محمد الفاضل البشراويأنشئت الهيئة العليا للانتقال الديمقراطي تحت ضغط الشارع، بعد رفضه للصيغة الأولى التي أقرتها الحكومة لإدارة المرحلة الانتقالية. لكن هذه الحكومة نجحت بالنهاية في أن تكون الهيئة صنيعتَها وحدها وأداتها الرئيسية في ممارسة سياسة التخفي التي باتت شاخصة للعيان بعد أن كان الوزير الأول قد تخفى برئيس الهيئة وبلجنة الانتخابات لتأجيل الموعد المتفق عليه، وكذلك بعد أن حاول التخفي بالمؤسسة العسكرية لمقاضاة وزير الداخلية المقال وتحميلها بمفردها مسؤولية المحاكمة ومسؤولية العواقب. أما الانتقادات الموجهة للهيئة ولرئيسها فهي لا تحصى ولا تعد، كما أنها جاءت من أطراف حزبية وأيديولوجية مختلفة. وحال الهيئة اليوم هو أنها ساقطة بحكم الممارسات والنتائج سوى أن الحكومة لا تملك من الإرادة ما يكفي لحلها نهائيا وإلغاء كل ما تمخض عنها من قرارات انقلابية وغير شرعية. والمسألة برأينا يمكن تتبعها من ثلاث زوايا رئيسية:1 ـ الشخصيات الوطنية وتأسيس الهيئة على قاعدة تحويل الأقلية إلى أغلبية والأغلبية إلى أقلية: لقد كان مفهوم الشخصيات الوطنية، الذي اعتمدته الحكومة مدخلا للتعيينات، من المفاهيم الغامضة بل والمربكة لأنه يحيلنا رأسا إلى مفهوم الأعيان وإلى ما كانت تقوم به فرنسا لاحتوائهم وتوظيفهم في اختراق البلد وإخضاع الأهالي. وبصرف النظر عن التباس المفهوم فإن المشكلة الكبرى تكمن في اختيار هذه الشخصيات الذي تم بسرية مطلقة بالتنسيق مع جهات لم يحددها لا الوزير الأول ولا رئيس الهيئة، وبمقتضى انحياز ايديولوجي صارخ أفضى إلى هيمنة الطائفة العلمانية، وهي أقلية فكرية واجتماعية عُرفت بعض مكوناتها بقربها الشديد من اليسار الفرنسي ومن بعض التنظيمات والجمعيات العلمانية الموجودة في الخارج. 2ـ اعتماد السرية في المداولات: لقد رفض واضعو الهيئة، المعلوم منهم والمجهول، أن يسمح للشعب بمتابعة مداولاتها مع أنها تحولت في نهاية المطاف إلى برلمان حقيقي يشرع لما يشاء وكيفما يشاء. فالهيئة، وهذه حالها، لم ترق حتى إلى مستوى الكاراكوز، لأن الكاراكوز مع أنه يتألف من دمى ومن أياد خفية تحركها ومن نصوص أعدت سلفا لا بد له من جمهور ومن متفرجين. والرأي السائد اليوم هو أن الهيئة أقيمت فعلا على النية المبيتة لوأد الثورة بعيدا عن أنظار الشعب.3 ـ العهد الجمهوري بين فرض العلمانية وظهور بوادر الفتنة: العهد الجمهوري هو آخر وثيقة صدرت عن الهيئة أواخر حزيران/يونيو، وهو دستور الانقلابيين حددوه على مقاسهم لشرعنة وجودهم داخل هذه الهيئة ولعلمنة المشهد السياسي القادم بتزييف الهوية والأرضية الثقافية المعدة للبناء الديمقراطي. لقد أبقت هذه الوثيقة، رغم التعديلات التي أدخلت عليها تحت الضغط، على تضارب جوهري بين المعلن والمضمر فيما يتعلق بهوية الدولة. المعلن هو الإسلام الذي أدرج بلفظه وليس بمضمونه (الإسلام دين الدولة) والمضمر هو العلمانية التي أدرجت بمضمونها وليس بلفظها (الفصل بين المجالين الديني والسياسي). وليس من قبيل الصدفة أن يكون هذا التضارب بين الإسلام الشكلي والعلمانية الفعلية هو أساس العنوان الثاني الذي وضع في فرنسا لفيلم نادية الفاني ‘علمانية إن شاء الله’، الذي صدر بالتزامن مع العهد الجمهوري وسط شبهة متواترة في أن تكون الحكومة المؤقتة قد دعمته بستمئة الف دينار (أي بما يقارب الخمسمئة ألف دولار)، وهو ما لم تفصل فيه أي جهة قضائية مستقلة بعد صدور التكذيب الحكومي متأخرا خلافا لبيانها الأول المتعلق بالعنف. إن النتيجة المنطقية لهذا التضارب هي كونه يمهد لثلاثة أمور:
أولها حظر الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، التي نجحت الثورة في تمكينها من التأشيرة القانونية وإعادتها إلى صدارة المشهد السياسي. وهو ما عبر عنه محرر العهد الجمهوري نفسه بـ’تقويض الأسس’ التي تقوم عليها هذه الأحزاب. أما قانون الأحزاب المرتقب فلن يكون إلا تجسيدا صارخا لهذا الإقصاء. ويندرج هذا التوجه ضمن سياسة التراجع الشامل التي قامت عليها الهيئة. وقد كان لرئيسها أن نجح فعلا في تأجيل موعد الانتخابات، خلافا لما التزم به الوزير الأول. وها هو الآن (في خطاب 25 حزيران/يونيو بفندق الافريكا) يتجه نحو إلغاء الانتخابات التي التزم الوزير الأول كذلك بإجرائها حسب الاتفاق الجديد.
ويأتي التمهيد لحظر الأحزاب الإسلامية متوازيا ومتزامنا مع السعي الدؤوب على إغراق المشهد السياسي في عدد لا متناه من الأحزاب المجهرية، بات شبح حزب التجمع المنحل مسيطرا على قسم كبير منها، ما قد يساعد على قلب موازين القوى، وقبل الشروع في أي انتخابات، لصالح مستنسخات النظام السابق، ولصالح من كان من معارضته القديمة قد أقام مخططاته السياسية على استعطاف الغرب وعلى الاعتقاد الراسخ باستحالة عودة الإسلاميين من غياهب السجون ومن ظلمات القبور، وعلى الاعتقاد الراسخ كذلك بأن الغرب لن يقبل بغيره بديلا عن نظام بن علي.
وثانيها حرمان المسلم من حقه في تقديم مشروعه السياسي ومن الممارسة الفعلية للسياسة، وجعل ذلك كله حكرا على الأقلية العلمانية. وذلك أيا كان موقع هذا المسلم على الخارطة السياسية: متحزبا أو غير متحزب، سلفيا أو وسطيا أو عروبيا أو على أي شاكلة أخرى.
وثالثها إقامة حكومات علمانية خاضعة للغرب والقوى الأطلسية حتى في منطلقاتها الفكرية ومشاريعها السياسية.
أما طبيعة هذه العلمانية المبيتة فهي الإلحاد الخالص، كما يتبين من العنوان الأول لفيلم نادية الفاني: ‘لا الله، لا سيدي’ الذي لا يعني في السياق الإسلامي غير النفي القاطع والصريح لكلمة التوحيد، بشقيها الأول أي لا إله إلا الله، والثاني أي سيدنا محمد رسول الله. وكانت الحكومة على لسان وزير الثقافة قد أكدت تأييدها للمعاني الواردة بهذا العنوان، في البيان المتعلق بأحداث العنف المشبوهة التي أعقبت عرضه بالعاصمة، وذلك عندما أفادت بأن الفيلم يندرج ضمن حرية الفكر والإبداع، وبأن ذلك صار ‘من مطالب الثورة المجيدة ومقاصدها النبيلة’، وهي لم تر تعارضا مع الإسلام إلا في تلك ‘الممارسات الغريبة’ التي نسبتها الجهات الرسمية مع عدد من الأحزاب المتحالفة إلى ثلة من الملتحين الإسلاميين. كما سجل الشارع الإسلامي تخلف الأصوات العلمانية عن التنديد بالخلط بين العلمانية والإلحاد، الذي ورد في العنوان قبل الفيلم والذي طالما اعتبرته هذه الأصوات مظهرا من مظاهر التكفير وتحاملا جائرا على العلمانية.
وفيما يتعلق بالوزير الأول الذي عودنا على ترصيع خطبه بالآيات القرآنية، بل والرد على مناوئيه بـ’إذا جاءكم فاسق..’، فإنه اكتفى هذه المرة ببيان وزيره للثقافة ولم يطلع علينا ولو بربع بيان يذكر فيه آية واحدة يصدق فيها كلام الله على الفيلم وعنوانه ومموليه ومنتجيه وداعميه في الداخل والخارج. وإني أتوجه إليه بالسؤال التالي: إذا كان اتهام الوزير الأول من طرف وزير داخليته السابق بأمر ما يعد فسقا وفسوقا فماذا يمكن أن نسمي، وبالمصطلح القرآني، سعي مخرجة الفيلم ومن هم وراءها إلى إلغاء كلمة التوحيد ومحاربتها على هذا النحو؟
والمسألة ليست على المستوى السياسي بالبساطة التي قد تتهيأ للبعض، لأن طرح الفيلم والتعجيل بإنجازه في هذا الظرف وحصوله السريع على جائزة العلمانية من الصديقة فرنسا تحول إلى اختبار فعلي لكيفية رد الشارع التونسي على العلمانية شاخصة في أعنف تجلياتها، وهو اختبار لحقيقة وعي الشعب بمجريات الأحداث ولحقيقة تماسكه الداخلي ولحقيقة تخلصه من عقدة الخوف التي زرعها فيه الاستعمار والأنظمة الدكتاتورية المدعومة غربيا. ويأتي ذلك تحضيرا للمرحلة التالية التي تتمثل في إلغاء الانتخابات قبلا وليس بعدا كما حدث في الجزائر، لما تبين أن الانقلاب البعدي يحتاج فيه إلى تواطؤ العسكر وهو عندنا أطهر من أن يوغل في دماء الشعب. وما ذهب إليه بن عاشور مؤخرا من أن الانتخابات القادمة قد تفضي إلى قيام حكومة ثيوقراطية أو إلى قيام حكومة عسكرية ليس إلا تحريضا انتقاميا على الجيش ودعوة غير مسؤولة إلى الفتنة داخل صفوفه. وهو بالنهاية دليل قاطع على أن هذا الجيش ليس بالجيشالانقلابي مطلقا وعلى أنه أضحى سدا منيعا في وجه الانقلابيين الذين صاروا يجاهرون بخشيتهم منه.
وتكمن خطورة هذا الاختبار في أنه كان اختبارا تفجيريا حقيقيا قادرا على أن يشعل البلد بأكمله ويغرقه في الحرب الأهلية. إلا أن الشارع تمكن رغم قوة الصعقة وهول الصدمة من السيطرة على ذاته بذاته لما رأى في بيان وزير الثقافة المؤقت وبيانات العديد من الأحزاب العلمانية المتناسخة تحديدا مسبقا للجاني: الإرهاب أو العنف الإسلامي. وذلك يعني الكثير بالنسبة إلى هذا الجيل الذي تشكل وعيه السياسي على وقع أحداث 11 سبتمبر 2001 وما تبعها من أحداث مأساوية في العالمين العربي والإسلامي.
هيئة بن عاشور سقطت وسر بقائها على هذا النحو هو كونها هيئة انقلابية غير شرعية من أساسها لا تختلف في شيء مع أنظمة الاستبداد التي عرفناها من قبل. فالشرعية التي أقيمت عليها إنما هي شرعية اللاشرعية، وهي شرعية السطو وشرعية الأمر الواقع، وهي ذات الشرعية التي قام عليها نظام الحماية في تونس والتي قام عليها الاحتلال الأمريكي للعراق والتي قام عليها الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين. والهيئة قائمة على هذه الشرعية لا يمكن لها ـ كما الاحتلال ـ أن تنسحب أو تغادر السلطة عن طواعية. فالمتمكنون منها ومن قراراتها سيسعون إلى إطالة أمدهم في السلطة وإلى ممارستها بالتعتيم والتسويف والترهيب طالما أن الثورة لم تضطرهم إلى الانسحاب والاعتذار والتعويض.’ أستاذ في الجامعة التونسية