رئيس قسم الاعداد في تلفزيون ابو ظبي.. اكاديمي وباحث في قضايا الاعلامالتقته فاطمة عطفة: أستاذ أكاديمي وباحث رصين متبحر في شؤون الإعلام، يستند إلى أرض العراق الحبيب وتاريخه الحضاري العريق، وإن كان يحمل في قلبه جرحه العميق الذي ما زال نازفا بفعل الاحتلال الأميركي وتواطؤ حكامه وجيرانه مع غزاته وسارقي ثرواته. درس الزراعة استجابة لرغبة والده، ثم انطلق ليتابع دراساته العليا في مجال الإعلام الذي تعلق به من صغره. إنه الأستاذ الدكتور فارس الخطاب، ابن الرافدين ومعاصر النهضة العلمية الرائدة التي اضطلع بها العراق، قبل أن يتآمر عليه العديد من الأشقاء والأعداء معا.. وساعدوا في تدميره، ولو بالصمت. أصدر عدة كتب، منها ‘فلسطين في رسائل عبد الناصر وكيندي’ و’الصحف الإلكترونية المرتبطة بالفضائيات العربية’ و’من يصنع الإعلام’. وهو يمتاز بخبرة طويلة في مجال الإعلام، حيث تسلم عمادة كلية الإعلام في الجامعة العربية المفتوحة لشمال أميركا، وقد اضطلع بهذا المركز منذ عشرين عاماً، وهو يعمل اليوم رئيس قسم الإعداد في تلفزيون أبوظبي. ويطيب لي هنا أن أشير إلى أن كتابه الأخير ‘حرب بلا رتوش: أخبار العراق في قناتي الجزيرة والعربية’، هو من البحوث الإعلامية المتميزة التي تناولت تلك الحرب’ ويعد الكتاب بحثا فريدا في محتواه الفكري وقيمته العلمية، فضلا عن جهد كاتبه الذي يؤكد فيه أهمية الالتزام بالقيم الأخلاقية في صياغة الخبر وتقديم الصورة بعيدا عن الإثارة في البث الإعلامي. ويكفي أن أذكر أن المراجع العربية للكتاب تزيد عن مئة، والأجنبية ثمانية، إضافة إلى المواقع الإلكترونية التي تقارب العشرين. هذا الجهد العلمي الكبير جدير بالاطلاع والاستفادة منه في جميع المؤسسات والكليات الإعلامية في البلاد العربية.
ـ في كتابك (حرب بلا رتوش)، لنبدأ من الإهداء: (إلى العراق.. وطني الجريح)، كيف ترى اليوم هذا الجرح بعد ثماني سنوات؟* ‘حقيقة قد كان إهدائي في كتاب (حرب بلا رتوش) نتاج إحساس عميق بجروح عميقة ومؤلمة أصابت وطني العزيز والبلد العربي القوي والمركزي (العراق) نتيجة الاحتلال الأمريكي الغاشم ثم السماح للقوى الإيرانية الظلامية والهدامة بالانسياح في مدن وقرى وقصبات هذا البلد، فكان نتاج ذلك هيمنة شبه مطلقة للقوى المستفيدة من الوجود الإيراني، فعمت الفوضى بدل التنظيم وساد الفساد بكل أنواعه بدل الرقابة المفرطة التي تميزت بها الإدارات العراقية المتعاقبة قبل الأحتلال، ثم استهدف الإنسان العراقي بشكل مباشر من خلال تعميم كتب المرجعيات والخرافات الدينية والمذهبية الضيقة على حساب كل أنواع الكتب الثقافية والأدبية وإهمال التعليم وطرق التدريس الحديثة والعبث بالمناهج الدراسية، فكان نتاج كل ذلك المزيد من الجهل والأمية والتخلف بمعناه الحرفي والدقيق. نعم وطني جريح وجرحه نازف بألم، فما عاد هناك مكان للوطنيين والقوميين وما بقي مكان آمن فيه للعلماء والمثقفين والإعلاميين. لا أحد يعرف تحديدا كيف يعيش الناس حالات من الفقر الغريب، وأين تذهب موارد البلد الغني، ولماذا الإصرار على إبقاء شعب كامل دون كهرباء ولا ماء صحي ولا خطط زراعية أو صناعية أو تعليمية طيلة أكثر من ثماني سنوات، فيما تذهب مليارات الدولارات إلى من لا يملك حق التصرف بها. يكفي أن أقول إن العراق الذي أعلنته الأمم المتحدة بلدا خاليا من الأمية في عقد الثمانينات من القرن الماضي يوجد فيه الآن وفي ظل الاحتلال، وبحسب التقرير الذي نشره اليونيسيف عن العراق عام 2011، تسعة ملايين أمي، 100 رضيع يموت يوميا و35 ألف طفل يموتون قبل بلوغهم السنة الخامسة، 1000 امرأة تموت كل عام خلال أو بعد الولادة، مليون طفل تحت خط الفقر ونصف مليون طفل يعانون من نقص التغذية، وأربعة ملايين ونصف لا يتمتعون بالخدمات الأساسية في منازلهم كالماء الصالح للشرب والكهرباء. وبالطبع القائمة تطول، ومن أراد أن يعرف المزيد عليه مراجعة التقرير كاملا، أليس من حقي قبل كل هذا وبعد كل هذا أن أهدي كتابي إلى ‘وطني الجريح’؟!. ـ كيف كانت البدايات؟ ومن أين جاءت محبة الإعلام للدكتور فارس؟*’ محبتي للإعلام بدأت منذ طفولتي المبكرة، وقد تكون بحسب ذاكرتي في مراحلة الدراسة الابتدائية وانتباه المعلمين لمقدرتي على صياغة العبارات والكتابة بشكل جيد في مادة الإنشاء أو التعبير وهي إحدى مقررات مادة اللغة العربية بالطبع. ثم أذكر أني كتبت أول مقال لي وأنا في الثانية عشرة من عمري وكان بعنوان (المرأة والعمل) شجعت فيه المرأة على العمل وبينت رغم صغر سني حينها أهمية ولوج المرأة ميدان العمل اقتصاديا واجتماعيا. وعند إكمالي مرحلة الثانوية العامة كانت رغبة والدي أن أكون مهندسا زراعيا، ثم بعد أن تخرجت بهذا التخصص عدت للالتحاق بكلية الإعلام لأكمل التخصص الأمنية، وهكذا كان الإعلام مهنتي وجزءا كبيرا من شخصيتي’. ـ الدكتور الخطاب عميد كلية إعلام، وتعمل حاليا في إدارة إعداد البرامج في قناة أبو ظبي، كيف ترى إلى الفرق بين العمل الأكاديمي مع الشباب، والعمل الإعلامي سواء مع المؤسسة أو الجمهور المتلقي؟* ‘العمل الإعلامي دائما وأبدا يحتاج أولا إلى الموهبة والقدرة، الموهبة التي تصنعها الأقدار للإعلامي منذ نعومة أظفاره، والقدرة التي يكتسبها نتيجة جهوده الذاتية في زيادة معلوماته وثقافته وتطوير قدراته، هذا بالتحديد ما يمكن أن يكون الفارق بين العمل الأكاديمي والعمل المؤسساتي، فعند مقاعد الدراسة قد نجد نسبة معينة من المواهب الإعلامية التي يمكن أن تكون ذات اسم وشأن في عالم الإعلام لاحقا، ولكن في المؤسسات الإعلامية يفترض أن تكون هذه النسبة كبيرة وربما يجب أن تقترب من المائة في المائة، ذاك أن المؤسسة في نهاية المطاف ذات طبيعة إنتاجية وليست تعليمية، وهي بذلك تحتاج الكفاءات والمواهب التي تعمل على صقلها بالدورات وكذلك من زجها بالعمل مع أصحاب الخبرة لينتهجوا نهجا إعلاميا صحيحا. إن العمل الإعلامي في المؤسسات الإعلامية مختلف تماما عن الذي يجري داخل أروقة الكليات والمعاهد الإعلامية، فالمؤسسة تعني الإنتاج، والآن بدأت تعني الإنتاج ذا الربحية المجيرة لصالح الأجندات الراعية لهذه المؤسسات، وهذا بالطبع ما يصل إلى الجمهور المستهدف الذي بات الآن يشمل أمما بكاملها في ظل تقنيات الإعلام والاتصال التكنلوجية الحديثة’. ـ يشير الدكتور حارث عبود في تقديم الكتاب (حرب بلا رتوش) إلى أن قوة الإعلام تفوق قوة الفعل العسكري نفسه.. في تهيئة الحروب وتحديد نتائجها.. السؤال كيف قفز الإعلام من الدرجة الرابعة في السلطة إلى واجهة السلطة واحتل الأهمية الأولى؟* ‘كلام الإعلامي الأستاذ الدكتور حارث عبود صحيح جدا وهو ينطلق من مسمى كتابي، فإذا كانت الحروب تعني الصواريخ والطائرات والدبابات وتهديم الأبنية وقتل البشر بحجج تساق لها، فإن حروب الإعلام تفعل كل ذلك وأكثر دون أن نسمع صوت طلقة مدفع أو صاروخ موجه أو غيرها. لم يعد العمل العسكري ضروريا إلا في مسائل تتعلق بفرض الهيمنة المباشرة وتغيير طبيعة الأشياء جيوسياسيا كما حدث في العراق وأفغانستان ويحدث الآن في ليبيا. وكما لاحظ الجميع، وربما بعد حين، أن غزو واحتلال العراق تم بمسوغات كثيرة روج لها الإعلام حتى باتت القضية كلها مرهونة بطريقة التغطية الخاصة بأخبار العراق ونشاط رئيسه الراحل صدام حسين وتهويل قضايا التسليح والتصنيع العسكري الخاص به، وكذلك نواياه العدوانية تجاه جيرانه.. الخ، في حين كان الواقع على أرض العراق يقرأ حقائق مختلفة تماما، فلا أسلحة بعد حصار طويل وشديد ومحكم لم تشهد البشرية له مثيل أبدا. أما الجيران فقد كانوا هم المتآمرين على العراق والمشاركين فعلا أو ضمنا بعملية احتلال العراق وتقديم الجهد المخابراتي والعملياتي الداخلي قبل وأثناء وبعد الغزو والاحتلال. وهذا، ومع الأسف الشديد، يجري الآن مع ليبيا مع الفارق بالطبع بين قضية العراق قيادة ورسالة ودورا قوميا وبين شقيقته ليبيا. لكن، ونحن نتحدث عن دور الإعلام، فإن ما يتم من حرب إعلامية محكمة هي نتاج استراتيجيات كبرى وضعت لتغيير الحقائق السياسية والأيدلوجية على الأرض. ومن هنا تحول الإعلام مما كان يسمى بالسلطة الرابعة إلى السلطة الأولى وباستحقاق، وهو يعمل وفق أجندة متطورة من أجل إسقاط أنظمة تارة ومن أجل التهيئة لحروب محلية أو حروب كبرى تارة أخرى. هذا بالطبع لا يشمل إعلامنا المحلي الذي ربما لم يحصل حتى الآن على استحقاقه كسلطة رابعة. إن ما يجب أن يعرفه الجميع أن الإعلام بيد منظمة واحدة اختارت أن يكون هو الوسيلة الأنجع في تحقيق غاياتها وأهدافها في السيطرة على مقدرات العالم الاقتصادية والسياسية وحتى الاجتماعية’. ـ تذكر في الكتاب أن عمليات التضليل الإعلامي الأميركي بشأن كل ما جرى بالعراق بعد الاحتلال وبشكل مبرمج.. جعل المتلقي العربي وغير العربي يفقد التمييز بين أعمال المقاومة العراقية والعمليات الإرهابية التي تنفذ في العراق، ما هي ملامح هذا التضليل؟*’موضوع التضليل الإعلامي في الحقيقة موضوع كبير جدا، وكما يعلم الجميع أن الحملة العسكرية لاحتلال العراق عام 2003 ارتكزت بشكل أساسي على حملة إعلامية تبنت موضوع امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، واستمراره في تطوير تلك البرامج بعد حرب العام 1991، وربما لم يعد سرا أن هذه الحملة التضليلية التي بدأت حقيقة قبل موضوع احتلال الكويت وتحديدا بعد خروج العراق منتصرا في الحرب العراقية الإيرانية 1988، كان وراءها الدوائر المخابراتية الأمريكية والإنكليزية والإسرائيلية تحديدا، إضافة إلى دول الجوار العراقي ودول عربية وغير عربية أخرى مع توظيف شخصيات عراقية وأخرى أمريكية من أجل تصويب الرسائل الإعلامية باتجاه تزييف الحقيقة وتشويهها.
وبعد احتلال العراق بلغ التضليل الإعلامي الأمريكي مستوى يمكن رصده في كل المواقف. وقد نجح هذا التضليل في عدة وجهات أهمها برأيي إخراج العراق من حسابات القوة والقدرة العربية. فقد سمحت ثنائية الاحتلال وإلغاء الدولة العراقية، وما تبعها من فوضى عارمة، إلى فتح مجالات إشغال المشهد العراقي بالإعلام المفخخ والطائفي والعرقي لتفتيت وحدة العراق كجزء من أهداف الاستراتيجية الإعلامية الأمريكية. ثم بات المتلقي العربي، وربما العالمي، لا يعرف حقيقة من يعمل في العراق تحديدا ضد قوات الاحتلال الأمريكي والاحتلال الإيراني والإسرائيلي أيضا، وذلك من خلال محاولات السيطرة على العقل العربي وجعل طريقة تفكيره وتحليله واستنتاجاته تذهب باتجاه أهداف التضليل وقبول إيحاءاته وتفسيراته للأحداث شيئا فشيئا والتي تفضي، في نهاية الأمر، إلى قبول الاحتلال الأمريكي للعراق واعتبار كل من يقوم بعمليات مسلحة ضد قوات الاحتلال هو إرهابي لا يريد للعراق الاستقرار والتطور والسلام. وبالطبع فإن المختصين بالإعلام يعلمون أن عمليات التضليل الإعلامي ليست اعتباطية، وإنما هي عمليات معقدة ومدروسة بعناية ويتم تطويرها وتحديثها بشكل مستمر حتى تحقيق الغايات النهائية. ومن أدوات عمليات التضليل استخدام عبارات ومسميات يتبناها، نتيجة التكرار وتوظيف الصورة، الجمهور المستهدف ذاته. ومثال ذلك استخدام عبارات مثل ‘أزلام النظام السابق’، ‘الصداميون’، ‘إرهاب بقايا فلول البعث’، ‘المقابر الجماعية’، ‘قبل السقوط’، ‘بعد السقوط’، والأهم ‘الإرهاب’، وإرهاب ‘القاعدة’. إن المتابع لأخبار أغلب الفضائيات العربية تحديدا يلاحظ استخدام أغلبها لهذه المصطلحات والترويج لها في نشراتها وبرامجها مشاركة منها، بعلم أو دون علم، في عمليات التضليل الإعلامي سواء تعلق الأمر في موضوع الاحتلال الأمريكي للعراق أو فيما نشهده الآن من تطورات في المشهد السياسي العربي. ونتاج هذا كله بالطبع تعايش الإنسان العربي في العراق أو غيره مع هذه المصطلحات والمفاهيم حتى يصبح لها فعلها في عقله الباطن وبالتالي تقبله لها كأمر يمكن أن يكون واقعا.
إن عمليات التضليل الإعلامي التي تقف وراءها إمكانيات كبيرة جدا لدول عظمى ربما تحتاج وخاصة في موضوع المقاومة العراقية للاحتلال الأمريكي إلى ما بات يطلق عليه بالإعلام المقاوم، حيث دفعت رسائل التضليل الخاصة بعمليات المقاومة العراقية القائمين على فعاليات هذه المقاومة والذين يقاتلون من أجل قضية سامية ومصيرية تحت ظروف سياسية وقتالية ونضالية، إلى تبني أسلوب هذا الإعلام والذي كما يؤكد الباحثون أنه يدور حول مجموعة أهداف ومحاور منها الإعلان عن رأى المقاومة كتيار عقيدي وميداني ومواقفها من الأحداث بشكل منفصل والرد على مواقف العدو ودحض آرائه ومواجهته إعلاميا كسلاح نفسي. إبراز الموقف الوطني للحفاظ على وحدة الوطن وسيادته. وقد استخدمت المقاومة العراقية فضائية واحدة أو فضائيتين للمساعدة على تحقيق هذا الهدف، لكن ضعف الموارد المالية وعزوف الدول العربية عن المساعدة جعل من إعلامها دون مستوى التضليل الإعلامي الذي تمارسه قوات الاحتلال. ولعل أفضل وسيلة لتحقيق أهداف المقاومة إعلاميا هو الاستفادة من عصر التكنولوجيا الإعلامية كالإنترنت وأجهزة التصوير الرقمية لتوثيق الأحداث وأجهزة الهاتف الخلوي وهذه جميعا يمكن أن تطرح نتاجها بسهولة عبر الفضاء’. ـ تشير في الكتاب إلى أن تفوق قناة العربية على الجزيرة في تقرير التغطية يعود إلى وجود مكتب للعربية في بغداد، هل الرسائل المباشرة من أرض الحدث تعطي أهمية ومصداقية أكبر، وتؤكد فعالية الصورة المباشرة؟- ‘إن موضوع التواجد في قلب الحدث ونقل الرسائل الإخبارية من هناك يعد من صميم المهنية التي يجب أن تتحلى بها جميع وسائل الإعلام، سواء المرئية أم السمعية وحتى الورقية. وقد يكون من اللافت أن نرى مراسلو الإعلام العالمية يصلون إلى مواقع الأحداث قبل وقوعها بفترة ولا يغادرونها أبدا. ولعل ما لاحظناه من تخبط في النصوص الخبرية للفضائيات بشكل عام، والفضائيات العربية بشكل خاص، في موضوع التحركات الجماهيرية العربية وصدامها بشكل أو بآخر مع الأنظمة القائمة، يعطي الدليل القطعي بما يمكن أن نسميه بعدم الموضوعية في الرسائل المتعلقة بالأحداث الجارية. ولعل لجوء الفضائيات إلى ما بات يعرف بـ ‘شاهد العيان’ يمثل كبوة كبيرة في حركة التطور الإعلامي ويرسل إشارات ذات دلالة واضحة عن عجز هذه الفضائيات عن القيام بالتغطيات الإخبارية المحترفة والمهنية بموضوعية وحيادية مفترضة. وقد لمس الجمهور هذا الوهن الإخباري وميل هذه الفضائيات إلى تجيير الأحداث لصالح أجنداتها السياسية أو أجندات القائمين والممولين لها على حساب القيمة الإخبارية ومن خلال استخدام أساليب بائدة في تلوين الأخبار وتحريفها عن مواضعها الأصلية’. ـ لك كتاب بعنوان (من يصنع الإعلام)، من يقوم بهذه الصناعة، المحرر؟ أو المشرف؟ أو وسائل الاتصال الفنية، وما أهمية السبق في البث؟* ‘موضوع صناعة الإعلام من المواضيع الشائكة والكبيرة والسرية جدا والخطيرة أيضا، وكما ذكرنا سابقا فإن للإعلام إدارة دولية ذات هوية ضبابية وتحرك بإصبع خفية ما يجري أو يمكن أن يجري في العالم لصالح مبتغاها، على المدى البعيد وليس القريب، الذي ربما يتوهم الكثيرون أنه يجري لصالحهم أو نتيجة إنجازاتهم وجهودهم الوطنية أو القومية. إنها صناعة متقنة، فكما لا تتحمل أية صناعة أو تقنية خطأ تصنيعيا، كذلك عملية صناعة الإعلام. وأنا أذكر أن تقييما عاما صدر من أحد القادة العرب الراحلين حول سقوط وتفكك الاتحاد السوفييتي قال فيه ‘إن الولايات المتحدة الأمريكية لم تهزم الاتحاد السوفييتي بالصواريخ أو بالطائرات ولا حتى بالقدرة العسكرية النووية، لقد انتصرت عليه وهزمته بالإعلام!!’ وكذلك كان شأن العراق وقائد العراق، وكذلك أيضا ما حدث في مصر، ويحدث في اليمن وليبيا وسورية، إن جميع عناصر العملية الاتصالية مسيطر عليها بشكل مثير للرعب فيما لو اطلعنا عليه حقيقة، ولا يفلت من هذا الإعلام إلا الوطني منها وهذا بالطبع يحاصر ويحدد ثم يجعلونه يبدو وكأنه متخلف قادم من كوكب آخر أو أنه إعلام أنظمة وحكومات. إن القوى المسيرة للإعلام في العالم تخدم استراتيجيات المنظمات العالمية التي تعمل تحت قسم الولاء لها، وهي أعلم من الكثير من الحكومات فيما يجري من تحت سطح الأحداث وما فوقها. ولا غرابة أن نعلم أن القيادة العراقية كانت تعلم أن الهجوم على العراق سيكون خلال 48 ساعة أو 72 ساعة عندما وصل فريق الـ CNN مثلا ومعه تجهيزات الحماية الشخصية من القذائف كالخوذ والصدريات الواقية من الرصاص وهكذا’. ـ لك رأي حول تركيا وإيران في المشهد العراقي، كيف تراهما في المشهد السوري حاليا، من خلال قراءتك الخاصة لمن ستكون الغلبة؟* ‘المشهد السوري بدأ الآن يتجه نحو التعقيد، وأنا باعتقادي أن أسباب هذا التعقيد ثلاثة: إيران وتركيا ثم سوء إدارة الحكومة السورية للأزمة. فإيران تعتبر سوريا مثلا قاعدتها المطلة على البحر الأبيض المتوسط وبيضة القبان التي تجعلها قريبة من لبنان وحزب الله ومن الأردن والرغبة الملحة بإيلاج ما يسمى بالثورة الإسلامية الخمينية إليه، وكذلك إسرائيل وما تعنيه من وزن ثقيل في فن إدارة الصراع الإقليمي في المنطقة بالنسبة لإيران تحديدا وكحجة قائمة لتسويق تقربها من الشأن العربي وتدخلها فيه. وهي لذلك كله تدعم الحكومة السورية بما أوتيت من قوة، وقد لاحظ السوريين في مناطق كثيرة تداعيات هذا الدعم وأبدوا تذمرهم منه، وقد كان التعبير عن هذا التذمر بأساليب مختلفة، بعضها مسلح وعنيف. أما تركيا، الجارة القادمة بقوة من ماضيها العتيد في الهيمنة على مقدرات جميع دول المنطقة تقريبا فإنها ترغب، وفي ظل حكومة متوازنة وقوية بقيادة رئيس وزرائها السيد رجب طيب أردوغان، أن تكون لاعبا رئيسيا في أحداث المنطقة ومستقبلها السياسي والاقتصادي، وربما يهم القيادة التركية أن توقف المد الإيراني الكاسح في بعض الدول العربية، وقد حاولت ضمن هذا التوجه كثيرا في العراق، لكنها لم تستطع إظهار هذه المحاولات بشكل فعّال لأسباب عديدة: منها موضوع العقدة الكردية ومخاوف قيام دولة للأكراد في شمال العراق، وثانيا وجود حكومة عراقية مؤيدة وتابعة بشكل شبه تام للإرادة الإيرانية، وثالثا لوجود قوة الاحتلال الأمريكي التي عملت طيلة السنوات الثمانية الماضية على إغماض عينها عن الوجود الإيراني في العراق. إن التدخل التركي في الموضوع السوري كان يبدو بهذه الصورة إلا أن سوء تصرف الحكومة السورية وعدم مقدرتها على حل المشاكل بطريقة موضوعية وحكيمة دفع تركيا للإعلان عن مواقف أكثر تشددا وأكثر ابتعادا عن احتمالايات التنسيق بين الحكومتين لحل مشاكل الحكومة السورية مع شعبها، وبدأت وسائل الإعلام تتحدث عن احتمالايات توتر العلاقات الى الصدام العسكري!!. أنا، وبحسب رأيي وقراءتي للأحداث، أرى أن تركيا تعمل بشكل جيد في موضوع التوازن الإيراني التركي في المنطقة بغياب الدور العربي المؤثر والفاعل، ولكن على تركيا أن تكون أكثر حذرا وأن لا تتهور أكثر في تصريحاتها أو تبنيها لاعترافات رسمية بجهات قد لا تكون بديلا عن الحكومات القائمة بشكل أفضل.
يبقى الجانب الأخطر في المعادلة السورية وهو الحكومة السورية ذاتها، وأنا أحملها كامل المسؤولية عن تداعيات المشهد هناك. نعم، فقد كان بإمكان الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد أن يحسم المشكلة خلال الأسبوع الأول ومع أحداث درعا. ولا أدري لماذا يعتبر بعض الحكام العرب أن إعطاء شعوبهم ما يطلبون من بعض الحقوق والمزايا (تنازلات). ولا أعلم لماذا يلجأ الحاكم لاستخدام القوة المفرطة تجاه بعض من شعبه! إنها مسألة تتعلق بمفهوم السلطة والحكم، فما بني على أساس الشعب لا يمكن إلا أن يصب في مصلحة الشعب، وبالتالي كان على الرئيس الأسد (وما زال) أن يقول: ‘نعم، سنفعل كل ما تريدون وسنمنحكم ما تطلبون، وسنحيل الى القضاء كل من ساهم بإهدار قطرة دم سورية واحدة’. هل هذا الكلام صعب؟ وهل يمكن أن يعتبره أي رئيس نوعا من التنازل لشعبه؟ يا سيدي، اعتبره تنازلا وانحناء، والشعوب دائما تستحق أن ننحني لها’.