القاهرة ـ «القدس العربي» ـ من كمال القاضي: برغم أن عنوان المجموعة القصصية «إطارات خلع» غريب وغير موح إلا أن الكتابة لا تنتمي إلى تيار الحداثة التي تحتمل مثل هذه التنويعات غير التقليدية. فالكاتب والقاص محمود حسن فرغلي والذي صدرت له عدة أعمال أدبية ما بين الرواية والقصة القصيرة يحسب على التيار الواقعي أو الكلاسيكي، لكنه في نفس الوقت يحرص على اعتماد اللغة الجديدة في التعبير عن المفاهيم سواء اتصلت بأزمنة قديمة أو معاصرة.
يهتم الكاتب بشكل عام بالتراث ويستدعي حكاياته وقصصه من عالم أقرب إلى عالم الحواديت في ألف ليلة وليلة، بيد أن الفارق فيما يقدمه هو تلك التوليفة بين القديم الفائت والآتي الحديث، فهو يغزل على المنوال التاريخي ما يراه مناسبا للحظة الحاضرة، إذ أن الأجواء في قصصه تبدو مدهشة وخارج زمانها فيما تعكس التفاصيل صورة مغايرة تماما.
اللغة عند محمود حسن رصينة ومنضبطة وموحية بالجو الأسطوري لكن المضمون والفكرة يقتربان كثيرا من حياتنا اليومية، وهي هواية المزج التي يمارسها طوال الوقت في كل كتاباته وتظهر بوضوح في بعض قصصه مثل «صوان لحمة، وسروال حريري جديد، إطارات خلع، بانيو بالبطاس» ،وفيها يحاول إعمال أدواته الحديثة في التفتيش في الموروث الشعبي بمستوياته ويصور لنا شخصيات أو بالأحرى يعيد تصوير وتجسيد شخصيات تجاوزها العصر الحديث ولم يتبق منها غير امتدادات تتمثل في الأجيال المعاصرة التي ربما ما زالت تحمل نفس ثقافة الآباء والأجداد.
تؤكد هذه النوعية من الإبداع القصصي أن الكاتب مشدود نحو ثقافة شعبية تراثية قديمة ولكنه غير منفصل تماما عن أوانه وعصره الذي يعيشه، فهو فقط يريد أن ينقل لنا بعض المتراكم لديه من ذكريات ومواقف وحكايات ومناخات لم تعد موجودة بحكم اختلاف المراحل ومرور السنين والأيام. وفي هذا يحاول محمود حسن فرغلي أن يحاكي النسيج عند يوسف إدريس الذي كتب عن تجارب مغرقة في المحلية واقترب من شخصيات هامشية ونقب عما بها من ثراء إنساني كما في أرخص ليالي والشيخ شيخه وبيت من لحم والحرام وهو تأثر إيجابي محمود يبتعد عن التقليد والتقمص و ينفذ إلى المعنى ويستفيد من التكوين البنائي للقصة دون تكرارها والسطو عليها.
في بانيو بالبطاس يكشف لنا فرغلي مواطن وبواطن المرأة ومكامن القسوة بداخلها ويعمد إلى ذكائها الفطري في تفصيل غريزة الشر والإجرام، فهي تقتل زوجها لتفتح الطريق أمام العشيق وتتفنن في طرق إخفاء الجريمة بصهر الجثة داخل البانيو المملوء بالبطاس بقلب ينشغل نصفه بالعشيق فيما يعمل النصف الأخر على إنجاز المهمة بمنتهى الجسارة.
هذه الازدواجية هي محور القصة الصادمة التي بموجبها يتم إماطة اللثام عن الشخصية الأخرى الكامنة داخل المرأة والتي لا تخرج إلا في أوقات وحالات استثنائية للغاية وربما تظل متوارية طوال العمر إن لم يتواجد لها الظرف الملائم لاستدعائها.
وفي قصة صوان لحمة يعرج على غريزة أساسية أخرى يراها مبعث السلوك في حياة وتصرفات البشر وهي غريزة الجوع، وهنا يشير إلى الجوع باعتباره نقطة ضعف تستوجب الانتباه ويتخذ من ولائم الأغنياء ونفحاتهم نموذجا لتأكيد ذلك، فالشخص الغني يؤثر الفقراء بسخائه ويضعهم في قبضة يده أحيانا تبعا لشعوره وطبيعة علاقته بهم ومن جانبهم تتحدد درجة استجابة الفقراء لهذه العلاقة وفق الحاجة مع الوضع في الاعتبار وجود بعض الاستثناءات القليلة جدا التي يمكنها مقاومة غريزة الجوع نسبيا إلى حين.
تعبر قصة «صوان لحم» عن هذا المفهوم الكثير من البساطة وقليل من الفلسفة ومن ثم يصل المعنى المراد كاملا غير منقوص إلى وعي القارئ وكذا تتوالى الرؤى في المجموعة القصصية «إطارات خلع» لنصل إلى المعنى المستهدف من القصة عنوان المجموعة فنرى أن محمود حسن فرغلي رسم لنا صورة سريالية عبر دوائر متجاورة وعلى بعد مسافة معقولة تسمح بالرؤية كي تتراءى لنا الإطارات المخلوعة من عجل السيارات على الطريق السريع أمام الضوء المنبعث من الفوانيس والكشافات كأنها أشكال فنية هندسية تتشكل بفعل السراب والوهم فيراها كل منا بشكل يناسب خياله وزاوية رؤيته.
والحقيقة أن هذا المعنى قد يكون بعيدا إلى حد كبير عن دلالة الصورة المتخيلة للإطارات المخلوعة أو حتى الطائرة، فهي صورة تهويمية معقولة تجافي المنطق في القصة المذكورة ولكنها تبعث على التساؤل والتفكير في واهية الأشياء العبثية وضرورتها والهدف منها.