 11ـ 13 ـ 19 اذار (مارس) 2003. ومع بداية العمليات العسكرية في يوم 20 من الشهر نفسه، خرجت صحف ميردوخ ‘صن’ و’التايمز’ بعناوين وافتتاحيات تعلن فيها دعمها الكامل للحرب.
يقول العارفون بطبيعة علاقة العمال الجدد مع ميردوخ ان بلير وكامبل، مدير اتصالاته، اخذا بنصيحة رئيس الوزراء الاسترالي بول كتينغ في كيفية التعامل مع ميردوخ، حيث قال لهما ‘هو ابن حرام كبير وسيء، والطريقة الوحيدة للتعامل معه هي اشعاره انه يمكن ان تكون ابن حرام كبيرا ايضا’. واضاف كيتيغ ‘يمكنك عقد صفقة معه بدون ان تقول ابدا ان الصفقة تمت، وكل ما يهتم به هو مصالحه التجارية، واللغة الوحيدة التي يحترمها هي لغة القوة’. لم يتوقف زحف ميردوخ واختراقه للحياة السياسية بل توسع وزاد مع تخلي التايكون عن العمال ودعمه للمحافظين، بل يعتقد ان علاقة كاميرون مع ميردوخ فاقت العلاقة السابقة. فعندما دخل كاميرون (10 دوانينغ ستريت) جلب معه اعضاء سابقين في امبراطورية ميردوخ، مايكل غوف وزير التعليم، عمل محررا لـ’التايمز’، واندي كولسون، مدير اتصالات مكتب كاميرون المستقيل وعمل قبل ذلك مدير تحرير ‘نيوز اوف ذا وورلد’. لم تكن علاقة كاميرون مع امبراطورية ميردوخ علاقة عمل بل اجتماعية، فقد كان كاميرون ضيفا في عيد الميلاد على حفلة اقامتها ريبيكا بروكس، مديرة ‘نيوز انترناشونال’ المؤسسة التي تدير مملكة ميردوخ في بريطانيا. على الرغم من كون العلاقة بين الساسة والاعلام هي علاقة كراهية متبادلة، لان كل طرف يستخدم الاخر لمصلحته الا ان ميردوخ الذي كان صانع الملوك في بريطانيا، كان قادرا على استدعاء رؤساء الوزراء اليه كي يسمعهم اراءه في السياسة والقضايا المتعلقة بالدولة، وكان احيانا يضعهم على قائمة المدعوين في المناسبات الاجتماعية من اجل ضمهم الى بلاطه. الفضيحةومن المعروف ان كل قوة يتم استخدامها وتتحول الى غرور تؤدي الى الانهيار، فقد ظن بعض رجال ميردوخ والذين لهم صلة به انهم فوق القانون وان كونهم يسيطرون على الحكومة فان باستطاعتهم عمل ما يريدون، حيث قاموا بالتنصت على الضحايا، والنجوم، وسرقوا المعلومات من الرسائل الهاتفية من اجل الحصول على بعد مهم في القصة، وقاموا باستئجار المحققين وشراء مسؤولين كي يحققوا ما يريدونه، لكن الكشف عن عملية تلصص على ضحية اختطفت ثم قتلت وهي ميلي داولار، وعلى عائلات ضحايا تفجيرات لندن عام 2005، وهناك امكانية على عائلات الجنود القتلى في العراق وافغانستان، ادى الى فتح ملفات عتيقة تعود الى سنوات، وفتح الباب امام فضيحة يراها المعلقون البريطانيون اشبه بـ’ووتر غيت’ الامريكية. وكان لصحيفة ‘الغارديان’ الرصينة وعدد من المحامين والنواب الفضل في الكشف عن ‘العفن’ داخل المؤسسة حسب ‘اوبزرفر’ امس. وقاحة التابلويدالمهم في الامر ان نهاية امبراطورية ميردوخ او على الاقل تأثيره على السياسة يعني نهاية الغطرسة التي تعاملت فيها الصحيفة مع الساسة، فلاول مرة يستطيع الساسة مواجهة الامبراطورية هذه، وعلى الرغم من ان صداقة كاميرون مع ميردوخ اصبحت تهديدا لبقائه، الا انه كان حاسما في الاعلان عن لجنتي تحقيق للبحث في معالم الفضيحة، وصار بامكان المسؤولين النقد والتحدث صراحة من دون الخوف من سطوة ووقاحة ‘صن’، ومثالا على هذه الوقاحة، ما حدث مع كلير شورت وزيرة التنمية والتطوير الدولي السابقة، التي اعربت عن معارضتها لصورة فتاة عارية تضعها ‘صن’ في الصفحة الثالثة، وهو تقليد معروف عند الصحيفة، وقالت شورت انها تريد منع هذا التقليد، فما كان من مديرة تحريرها الا ارسال حافلة مليئة بالموديلات شبه العاريات الى بيرمنغهام حيث تعيش النائبة لاطلاق الصرخات وازعاج النائبة في بيتها. والمثال هذا يصور وضع الساسة البريطانيين في التعامل مع صحيفة لم يعد احد يأمن شرها وان حاولوا نقدها فهي مستعدة لنشر غسيلهم القذر الذي حصلت عليه بالتجسس والتنصت، او من خلال دفع الاف الجنيهات كي تحصل على صورة او دليل يدين، وان لم تنشر غسيلهم فقد يفقدون دعمها ويخسرون مستقبلهم السياسي. ومع ان تقليد التنصت ليس حكرا على ميردوخ وقبيلته، فـ’ديلي ميل’ واخريات تمارسه، وحتى الصحف الرصينة ليست مبرأة، وما يميز ‘نيوز اوف ذا وورلد’ واخواتها، ان الاخيرة تتعامل مع التنصت كعمل روتيني ويومي، وقام صحافيوها بعملهم بدون رحمة او داعي ضمير بالنسبة للضحايا الذين يدمرون حياتهم. ومن هنا جاء التنصت على الضحايا والناس العاديين ليقلب الميزان ويؤدى الى تحطيم معادلة ‘الجزرة والعصا’ التي استخدمها سابقا ميردوخ ضد من كان يحاول نقده. ففي الوقت الذي يقول فيه الساسة الكثير عن التايكون لكن الجميع يعرف انه متى تحدث علنا فستفتح نار جهنم عليه من كل الجهات، حقا ام باطلا. وتاريخ المواجهة مع التابلويد المتسمة بالوحشية والغطرسة يقول ان اي سياسي، يتجرأ عليها ينتهي، ففي عام 1989 انتقد وزير الثقافة ديفيد ميلو، الوزير الذي واجه الجنود الاسرائيليين محتجا على معاملتهم الوحشية وعلى الاستيطان، لا ابالية التابلويد وانها اصبحت قوية بطريقة صارت بحاجة الى تنظيم عملها، قامت ‘نيوز اوف ذا وورلد’ بدفع 48 الف جنيه لعشيقته كي تكشف عن العلاقة معه وتفاصيلها، حيث كشفت عن ادق اللحظات معه، مما يظهر ان سلطة ميردوخ على السياسة البريطانية تحولت الى سلطة ‘ارهاب’ تمنع من يريد النقد او التجرؤ على التفكير به.
ماذا بعد؟
ماذا سيحدث بعد هذه الفضيحة، تحدث كاميرون يوم الجمعة عن فشل مؤسسة متابعة معايير الاعلام والشكاوى ‘لجنة شكاوى الاعلام’ مما اثار مخاوف من الغاء هذه المفوضية، وانشاء اخرى. ومع ان الكثيرين يتفقون على ان الفضيحة كشفت ‘عفن امبراطورية’ الا ان الحديث عن كيفية مراقبة عمل الاعلام فيه اراء مختلفة. ومن هنا تتساءل ‘اوبزرفر’ قائلة كيف استطاع ميردوخ تخويف الساسة، وشراءهم بالدعم وهو المولود في استراليا، الحاصل على الجنسية الامريكية، الذي لا يدفع ضرائب في بريطانيا، ومع كل هذا كان قادرا على الاضرار بحقوق المواطنين والديمقراطية، وقالت ما هو الحق الذي يملكه هذا الشخص كي يكون له هذا التأثير على السياسة في بلادنا، مشيرة الى مكالمات بلير معه قبل الغزو، ثم تساءلت عما حصلت عليه بريطانيا بالمقابل، فقد حصلت على الاحتقار والتلاعب بالساسة من ‘نيوز انترناشونال’، كما تعاملت مع المؤسسة باحتقار ان لم تهددها بطريقة خفية.
بدأت ‘نيوز اوف ذا وورلد’ رحلتها بشعار ‘شعارنا الحقيقة وعملنا الدفاع المستميت عن الحقيقة’ وانتهت وهي تواجه حقيقة ان ممارسة رجالها في تشويه الحقيقة كانت وراء نهايتها، بفضيحة، وفي الوقت الحالي يقبل البريطانيون على شراء نسخة ‘ذكرى’ او قطعة من التاريخ مضى وانتهى ولهذا حرصت المؤسسة على طباعة 5 ملايين نسخة، ومن هنا يفهم حزن الكثيرين على ضياع هذه التي تعد الاكثر توزيعا في العالم الناطقة باللغة الانكليزية والصحيفة التي عرفت بتحقيقاتها الخبرية. والمسؤولون عن ضياعها لم يعترفوا بعد، خاصة بروكس التي دافع عنها ميردوخ، وقال كاميرون انه كان عليها الاستقالة وكذا نجل ميردوخ، جيمس الذي سيواجه اتهامات جنائية بعد اعترافه بتضليل البرلمان. في النهاية الدرس الوحيد من فضيحة نيوز انترناشونال هو ان المؤسسة تخلت عن قرائها، والمشاركين فيها وضحاياها والمساهمين فيها، وقصتها لا تختلف عن قصة كونارد بلاك وزوجته باربرا ايميل ـ مالك مجموعة ‘ديلي تلغراف’ السابق والمسجون في امريكا، وروبروت ماكسويل الذي مات بطريقة غامضة على يخته. من المفارقة ان جيمس ميردوخ قال في محاضرة بعنوان ‘غياب الثقة’ عام 2009 في مهرجان ادنبرة الدولي، ان ‘هناك نتيجة لا يمكن الهروب منها ويجب الوصول اليها، وهي انه ان اردنا مجتمعا دائما وذا مصداقية فان ضامنه الوحيد هو الربح’، طبعا سيفكر جيمس بهذه الكلمات.