الجمهور اكتفى من التدجين والرداءة والفساد سليمان الحقيوييتداول المغاربة نكتة طريفة… ولكنها غاية في التعبير، عن طريقة تعذيب فريدة وغريبة؛ أن يوضع شخص مقيد إلى كرسي أمام تلفاز وتذاع أمامه قناة مغربية.
فيبدأ هذا الشخص بالصراخ من شدة الألم، ويصل به الأمر إلى درجة الموت… ما أعجبني في هذه النكتة هو تطابقها التام وقصة معاناة المغاربة مع إعلامهم، قبل أن يأتي الفرج بعصر الفضائيات فكانت هجرتهم جماعية، والوجهة القنوات الخليجية والمشرقية والغربية، كل حسب ميولاته واهتماماته… ؛ وهذه الهجرة لم تكن بدافع الانفتاح والتعرف فقط؛ بل كان غياب البديل هو مسببها الأساس. لكن هذا الوضع يدفعنا إلى طرح سؤال مشروع، اليس للمغاربة حق في إعلام يغنيهم عن هذه الهجرة وهذا التيه؟ أليس لهم حق في إعلام يلامس همومهم وقضاياهم؟ ويجيب قبل ذلك عن أسئلتهم المتناسلة بخصوص الوطن الذي ينتمون إليه! اليس من العار أن تبخل علينا قنواتنا – التي نساهم في تمويلها- بأخبار عن وطننا بينما تجود علينا بها قنوات عربية وغربية؟
ومع تطور عالما الاتصال بدأ المغاربة يكتشفون العالم من خلال إعلام غير إعلامهم، وعلامات الحسرة واضحة لا تفارق وجوههم، فاكتشفوا بدهشة غريبة إعلاما من نوع آخر لا علاقة له بما كانوا يشاهدونه في قنواتهم الوطنية… وحتى المواطن الأمي الذي لا يستطيع مناقشة المضامين، لاحظ بسذاجته الفطرية أن الألوان المعروضة في قنواته لا تشبه الألوان في القنوات الأخرى، وافترض أن هناك أطرافا تريده أن يصاب بعمى الألوان! وتحرمه من مشاهدة الواقع كما هو!! أما المثقف فقد كان أول الرافضين لهذا الوضع، فلا مبادئه تسمح له بمتابعة ما يعرض أمامه، ولا هذا المعروض قادر على احتضانه؛ لذلك كانت خيبته كبيرة، وكان أول المطرودين. إن قنواتنا العمومية لا تقيم أي وزن لجمهورها، سواء تعلق الأمر بنشرات الأخبار أو البرامج الثقافية والحوارية أو برامج الأطفال والرياضة أو البرامج الوثائقية. فلا برامج حوارية باردة قادرة على إخفاء تصنعها، مثلما تتفنن في التستر على الفساد والفاسدين، ولا برامج الأطفال قادرة على استقطاب هذه الفئة، ولا برامج الرياضة في مستوى قنوات الرياضة، أما الثقافة فقد دقت القناة الأولى آخر مسمار في نعشها عندما أنهت رحلة برنامج ثقافي متميز اسمه مشارف، ولم تستطع البرامج الدينية السطحية والنمطية مقاومة ما تقدمه الفضائيات العربية الدينية من برامج متنوعة، واعلم إذا كنت من طالبي الأخبار أنك آخر من سيعلم! ولم تنفع سياسة زيادة عدد القنوات المغربية، بل كشفت هذه الزيادة أن الأمر مجرد كلمة حق يراد بها باطل، وأن الأمر هو في الواقع زيادة مصادر العذاب وتنويعه، فمتى أغنى الكم عن الكيف؟ وبالنظر إلى المسلسلات الأجنبية المدبلجة التي أصبحت تشكل المادة الأساسية في القناتين الأولى والثانية، فهي لا تقدم أي شيء للمواطن المغربي باستثناء الإساءة إلى لغته وهويته وأخلاقه.
وبحلول شهر رمضان- أو موسم الكوميديا – يزيد القيمون على هذا الإعلام من جرعات الرداءة، فعلى مدار شهر كامل وبشكل يومي، تتنافس القناتان الأولى والثانية… في عرض مجموعة من البرامج والإعلانات السخيفة والمبتذلة بدعوى الكوميديا والضحك… فكل الطرق في هذا الإعلام تؤدي إلى الرداءة، وكل شيء يدعو إلى الخجل الذي نستشعره ونحن نتابع إعلاما غير إعلامنا. لقد أصبح ما أسميته حقا في الإعلام، حلما لكل المغاربة؛ الذين اكتفوا من سياسة التدجين، وبات واضحا أن هناك منظومة فساد قائمة الذات، تعمل من خلال الإعلام على شل قدرات عقل المواطن المغربي، بشكل مباشر أو غير مباشر، بغية إقامة حجاب بينه وبين ما يحدث من حوله، والتعتيم على كل ما من شانه ايقاضه من السبات الذي يغرق فيه بفعل سياسة محكمة. لكن ما يدهش حقا في أمر هذا الإعلام هو سياسة التعنت التي يواجه بها مطالب الشعب المغربي البسيطة، رغم مطالبه المستمرة لتغيره شكلا ومضمونا، ورغم والرفض الواضح لسياسته، فهل قدر المغاربة أن يختاروا فقط بين العيش داخل زنزانة إعلامهم وبين الهجرة إلى قنوات غير قنواتهم؟ اليس هناك اختيار ثالث؟ اعتذر إن تعجلت القارئ الكريم في الإجابة، بلى هناك بدل الاختيار اختيارات؛ هي بيد كل مغربي يؤمن بحقه في إعلام يحترم إنسانيته، وإعلام يستحق فعلا هذه الصفة النبيلة. كاتب من المغرب [email protected]