هل حلّ زمن الفرار؟!

حجم الخط
0

فــاروق وادي

عندما يُصيب الرِّجال العطب، في رواية ‘وقائع حارة الزعفراني’ لجمال الغيطاني، ويفقدون قدراتهم الجنسيّة بشكلٍ جماعيّ لم ينج منه أحد من ذكور الحارة، تُلغى في الزعفراني عبارات السلام العاديّة التي كانت متداولة قبل أن يعمّ الوباء، وتُستبدل التحيّة التقليديّة بعبارة جديدة تناسب زمانها المنكسر: ‘هذا زمن الفرار’! . فما أن يحلّ العجز، بإحباطاته وانسداد الآفاق أمامه، وغياب الأمل عن إيجاد حلٍّ للخروج من المأزق المستعصي، فإن زمن الفرار يكون قد حلَّ، بمقترحه الجاهز الذي لا يتطلّب أكثر من إدارة الظهر للمشكلة والانطلاق بعيداً نحو أوهام الحلول.

حالة العجز تستدعي لدينا مجدّداً شخصيّة سائق الصهريج، في رواية غسّان كنفاني ‘رجال في الشّمس’. فأبي الخيزران، الذي يحمل في خزّان سيّارته عدداً من الرجال الفلسطينيين الهاربين من مواجهة المشكلة بعد النكبة، التي حلّت بهم وبشعبهم، والتي قادت إلى رحيلهم عن أرضهم، وجاءوا ليقطعوا الحدود الجحيميّة في الصحراء بين البصرة والكويت، التي يطمحون إلى دخول جنتها مهرّبين. ذلك الرجل، كان يحمل واحدة من الصفات التي حملها، بعد سنوات، رجال الزعفراني. فأبي الخيزران، كان أيضاً عاجزاً جنسياً، وكان قد فقد عنوان ذكورته في فلسطين، عند سقوطها في أيدي الغزاة الصهاينة. الرجل المعطوب، لم يجد في زمن الفرار، سوى أن يقود الرجال الهاربين إلى مدن الملح والنفط وأوهام الرخاء وحلول الحياة البديلة. غير أن خيار الفرار لا يقودهم إلاّ إلى ملاقاة حتفهم. ففي صهريج الماء الفارغ الذي حملهم عبر الحدود، يلفظ الرجال أنفاسهم اختناقاً في الحرّ القاتل والهواء الخانق المكتوم. لينتهون جثثاً هامدة يُلقيها أبو الخيزران في إحدى مزابل الصحراء النائيّة. ولا يجد الرجل العاجز سوى أن يُطلق الصرخة التي يدينهم فيها ويُحمِّلهم مسؤوليّة موتهم، لأنهم لم يطرقوا جدران الخزّان!

لم يكن السؤال الصرخة: ‘لماذا لم تدقوا جدران الخزان’، سوى التعبير عن وعي الكاتب نفسه، الذي تجاوز بسؤاله مجرّد لوم الضحيّة، إلى ما انطوى عليه النداء الجارح، المُجرّح، المتردِّد برجع صداه على مدى الصحراء، من رؤية تحضّ، رغم النبرة اللوّامة المنكسرة، على المواجهة، والثورة على شروط البؤس التي حدت بالرجال إلى رحيل يخفي وراءه موتاً صحراوياً مجانياً تُلقى فيه الجثث على مزبلة الجغرافيا البعيدة، والتاريخ.***لم تمضِ بضعة شهور على تحقيق الانتصار المجيد لثورة 25 يناير المصريّة المجيدة، حتّى أخذ اليأس يتسرّب إلى نفوس العديد من المثقفين الذين طالما كتبوا، إن لم يكونوا قد دفعوا ثمناً باهظاً، من أعمارهم وكرامتهم ولقمة أبنائهم، من أجل بلوغ تلك اللحظة التاريخيّة التي انصاع فيها الطاغية لإرادة الشعب.

والحقيقة أن رياح التغيير لم تجر في مصر الثورة، حتّى الآن، كما اشتهت سفن ربابنتها من أبناء الشعب العظيم، الذين صنعوا فجر التحوُّل الكبير وبدايات التغيير. فثمّة قوى محليّة قديمة عاشت ونمت على الفساد، ما زالت تحشد طاقاتها لوقف مسار الزمن وتحولاته الانقلابيّة الجذريّة، فالتغيير يمثِّل فعلاً يناقض مصالحا وامتيازاتها. وهناك قيادة عسكريّة متردِّدة، هي بطبيعتها لا تتسم بالجذريّة، وتغيب عنها القدرة على التغيير أو الرغبة في إحداثه. وثمّة حكومة بالغة الضعف والتهذيب ولا تمتلك أيّة نزعة صداميّة، حتّى مع مجموعات البلطجيّة الذين يعيثون في مصر فساداً، ناهيك عن انتماء العديد من وزرائها إلى العهد المخلوع. ذلك إلى جانب وجود قوى سياسيّة دينيّة تقليديّة انتهازيّة اندفعت دون ضوابط لسرقة الثورة وتجييرها لنفسها. ولن ننسى أن ثمّة ثلاث قوى أخرى خارجيّة تواصل اللعب على غير مستوى: إسرائيل بجواسيسها ومؤامراتها التي لا تتوقّف، وأميركا بضغوطاتها على الثورة والالتفاف، والقوى النفطيّة العربيّة التي توظِّف أموالها لمحاصرة الثورة وخنق أحلامها.

هذه القوى، سواء في الداخل أو الخارج، مهما تآلفت وتحالفت واستقوت على السلطة المصريّة التي جاءت بعد الثورة وبدت مستجيبة، إلى حدّ ما، لطموحات الشعب في التغيير، وضغوطاته من أجل محاسبة رموز النظام القديم المسؤول عن خراب مصر، تتطلّب من قوى الثورة مزيداً من الإقدام، لا الإحجام. بمعنى أن معركة مواجهة قوى ‘الثورة المضادة’ تستدعي الهجوم والمواجهة.. المجابهة، لا الفرار!***الفرار، هي المفردة التي لم يتردّد الكاتب المصري عزّت القمحاوي من استخدامها في مقال له (‘المصري اليوم’ 28/6/2011) يتحدّث فيه عن مغادرة مصر الآن.. مصر ما بعد الثورة، هرباً، للعمل في إحدى دول النفط العربي، حاشداً فيه الوقائع البيروقراطيّة الغريبة التي يعانيها المواطن في مصر وهو يستخرج ورقة عاديّة من الأحوال المدنيّة، والتي تكاد في تعقيداتها واستحالاتها أن تقوده إلى الجنون.

لكن الحقيقة التي يعرفها كاتب فائق الحساسيّة ومثقف مشهود له بسعة الاطلاع، وبمواقفه الوطنيّة والتقدميّة، وبحرفيته الكتابيّة العالية، هي أن المواطن المصري لو واجه البيروقراطيّة منذ زمن بعيد، بالفرار من بلده، لكانت أمّ الدنيا الآن خاوية على عروشها، تسرح فيها الأشباح ويغيب عنها البشر.

لا يعني ذلك أننا ندافع عن البيروقراطيّة ونعتبرها قدراً مصرياً لا فكاك منه، وجزءاً لا ينفصل عن ‘ شخصيّة مصر’، فات جمال حمدان أن ينتبه إليه. ولا نحن نتقبّل أن تكون هذه الآفة المستحكمة باقية، في زمن نريد فيه أن نرى مصر ما بعد الثورة، نظيفة وعفيّة، تتحقق فيها العدالة، والحريّة، والخبز، وفرص العمل والإبداع، لكلّ أبنائها، وتتهيّأ فيها كافة الشروط الموضوعيّة لقيادة الأمة نحو أحلامها.

ثمّ إننا لا نجد في الخيارات الفرديّة لحلّ المشكلات الذاتيّة بالاغتراب عن الوطن، دائماً وفي كلّ الأحوال، كارثة تشرف على الخيانة. فالإنسان موقف لا موقع، وانتماء للوطن بأنينه وجراحه، رغم البعاد وقسوة المسافات. ولكن أن يصبح الفرار مكسباً شخصيّاً وامتيازاً، وهو الحلّ الأمثل الذي يجدر بنا أن نحشد له التبرير والتنظير ونبحث له عن المسببات، فذلك ما يثير الدهش والأسئلة، وربما الحزن أيضاً.

عزت القمحاوي، ينهي مقالته التي يُنظِّر فيها للفرار بالقول: ‘عُدتُ لأحمل أولادي إلى مغتربي، مشفقاً على من لم يتحصّل على فرصة للفرار’! قد تكون الشّفقة واجبة. ولكن، من يشفق على من؟! كاتب من فلسطين [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية