القاهرة ـ «القدس العربي» ـ من إسراء إمام: ثمة ظاهرة غريبة في عدد من الأفلام الجيدة التي تم إنتاجها مؤخرا، تتمثل في قدرتها على تشويه محتواها والإساءة إليه في بعض مواطن، وإن ندُرت فهي مازالت مُخلة بالانطباع الكلي، الذي لن يخرج حينها متحررا مما يثقل كاهله بالإشادة الكاملة. ليس ثمة تنازع بين انطباع الجودة والردائة، فالأمر هنا محسوم لمؤشر الجودة، ولكنه مرهون بنسبة على مبعدة من الحسم.
فيلم «الدساس» من هذه الأفلام، التى على الرغم من اختلافها و قدر استمتاعنا بها، تبقى داخل حيز ضيق من طاولة الحُكم بالإيجاب، محرومة من البراح، ملتزمة بالمساحة المحسوبة التي تخطو فيها.
تفرد الفكرة
الإقدام على هذه المعالجة بالذات يعتبر جرأة، وخصوصا أن سوق الإثارة والتشويق في مصر له من الخيبات الكثير، فما بالك بالرعب. وسيناريو الدساس، لم يقف عند حد كونه مرعبا بينما تخطى هذا الطرح ليُقدمه بنكهة كوميدية قوية ونفاذة. والمعهود أن في هذا النوع من خلط المعالجات، قد يُظهِر شيء من التشتت، بما يسمح لأحد الخطين بالقفز فوق الآخر ليتصدر الصورة أمام تراجُع إتقان مثيله الموازي. ولا يسعنا حينها _إن كانت تتوفر المتعة_ إلا أن نقبل بالعمل الفني على علاته، والتعذر بأنه ليس مُطالبا بهذه الحرفية التي تمنيناها. ولكن الدساس فعلها، قدم أوقاتا سخية في إثارة التوتر والذعر، ورافقها في الوقت ذاته بأخرى تبعث على الضحك بفم مفتوح وبلقب ومزاج رائق، وهذا ما يدعو بحق إلى الإعجاب.
هشاشة السيناريو
هذا الظهور المهندم للرعب والكوميديا بالتبعية، جاء مستندا على عاملين أساسيين، السيناريو واختيار الممثلين. فالسيناريو أجاد صياغة هذه المتاهة المحبوكة، بقدر انصهار الممثلين معا بفاعلية دعمت لحظات الكوميديا، ومنحتها خصوصية تشبه كل منهم، وصياغة الإفيه بدا هما مشتركا بين الجميع، يستحق أن يغزلوه غزلا متقنا. في الوقت الذي منحهم فيه السيناريو عتبات تمهيد قوية تتمثل في ظروف شخصيات بعينها، تبعث على الضحك وتخلق استعدادا مشروعا لاستحضار الإفيه على مدار الفيلم.
فأحد الشخصيات يعمل في مجال تدريب كمال الأجسام، في الوقت الذي يمتلك فيه جسدا متلاشيا من فرط هزالته. والآخر يدعى كونه كاتبا لأفلام الرعب، وهو في الحقيقة يحترف اختلاق أجوائها في ديكور بيته وشكل ملابسه أكثر. بينما الثالث يغرق في دنيا المُخدر طوال الوقت، وعلى الرغم من تقليدية السمة التي تخصه إلا أن حضوره كان قويا نظرا لخفة الدم التي يملكها سواء بالفطرة في طريقة الكلام والحركة، أو على مستوى مجهود ابتكار الإفيه.
ومع إهتمام السيناريو بكل خط على حدة، لم يتموع الجانب المثير للفضول و التوتر في الفيلم بالأجواء المنفتحة على الطرح الهزلي، أو العكس. فبدا لكل مشهد حالته وهيبته، بل ساهمت روح الضحكة في التخفيف عن حمل الضغط العصبي على المتفرج في مشاهد الرعب من جهة، وفتح مجالا لقبولها ببعض عثراتها وسذاجتها من جهة أخرى.
تقليدية الحبكة
هي الحبكة التقليدية التي تقوم على جمع أكثر من فرد في منزل تتناثر الأقوال حوله، وعلى الرغم فإن فيلم الدساس يملك كاريزما ما مختلفة تميزه، فالسر لم ينفلت مرة واحدة، وسواء إن اختلفت أو اتفقت مع خط سير الحبكة للنهاية، فإنها تبدو عصية على الاستشفاف، تحض على المتابعة للنهاية لفك تلابيب هذا اللغز. وتطوع التفاصيل التي تم توظيفها جيدا في تدعيم الحكاية، ورفعها إلى مستوى التفكير ومحاولة البحث، مثل تفاصيل «المرايات المغطاة».. «الصور التي يظهر بها بعض الأشخاص مقتولة» وغيرها.
وعلى الرغم من أن هذه الحبكة _في النهاية على وجه الخصوص_ كانت تحتاج إلى الكثير من الجدية في تنفيذها وإظهارها بالشكل اللائق، إلا أننا يسعنا أن نتغاضى عن هذا لاعتبارات إنتاجية قد تكون خارجة عن إرادة صناعه.
الأداء الكرتوني
هذا الظهور الغريب والمقحم بفجاجة لعمرو مصطفى وزينة، بطريقة لم يتم الإعداد لها كليا، وكأنها اكتفت بوجود اسميهما كنجوم، وسربت إحساسا بتسول الفيلم إلى حضورهم وكفى. فلا مانع من تواجدهم ولكن بطريقة لا تمنح هذا الانطباع السلبي عن مناطق خاوية في السيناريو تم ملؤها بأي ترهات. وعلى كل حال هذه الجزئية مخصوص من الفيلم، بدت طفولية هشة، تؤسس لحالة نفور قوية كافية للإنفصال عن الفيلم، فالأداء الكرتوني البائس لسكرتيرات الشركة التي أعدت للمسابقة التي ستتم داخل بيت الدساس، والذى يتمثل في الملابس الغريبة والحركات التناغمية، والنظرات الشرسة الشريرة، كفيلة بأن تودي بك إلى الجحيم في دقائق. ولولا أن الجزئية التي تلتها منذ بداية دخول المنزل، ظهرت قوية بالقدر الكافي، لكان تأثر معيار الجودة الذي كونته كانطباع كلي بخصوص الفيلم.
الطريقة التى تم السرد بها عن عائلة الدساس والهراوي، لم تتناسب أبدا مع هيبة الموقف، وبدت اقرب إلى الفيلم الوثائقي المثير للرثاء، وهنا اهتز السيناريو وتخطى الخط الفاصل بين قدرته على خلق هالة هزلية بأجواء جدية، فلم ينل بخصوص هذا الجزء لا الجد ولا الهزل، ولو لجأ لتقديمه بطريقة أكثر هشاشة وبساطة كان سيبدو أكثر أناقة وفاعلية.
آخر كلمتين:
ـ موسيقى الفيلم، ملفتة ومتناسبة تمام مع أجوائه، في مهمته الشاقة في الجمع بين النقيضين.