الحاجة ‘لاستصلاح’ المثقفين العرب

حجم الخط
0

أيمن خالد ضعف الحكومات العربية القادمة ما بعد الثورات أو قوتها، ليس مهما في المرحلة الحالية، لأن هناك تبدلاً في مفاهيم المرحلة بمجملها، على المستوى المحلي وحتى الدولي، فالضعف الذي يمكن أن تخرج به دول عديدة، أنتجتها الثورات العربية هو أمر لا يخيف، لأن القوة السياسية، والإرادة السياسية، لم تعد بيد أفراد، أو مؤسسات.

فمسألة خروج ونزول الشارع في دولة عربية واحدة، يعني أنه قابل للتكرار في بقية الدول، وهذه الحركة لا ترهق القوى السياسية الداخلية أو الجيش فحسب، ولكنها أيضاً مرهقة على الصعيد السياسي الخارجي، لأن الدول الكبرى التي تصنع اللعبة السياسية، همها الأول هو الاستقرار، والاستقرار فقط، ثم هي ستفكر بخطوة ما بعد الاستقرار.

عنصر القوة الأساس بعد التحرر من الاستعمار كان فيما مضى يتمثل في تماسك الجيش والدولة إضافة إلى بنية اقتصادية قابلة للنهوض، وجمهور عربي واسع يمنح القادة المحررين فرصة من الزمن، ويصبر عليهم، لأن فكرة التحرر من الاستعمار، كانت أكبر من كل شيء، وبالتالي دونها تهبط الأزمات والعلل.

المعادلة القائمة الآن وغداً، لن تقوم أبداً على هذه الفكرة، فهي جديدة بامتياز، وما سينتج عنها جديد بكل معنى الكلمة، فليس هناك عظماء يصفق لهم الشعب، وليس هناك صانع للانتصارات يمكن منحه الفرصة التي يريد، فعموم الشعب هم شركاء في الثورة، شركاء في الحرية، شركاء في الفكرة ومستقبل هذه الفكرة، وعند كل تناقض بين القادة والشعب، فسينزل الشعب إلى الشارع، ويعيد صناعة حراك جديد، يرد به على المستجدات السياسية.

بالنسبة للقوى الخــــارجية، هي بكل وضوح تكتشف أنها أمام معادلة خطرة للغاية، فهي مضطرة لأن تلعـــب لعبة مكشوفة، فلا مجال لسياسة الغرف المغلقة، ولا يستطيع أي ســــياسي في أي دولة عربية تحررت أن يلعب من وراء الكواليس، فالشارع العربي المراقب على الدوام، ليس بالإمكان خداعــــه، أو الالتفاف عليه، وهنا ستجد القوى السياسية الخارجــية الفــــاعلة، ستجد نفسها، أمام معادلة غير مسبوقة، فهي ستتعامل مع شعوب عربية، وليس مع حكومات فحسب، وهذا هو جوهر الحراك السياسي المستقبلي.

الآن ولظروف عدم تمام معادلة الثورات العربية، لا يزال الحراك الشعبي ضمن دائرة القطر العربي الواحد، ومع اكتمال حلقات التحرر العربية، سيكون هناك حراك شعبي يفرض معادلات عربية-عربية، فمسألة وجود مليون عامل مصري في دولة خليجية، سيكون المنطق الطبيعي بدلاً لمليون عامل آسيوي، فحركة التجارة، والعمالة، وما يترتب عليها، سيعيد إنتاج العالم العربي بمجمله، على الصعيد الداخلي، وهو ما ستساهم به حركة الشعوب العربية، بغض النظر عن رضوخ حكام بعض الدول التي لم تدخلها لعبة الثورة، والتي لن تدخلها لاعتبارات عديدة، لكن هذه الدول، والخليجية منها، لا تستطيع أن تنفصل شعوبها عن المنطقة، وإذا كانت الاستثمارات الخليجية الضخمة داخل مصر لا تزال تحت تأثير القرار الأمريكي، فهذا كله مجرد عامل مؤقت، لا تملك أمريكا ولا أي قوة في العالم، أن تخضع شارعاً وشعباً للابتزاز، وعلى العكس تماماً، فإن الغرب بمجمله، معني باستيعاب نتائج الثورة العربية، والتعامل مستقبلاً ضمن هذه الفكرة.

هناك عامل أساسي وجوهري وهو الإعلام الذي أصبح محركا أساسيا من خلال نقله للمعلومة التي تصل لكل البشر معا وبلحظة واحدة ولم يعد إعلام الدولة الواحدة الداخلي يقنع المواطن الذي بات يبحث عن تعدد الآراء وتعدد مصادر المعلومات وبالتالي فإن ما يفعله المواطن من البحث عن مصادر متعددة للمعلومة هو ما كانت تفعله الدولة وأيضا الدول العظمى فالمواطن والدولة والمؤسسات ومراكز الأبحاث كلهم أصبحوا شركاء في البحث عن مصدر المعلومة وبالتالي فالمواطن هو قريب جدا من همسات السياسيين بل كاد المواطن أن يكون شريك الساسة بما يهمسون في قلوبهم وما لم تصدح به ألسنتهم.

ليس صحيحاً ما يرمي به المثقف من خيالات، عندما يحاول أن يصور المشهد، فالمثقف العربي الذي لم ينزل إلى الشارع، ولا يزال يقف على الشرفة ويرسم صورة الحراك من الأعلى، من الصعب عليه أن يحدد نبض الشارع، وحجم الحرارة في هذا النبض، فيبدو هذا المثقف خائفاً، فتراه يميل إلى فكرة (استصلاح الشارع) بما يعنيه هذا المصطلح من معاني قاسية، وبهذه الرؤية الفوقية لا يرى السياسة ولا ما تنتجه حركة الشارع على المستوى الداخلي والخارجي.

نحتاج إلى استصلاح عقول آلاف المثقفين التي لا تزال تعيش في صحراء الزعماء العرب.’ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية