تتوالى الأحداث تباعا في بعض الدول العربية بعد ثورة الشعب التونسي وطرده لحاكمه شرّ طردة، لكن خصوصيات انتفاضات الشعوب الثائرة تختلف من بلد لآخر من حيث المدة، وعدد الشهداء والمصابين والخسائر المادية والاقتصادية، ويبقى قاسمها المشترك الطريقة البشعة التي تعامل معها حكام هذه الدول لقمع ثورة شعوبهم.
كنا نظن كتونسيين أن مصابنا هو الأعظم وأن بطش الرئيس المخلوع بن علي وعصابته هو الأكثر وحشية، لكننا نقف اليوم مذهولين مما يتعرض إليه إخواننا في ليبيا واليمن وسورية، حيث يعجز الإنسان عن وصف مدى قبح ما يتعرض له المتظاهرون السلميون والمدنيون العزل الأبرياء الذين هم في الأغلب بمعزل عن أي عمل سياسي قد اندفعوا الى قلب الحدث طوعا وبعفوية من دون خوف من أن يكون الثمن ما رآه العالم ولا يزال على شاشات التلفزة والمواقع الإعلامية الاجتماعية، فهم كسروا حاجز الخوف الذي كان يكبلهم لعقود.
هذه الأحداث المؤسفة والمؤلمة تدفعنا للتأمل في أسباب تمسك حكام هذه الشعوب الثائرة بكراسي السلطة وإباحتهم المحظور في ردع انتفاضة شعوبهم إلى درجة أن المشهد صار يذكرنا بصورة قمع المحتل الفرنسي والبريطاني والايطالي تباعا للمقاومة التونسية، السورية، المصرية والليبية خلال القرن العشرين. كما يذكرنا بما لا يزال يعانيه إخواننا الفلسطينيون من ظلم وبطش تحت أيادي الاحتلال الصهيوني.
هذه الأحداث تدفعنا للعودة إلى معجم المصطلحات السياسية والموسوعات العربية لمراجعة مفهوم السلطة، إذ تتضارب الأفكار بين المفهوم النظري الصحيح للكلمة وما يريد حكام هذه الدول من سنّه كمفهوم تطبيقي على الأرض لم تعرفه معاجم من قبل ولا موسوعات. الشيء المتأكد منه اليوم هو أن ما جاء به فقهاء وفلاسفة القانون العام وواضعو أسسه، أمثال مونتسكيو وجان جاك روسو وجون لوك، لا يتطابق بالمرة مع ما نراه من خلال المشهد العربي الحالي. بحسب هذه المراجع يمكن تفسير السلطة على أنها تناسق بين ثلاثة مستويات هي: القوة، القانون والشرعية. كذلك تعرّف النظريات الجديدة السلطة على أنّها عقد اجتماعي، إذ يرى توماس هوبر أن الأفراد في المجتمع تعاقدوا في ما بينهم للخروج من حياتهم الطبيعية المليئة بالشقاء، وتعاقدوا على تفويض أمورهم إلى طرف ثالث (الدولة) يتنازلون له عن حقوقهم ويخضعون لسلطانه المطلق. كما يرى جون لوك أن الأفراد لم يتنازلوا عن سيادتهم كليا حين أبرموا العقد الاجتماعي، إنما تنازلوا عن جزء من حقوقهم لحاكم عادل اختاروه من بينهم، والحاكم في نظر لوك طرف في العقد المبرم بين الأفراد فإن أخل به يحق للأفراد فسخه.
من البديهي التفطن إلى تناقض صارخ بين التعريف أعلاه والواقع الملموس الذي تعيشه شعوبنا، فثورة هذه الشعوب هي بالأساس ثورة ضد الشقاء الذي يعانيه المواطن البسيط الذي ترقي طموحاته في العموم إلى ضمان مستوى عيش كريم له ولأسرته من خلال وظيفة تتناسب وتكوينه العلمي والأكاديمي أو المهني يُؤمن له حاجياته وحاجيات أفراد عائلته من أولويات في هذه الحياة خاصة التغذية، الصحة والتعليم.
هذه الثورات هي بالأساس ثورات استرجاع الكرامة وإعادة الاعتبار لحق المواطنة الذي ناضل من أجله أجدادنا وآباؤنا ضد المستعمر الأجنبي، غير أن المستعمر أزيح، لكن الاستعمار لبث في صور أخرى وكأن قدر هذه الشعوب أن تستمر في مشوار المعاناة ومواجهة طغيان حكام غير عادلين يكون مبتغاهم الأساسي تحقيق مصالحهم الشخصية ومصالح المقربين منهم فحسب.
على الرغم من حق المواطنة الذي تضمنه كل التشريعات والقوانين والمواثيق الإنسانية في إطار المجتمعات المدنية والمؤسسات الدولية، فان ما نراه اليوم من عمليات قمعية للثورات الشعبية يبطل كل النظريات، وهو دليل على احتكار للسلطة وتسلط أصحاب الشأن فيها وهو أبعد كل البعد عما ذكر أعلاه، وما دوافع ذلك إلا لأغراض شخصية بحتة يسعون من خلالها للمحافظة على مناصبهم وتوريث الحكم لذويهم وتستباح لأجل ذلك دماء أبناء وطنهم وأعراضهم وممتلكاتهم وتنتهك فيها كل الأعراف المحلية والدولية المصادق عليها والتي تضمن حقوق البشر وكرامتهم وحريتهم.
والأبشع هو أن يقوم أصحاب السلطة بالتواطؤ مع أطراف أجنبية لقمع الحركة الاحتجاجية السلمية كاستعمال مرتزقة في ليبيا، ولا نستبعد ايضا تدخل أطراف من المنطقة كإسرائيل التي يقلقها بالتأكيد امتداد هذه الثورات الشعبية بعد انطلاقها من تونس، الشيء الذي قد يفتح جبهة مقاومة شعبية متواصلة جغرافيا من دون رادع يمكن أن تصل الى غزة وتهدد حتما الكيان الصهيوني، خاصة إذا سقط نظام حليف آخر كنظام القذافي.
الأحداث الأخيرة في بعض الدول العربية أحرجت كذلك بعض الدول الكبرى التي كانت تغض النظر عن ممارسات حكومات هذه الدول من انتهاكات لحقوق الإنسان، والدافع كان الشراكة المالية والاقتصادية على حساب تخليها عن مبادئها الأساسية التي أثمرتها ثورات شعوبها منذ قرون كالثورة الأمريكية والثورة الفرنسية التي نقلت العالم من العصر الأرستقراطي الى العصر الديمقراطي. فساد السلطة لا يقتصر اذا على بعض الدول العربية لكن تبقى استقلالية السلطتين التشريعية والقضائية في الدول الكبرى هي الضامن الأكبر لتفادي انحدار حكوماتهم الى مستوى متدن قد يضيع ما كسبته شعوبهم من حقوق مدنية خلال القرون الماضية. تهميش حكوماتنا لسيادة القضاء والبرلمانات (التي يفترض أن تكون منتخبة من الشعب) وتعمدهم نفوذ سلطتهم التنفيذية المطلق قد أهدر حق مواطنيهم لمدة عقود كانت كافية للنهوض بمجتمعاتنا والوصول بنا الى أرقى درجات التطور والنمو.
ثورة بعض الشعوب العربية ردت الاعتبار أولا الى كرامة المواطن وأثبتت أن حس المواطنة والذود عن حقوقه لا يزال ينبض لديه وكشفت للشعوب الأخرى أن المواطن العربي قادر على الأخذ بزمام الأمور وصنع التاريخ من جديد، يبقى أن الرهان الأكبر في هذه المرحلة هو استثمار هذه الثورات لبناء مجتمعات حرة وذات نظم ديمقراطية.
نبيل بن عزوز – أبوظبي