مخرج سورية من هذا الاستعصاء الخطير

حجم الخط
0

نصر شمالي في المغرب العربي، وفي وادي النيل، وفي الجزيرة العربية، وفي العراق وبلاد الشام، واجه الوطن العربي وما زال يواجه المخططات الاستعمارية التي تتكامل فيها عمليات الدمار الذاتي وعمليات التدمير الخارجي. إنّ تنفيذ هذه المخططات يبدأ بالتدمير الخارجي ويستكمل بالداخلي، أو العكس. لكنّ نجاحه بوجهيه مرهون بتغييب الشعب المستهــــدف، أي بجعــــله فاقداً فاعلــيته الإيجابية الحرّة. وبالفعل، هاهي اليوم عدّة بلدان عربية تبدو مخيّرة بين أولوية الدمــــار الذاتي الذي يستـــكمله الــتدمير الخارجي، أو أولوية التدمير الخارجي الذي يستكمله الداخلي. إنّ هذه البلدان تبدو كأنّما هي عاجزة عن إيجاد وسلوك طريقها الخاصة المستقلة، وهذا يبرز واضحاً في ليبيا أكثر من غيرها.

لقد احتلّ الأمريكيون العراق استناداً إلى اعتقادهم بأنّ الاحتلال سوف يكون استعراضياً، وسوف يأتي مكمّلا للدمار الذاتي العراقي ومتوّجاً له. لكنّهم فوجئوا بأنّ الوضع ليس كذلك، واضطرّوا لخوض معارك هائلة ضدّ المقاومة العراقية، فعادوا وأعطوا الأولوية لعوامل الدمار الذاتي بعد استنهاضها برعاية الاحتلال. لقد ترتبت على ذلك الخطأ في تقدير الموقف نتائج كارثية على صعيد المخططات الأمريكية الإقليمية والدولية. وهكذا رأينا واشنطن تحاول تلافي ما أصابها في العراق بشنّ الحرب ضدّ لبنان وضدّ قطاع غزة في فلسطين. لقد أرادت إلحاق هزيمة ساحقة بالمقاومة تمكّنها من استنهاض وإطلاق عوامل الدمار الذاتي في البلدين. وقد ترافقت عملياتها الحربية الأطلسية الصهيونية ضدّ الشعبين مع إعلانات صريحة عن أملها في حدوث ‘فوضى خلاّقة’ تجتاح الوطن العربي. وبالطبع فإنّ المقصود بالفوضى الخلاّقة هو انطلاق عمليات الدمار الذاتي. وبسبب فشل العمليات العسكرية ضدّ لبنان وفلسطين شهدت البلاد العربية ما يشبه الفوضى الخلاّقة، ابتداءّ من تونس. لكنّها لم تكن تلك الفوضى المصطنعة التي أرادتها واشنطن، بل كانت انفجاراً عاماً جاء كمحصلة للتراكم التاريخي ضدّ ما حققته من دمار شامل في البلاد العربية على مدى عقود طويلة من السنين، بالحروب الإسرائيلية وبرعايتها لأنظمة عربية فاق فسادها وإجرامها كلّ تصوّر. وبينما نجحت جماهير تونس ومصر أخيراً في التعبير إلى هذا الحدّ أو ذاك عن توجهها الحرّ المستقلّ، وفي حرمان الأمريكيين من أخذ زمام المبادرة، عانت الجماهير في الأقطار الأخرى من إمساك الأمريكيين بزمام المبادرة إلى هذا الحدّ أو ذاك، كما هو الحال في ليبيا، وعانت من دفعها (حتى هذه اللحظة) إلى حالة من تعثّر المسار الخاص المستقلّ، وانسداد الأفق، أي من حصرها في خانة مواجهة خطر الدمار الذاتي والتدمير الخارجي فقط، كما هو الحال في اليمن وفي سورية. ولا ريب في أنّ مثل هذا التعثّر الجماهيري يعود إلى نجاح الأعداء بالانفراد بهذا البلد أو ذاك، وفي الفصل بين قضيته الخاصة وقضية أمته، أي الفصل بين القضية وبين سياقها التاريخي. بصدد الفصل بين القضية الخاصة (القطرية) وبين القضية العامة (الأمة) سوف نتوقف عند القطر السوري فنقول أنّ هذا الجزء (الأكبر) من سورية الطبيعية (أو بلاد الشام) يتصرّف رسمياً، منذ أواسط السبعينيات الماضية، كأنّما هو وطن كامل متكامل، ومآل نهائي لسكانه الحاليين، خلافاً لعقيدة حزب البعث الذي يفترض أنه الحاكم! فبدلاً من أن تكون القضية هي استرداد الوضع التاريخي لسورية الطبيعية (كخطوة عربية وحدوية) نجد إلحاحاً من بعض السلطة والمعارضة على رسوخ الخارطة الحالية لهذا الجزء، والدفاع عنها وتخليدها! لقد كانت سورية الطبيعية دائماً وحدة كاملة متكاملة، لها خصوصيتها في نطاق العصر العربي الإسلامي واســـتطالته العثمانية، منذ القرن السابع الميلادي وحتى مطلع عشرينيات القرن العشرين، أي إلى ما قبل حوالي تسعين عاماً فقط. وبديهي أنّ القطر السوري الحالي، وإن كان الجزء الأكبر مساحة وسكاناً، لا يملك في حدّ ذاته شروط الحياة الطبيعية، لا اجتماعياً ولا اقتصادياً ولا سياسياً، مثله مثل الأجزاء الأخرى، لبنان والأردنّ وفلسطين. وفي السياق التاريخي، الذي لا يجوز إهماله أبداً، نشير هنا إلى جانب من العوامل التي آلت بسورية الطبيعية إلى الوضع المأساوي التي هي عليه اليوم. لقد ظهرت في القرن السابع عشر، في العام 1649، أولى الإشارات الإنكليزية إلى النوايا المبيّتة لتمزيق بلاد الشام (سورية الطبيعية) والسيطرة عليها، حين صدر في لندن ذلك البيان الذي جاء فيه: ‘إنّ أمة إنكلترا وسكان هولندا سوف يكونون أول الناس وأكثرهم استعداداً لنقل أبناء وبنات إسرائيل على سفنهم إلى الأرض التي وعد بها أجدادهم لتكون ميراثاً لهم إلى الأبد’! لقد حدث ذلك بعد نجاح المشاريع الاستيطانية الإنكليزية (الصهيونية غير اليهودية) في شمال القارة الأمريكية (‘أرض الميعاد’ الجديدة!) وعند البدء بالتحضير لاجتياح ‘أرض الميعاد’ القديمة، بلاد الشام. في أواسط القرن التاسع عشر راح الصهاينة الإنكليز غير اليهود ينتقدون بشدّة سياسة اللورد بالمرستون (1784-1865) بصدد حسم ‘المسألة الشرقية’، وينتقدون التلكؤ في دقّ الإسفين اليهودي داخل الدولة العثمانية. غير أنهم لم يتحدثوا عن فلسطين تحديداً، بل تحدثوا عن سورية الطبيعية كلّها. فقد كتب الكولونيل جورج جولر (الإبادي الاستيطاني والحاكم السابق لجنوب استراليا) داعياً بريطانيا إلى العمل على: ‘تجديد سورية بوساطة الشعب الوحيد الذي يمكن توظيف طاقاته بصورة دائمة وعلى نطاق واسع: أبناء الأرض الحقيقيين، أبناء إسرائيل ‘! وكان تشارلز هنري تشرشل ينتقد سياسة بالمرستون، ومحاولاته إبقاء الدولة العثمانية على قيد الحياة لأطول فترة ممكنة وبأي ثمن (خوفاً من فرنسا وروسيا) ويدعو إلى ‘التحرير’ المبكر لسورية وفلسطين، وإلى وضعهما تحت الحماية البريطانية، على أن يقوم اليهود بدور المستوطنين الحماة للمصالح البريطانية في الشرق الأدنى! وعندما حان الوقت المناسب، بعد الحرب العالمية الأولى، اقتصر مشروع الاستيطان الصهيوني على فلسطين. غير أن الحلم باجتياح سورية الطبيعية كلّها بقي حيّاً، وهو لا يزال قائماً. إنّ مثل هذا الخطر الأمريكــــي/الإسرائيــلي يظهر، مثلاً، في يوميات رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق موشي شاريت، التي دوّنها في العام 1954 وتحدّث فيها عن اجتياح سورية، باستغلال الاضطرابات التي رافقت انتفاضة الشعب السوري في ذلك العام ضدّ الديكتاتورية. اليوم، في هذا الجزء الأكبر الذي ظلّ لوحده يحمل اسم سورية، يجأر الكثيرون بالشكوى من اختراق الفساد للقوانين حتى النخاع، ومن وحشية الأجهزة الأمنية العاملة في ركاب تحالف السلطة والثروة، ويحذّرون من إشراف البلد على الهلاك بعد أربعين عاماً من الاستبداد والقهر! لكنّ آخرين موالين يعبّرون عن تقديسهم لهذا الوطن السوري النهائي ‘الكامل الأوصاف والفائق الجمال’ كما يردّدون! وتقديسهم للنخبة التي تحكمه والتي ‘ينبغي أن تستمرّ في حكمه إلى الأبد’ كما يقولون! وفي الوقت نفسه يجاهرون باحتقارهم وكراهيتهم للذين يجأرون بالشكوى! إنّهم يرونهم أكثرية مزعومة، فاسدة جاهلة، وإرهابية مخرّبة، ينبغي ضبطها وإخضاعها حتى باستخدام الرصاص الحيّ ضدّها! إنّها في رأيهم أكثرية خلّبية، وهميّة، تستحقّ مصيرها الرهيب! هل هذا معقول؟ وهل ثمّة مخرج من هذا الاستعصاء السوري الخطير؟ نعم، المخرج هو بالعودة إلى الأصول التاريخية السورية، وإلى السياق التاريخي السوري، وبالعودة إلى الأمة المتجانسة، المتكاملـــــة، العريقـــة، الـــتي تعدادها يزيد عن 360 مليوناً. إنّ المخرج هو في التوقّف عن الركـــض وراء المصالح الأنانية الحقيرة، ووراء المصالح القطرية الجزئية التجزيئية، التي تكرّس حالة الدمار الذاتي وتستدعي التدمير الخارجي.’ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية