الأردن: صلاحيات الملك ومنهجية مكافحة الفساد

حجم الخط
0

د. لؤي منور الريماوي في البداية لا بد أن نعرب عن عميق تقديرنا للمكالمة الهاتفية التي تلقيناها مؤخراً من الديوان الملكي الهاشمي والتي تفضل من خلالها السيد أمجد العضايلة، مستشار الملك الاعلامي، بنقل تحيات الملك الشخصية لنا وتقديره لجهودنا الوطنية في خدمة الأردن في الساحة الاعلامية الدوليّة والأكاديمية البريطانية. كما نشكر الملك لكرمه بتفضله بارسال نسخة موقعة منه شخصيا من كتابه الأخير ‘الفرصة الاخيرة’. ولا بد كذلك الاشارة هنا إلى ان إعتزازنا العميق بالعائلة الهاشمية يرجع إلى عدة سنين ومنذ أيام دراستنا المشتركة في جامعة كمبردج حيث وجدنا في زملائنا الأمراء الهاشميين كل الأخوّة الصادقة ومن خلال مناقشاتنا العديدة والخاصة لمسنا منهم الثقافة العالية، الحرص الوطني والالتزام بقضايا الوطن والأمة. كنا دائماً ضد الشللية والمحسوبية نؤمن بالعمل الموضوعي الجاد في خدمة الأردن في ظل وحدة وطنية دستورية، وبناءً على هذا فلقد كنا من أوائل الأردنيين من جيلنا والذين وصفهم الملك الراحل الحسين طيب الله ثراه من خلال المخاطبات الرسمية ‘بالصديق’ ونحن كنا لم نتجاوز الثالثة والعشرين من العمر بسبب دفاعنا الشديد عن الحسين رحمه الله في مجلات الابحاث الاكاديمية البريطانية وكبريات الصحف الدولية الأجنبية.

ففي ظل منهجية العمل هذه والتي هي عنوان لكل أردني مؤمن بنهضة الأردن ومقدرته المطلقة على تجاوز كل الصعاب نستغرب التشكيك بجديتنا في الأردن على إحراز الإصلاحات.

ومع كل احترامنا لكل المعلقين على الشأن الأردني نقول أن جدية الملك عبد الله الثاني في مجال تفعيل اصلاحات جذرية تجعل من الاردن نموذجاً شرق اوسطياً هي ليست مجالاً للشك او المساومة. نحن لنا هويتنا الوطنية والتي يعززها الملك برغبة إصلاحية لا تقبل اي تدخل أجنبي أو مجاملة على حساب الوطن. ونذكر هنا انه بالرغم من الضغوط الاميركية لان يكون الاردن اكثر إنخراطاً في عملية سلمية تديرها سلطة فلسطينية وُجدت فقط لخلق الشرعية الدولية لاسرائيل وإصهارها في العالم العربي والاسلامي، فلقد صرح الملك عبد الله الثاني وفي اكثر من مناسبة وبكل شجاعة بأن اسوأ ايامه المهنية كانت عندما يقابل رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو. وعلى المستوى الشخصي، فلقد كان لنا الشرف أن ننشر في الصحافة الدولية، وفي مناسبات عديدة، المقالات التي تدافع عن حق الشعب الاردني بعدم التطبيع مع إسرائيل. وفي هذه المناسبة لا بد ان نقولها وبكل وضوح بأن اللقاءات والمسلكيات التي تعطي انطباعا بقبول الفساد باعتباره وسيلة مشروعة وبقبول شخصيات الفساد سواء من شرقي النهر او غربيّه فإنها لا تمثل قيمنا الأردنية النبيلة والتي هي اكبر وأعظم من الساسة الذين كبروا فقط في اوهامهم بأن الأردن والأردنيين سيكونون وكراً لهم ولفسادهم. ونقول لهم بأن حفنة من تراب الاردن هي أثمن وأغلى من كل ملايين الفساد التي جمعوها ظناً بأن يوم المحاسبة الشعبية هو يوم بعيد.

وحتى نساهم بإظهار الجانب الحقيقي لمحاولات الأردن في مكافحة الفساد وكيفية تعزيز هذه المحاولات من خلال ربطها بمفهوم الامن القومي الاردني حيث نكون الدولة الشرق اوسطية الوحيدة في هذا المجال فنحن الآن نعمل على تخصيص جلسة خاصة عن الاردن ستكون الاولى لدولة عربية منذ ثلاثين سنة وذلك بالتشرف بدعوة الملك للحضور كضيف الشرف على مؤتمر جامعة كمبردج السنوي لمحاربة الجرائم الإقتصادية والذي يُعدّ أكبر وأهم مؤتمر دولي متخصص، والذي نحن عضو فيه خلال السنوات الخمس عشرة الماضية حيث كنا مثلا قد تحدثنا في العام الماضي عن دور الشريعة الاسلامية السمحة كمصدر قانوني في الدساتير العربية والاثار القانونية المترتبة على بعض العمليات التجارية.

فنحن في الاردن نعتز بكل أجهزتنا ونعلم بأن تصحيح الأخطاء ما هي إلا مسألة وقت في ظل تصميم الملك عبد الله الثاني الذي لا رجعة عنه في أحداث التغيرات الشاملة. هذا الاصلاح سيشمل كل الملفات لا سيما وأن خطر الفساد أصبح الآن وجودياً علينا. ولا بد كذلك من الانتهاء وبطريقة مطلقة من سياسة ترهيب الناس في جميع أشكالها. كما يجب استخدام القوة ضد الشعب الأردني في ظل ظروف محدودة جدا تكون واضحة وبطريقة تجعل الاردن يظهر في شكل ايجابي امام العالم، وليس كما حدث مؤخرا في 15 تموز/يوليو. فلقد حققت قوات الأمن الأردنية خطوات كبيرة في محاولاتها لتحسين حقيقي في تعاملها مع مواطنينا. ولكن جهودا كبيرة ما زالت بحاجة إلى أن تستثمر من أجل ضمان أن الطريقة الوحيدة للتواصل مع الأردنيين هي من خلال المنطق والحجج التي تصب فقط في المصلحة الوطنية. فإن أي منهجية أخرى تمثل الفشل الذريع الذي سيجلب كارثة سياسية واقتصادية للبلاد.

كذلك يجب علينا خلق ربط عضوي بين مفهوم الامن القومي للاردن والنجاح في مكافحة الفساد في ظل تخفيف العبء الأمني على المواطنين حتى نطوي صفحةً إقترب منها الفساد إلى العديد من دوائرنا الخاصة والحكومية وأثقلت على كاهل المواطن بالموافقات الامنية وغيرها من التعقيدات والتي يجب أن تنتهي وبغير رجعة. فنحن كأردنيين لسنا بحاجة إلى بحث مثل هذه المواضيع مع السفارات الأجنبية أو إقتناص المناسبة لتحريك المظاهرات، خصوصا إن الأردن مصمم على المضي قدما في عملية الإصلاح أكثر من أي وقت مضى.

ورداً على من ابتدعوا مصطلح ما يسمى ‘بتحديد صلاحيات الملك’ نقول ان هذا الطرح مرفوض جملة وتفصيلاً. ونقول انه على العكس فإنه اكثر من اي وقت مضى ومن قبيل الضرورة القصوى فإن الاردن بحاجة إلى حضور الملك الفكري المكثف على الساحة الداخلية الاردنية حتى تُسد كل ثغرة على من تسوّل له نفسه استغلال هذه الفترة الحرجة لاجندتهم الخاصة او الحزبية. بالإضافة إلى ذلك، ففي ضوء الارتباك العميق وفي ظل وجهات النظر المتعارضة جدا والتي تأتي من جميع الاطراف في المجتمع الأردني، الملك، أكثر من أي وقت مضى يشكل منارة للاتجاه المستقبلي للمملكة الأردنية الهاشمية والتي تجسد كل المفاهيم العصرية في العدالة، الإنصاف، سيادة القانون والتماسك الاجتماعي. في الواقع، الملف الداخلي هو الآن أهم ملف في الأردن. وترك ذلك للمصالح الضيقة التي تقاتل بعضها البعض في المملكة لن يؤدي إلا إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار، والذي له عواقب وخيمة للغاية إذا ما استمر على هذا المعدل الخطير.

وبالمناسبة لملف الفساد فنقول وبكل وضوح أن من كان يعتمد على امريكا وعملائها في المنطقة كغطاء لعمليات السلب والنهب مستغلاً اصالة هذا الشعب الاردني وإخفاء الحقائق عنه فلقد تغيرت المنطقة مئة وثمانين درجة. فلقد رأينا مبارك وزمرته رغم كل ما قدموه من خدمات لإسرائيل والولايات المتحدة وتعاونهم الامني الوثيق مع وكالة المخابرات المركزية ملفوظين من امريكا وعملائها خلف قضبان السجون كما يستحقون.

فلن يكون الفساد والاستهتار بالوطن والمواطن البسيط عنواناً لنا في الاردن وسنحفر خطانا المباركة في صخر الانتماء لكل تراب هذا الوطن في ظل الخطوات الواثقة والأكيدة للملك عبد الله الثاني وكل رموز الشرف والرفعة في هذا الوطن الواحد. ‘ محاضر اردني زائر في جامعة كامبريدج ورئيس برنامج الماجستير في القانون المالي الإسلامي في جامعة BPP/ لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية