موسم أصيلة الثقافي الدولي 33علي البزّاز انشغل المثقف العربي بإضفاء التنوير والريادة على دوره في الحياة الثقافية تمهيداً لاشتغاله لاحقاً تابعاً لسلطة السياسية والدينية، خاضعاً وليس مقوّماً لها. ففي الوقت الذي يجاهر به في محاربة الفكر الديني السلفي، يتبنى مفهوم الاصطفائية، النابع من ذات الفكر الديني الذي يعاديه، لان هذا المفهوم يُنصبه حاكماً على الحياة، معصوم الخطأ، واسع التمتع بامتيازات السلطة الثقافية. أتاح منتدى أصيلة وعلى مدى يومي10و 11/07 ندوة ‘انحسار دور النخب العربية في حركات التحديث: الاسباب والمعوقات’ فرصة جدية للمثقف، لمناقشة دوره الحقيقي في خضم الثورات العربية، متعرّفاً حجم الدور هذا: هل هو يتشدق التحديث أم فاعل اساسي في بنية التغيير ضمن مشاركين آخرين؟ أي ليس رائداً وحيداً، وعليه ان يستغني عن دور الاصطفائية وتبجح الريادة. وهذه الندوة فكرة ‘تنظيم مؤتمر عربي كبير حول النخب العربية، تنوي مؤسسة أصيلة تنظيمه، في موسمها الثقافي الدولي المقبل عام 2012، تدعو اليه صفوة من المفكرين والمثقفين والكتاب والاعلاميين العرب ‘انشغل المثقف متوارياً خلف عجزه عن المشاركة في التغيير العربي الراهن الذي فاجأ مجمل تصوراته، بالدخول في الشروحات والتفاسير عن ماهية الحراك العربي، هل هو ثورة، أم انتفاضة، أم انقلابات مجتمعية؟ عارضاً ثقافة الانشاء التي يجيدها بدلاً من تلقف الفرصة التاريخية كي ينقلب على ذاته. أليس تغيير الذات ابداعاً؟ يقول جلال الدين الرومي’ أكتبْ بلغة جديدة كي يصبح العالم جديداً’. بدأت الندوة بلغة صريحة ‘المثقف العربي في حيرة إزاء ما يحصل في الشارع’ هذه العبارة كافية لتنزع دور الريادة عن المثقف، لم يستطع لغاية الان ان يفهم ما يجري، على الرغم من كل تنظيرات الثورة والحداثة. ‘مثقف لا يزال رهيناً للغفلية’ تحوير مقولة بلانشو. ثمة من اقترح استبدال عبارة ‘انحسار دور النخب’ مقترحاً ‘صعود وهبوط’ مطالباً بالتخلي عن اصرار استعمال مصطلح النخبة، ولكن هاتين الكلمتين، تقودان الى تثبيت مصطلح النخبة، وليس الى الغائه، فالنخب باقية بحضور دورها، بغض النظر عن هبوط وصعود فاعليته، مما يتعارض مع رأي آخر ‘أن تأريخ النخب العربية منذ ابن تيمية ولغاية الان، هو تاريخ اقتران بالحاكم، وتاريخ سلفي’ مشيراً الى دائنية المثقف الى السلطة، وهل يستطيع المديون الى تبعية اقتصادية وسلطوية، ان ينتج الفكر التحرري؟. تكمن العلة في التصور البنيوي لكلمة ‘النخب’ أسوة بغالبية المصطلحات المستعملة في اللغة العربية، اذ ينظر اليها باعتبارها كلمات أو مصطلحات انشائية، وليست مفاهيم. مثلاً، الشجاعة مفهوم يختلف عن البطولة، والنخب مفهوم، والهوية مفهوم، وبما أن اللغة العربية ذات دلالات وصفية هائلة، تجعل المشتغل على هذه المفاهيم، أسير الانشاء اللغوي، بعيداً عن تفكيك الكلمة وعلاقاتها الدلالية. المفهوم يتطور، ويغير استعمالاته. فالكرسي ليس استعمالاً للجلوس فحسب، انما مفهوم أيضاً، يحتوي طاقة السلطة، ولذا يجلس السلاطين على دكات مرتفعة، تُقيهم مستوى الجلوس مع عامة الناس، فالعلو هو سلطة تستفيد من المكان لتبسط نفوذها. يستشف المتابع لتطور صناعة كراسي السلاطين العثمانيين، بان الكرسي يعني الحاكمية، فقد تطور كرسي السلطان العثماني من كرسي متقشف زاهد، مستبطناً الورع الديني، إلى كرسي فيه أبواق الحروب وصور السفن، أي محاكاة الدولة المدنية. اذاً، يجب استحداث مفهوم جديد ‘للنخب’ متماشٍ مع الرأي ‘ان النخب من فعل نَخب’، هنا تورية تقول: من انتخب هذه النخب كي تجعل نفسها حُكماً وحَاكماً؟. في المقابل، ثمة رأي جديد على ثقافتنا العربية، المتداول منها والسائد، يشير الى التجربة التركية ‘ان الشعب التركي الوحيد، الذي اختار نخبه الثقافية والاعلامية وقدمهم بالانتخاب الى النخبة السياسية.. في تركيا اليوم لجان للتفكير الاستراتيحي ترسم السياسات، لا يتقاضى منتسبوها الرواتب’. علة المثقف العربي في بطالته، في المال، واذا أصبح غنياً تضيق عليه وسائل انفاقه. في باريس، توجد مكتبة للشاعر والت ويتمان، قُدم فيها جيمس جويس، الان يرتادها الناس للقراءة وفيها أماكن للنوم. هل يوجد مثقف عربي ساهم في بناء مكتبة أو مقهى ثقافي؟ هناك مثقف يساوي بين الحاكم والشعب، ويلقي بالجرائم على الحزب، الذي لا قوة له، مبرئاً ذاك الحاكم في رسالة اليه من البطش والقتل! هل يحق للثقافة أن تُسوّد الضحية؟ تباينت الاراء في ندوة ‘انحسار دور النخب في حركات التحديث العربية’ ثمة من يدعو الى ‘ثقافة التشظي والانفصال، هرباً من ثقافة الحزب الواحد والحاكم الواحد’، وآخر يُصرّح بانهيار الدور الفردي للمثقف، مطالباً بتأسيس دور’جمعي مؤسساتي’. المؤسسة اليسارية، قد ‘خانت دورها الشريف ابان ثورة 25 يناير’. يظل هذا الحوار مطلوباً وفاتحاً تصوراً علمياً للمجتمعات العربية، مطالباً باشراك المشتغلين في حقول ‘الطاقة والتكنولوجيا’ فيه، ومستهجناً اقتصاره على الحقول الادبية والانسانية. هناك جيل يولد الان من رحم التكنولوجيا، من ثقافة الانترنت التي يرفضها البعض، معتبراً اياها ثقافة استعمارية عولمية. يبدو جيل الشباب في قطيعة مع الجيل المرّسخ ‘نحن مرفوضون من جيل الشباب’، الزعامات الثقافية التقليدية التي يجب ان نفتح الحوار الان لمناقشة منجزها، الذي تسيّد في غفلية من التقويم الجاد. إذ تسيّدت هذه الزعامات وبقيت حاكمة، إمّا بسبب رنين اسمائها، أو بفضل مرحلة تأريخية معينة، أو نتيجة موقع بلدانها، أي ليس بفعل منجزها الثقافي. ثمة من يقول ان مصطلح ‘النخب’ فيه استعلاء، ومشحون بالتبجح، ويطالب باستحداث مفهوم الطاقة أو القوة بديلاً منه، فالطاقة مفهوم تداولي، انساني شامل غير نخبوي. ماذا نسمي شباب الفيس بوك وتويتر، هل هم ‘نخبة تكنولوجيا’. اذا، نخب كثيرة منها ‘نخبة التفتيت’. يجب اعادة النظر في مفهوم المثقف. قد تجاوز دولوز مفهوم الفلسفة التقليدي عندما قال ‘الفلسفة ابداع مفاهيم’ وتجاوز ايضاً مفهوم المثقف التقليدي، عندما أعلن النجار كما الطبيب مبدعاً، يقول ‘يُصبح الطبيب مبدعاً، اذا استسلم الى اشارات المرض، ويصبح النجار مبدعاً، اذا استسلم الى اشارات الخشب’، أمّا الثقافة العربية فهي أسيرة مفهومي النخبة/ الرسولية. ها هو النجار المبدع بالمفهوم ‘الدولوزي’ يُطيح باصطفائية المثقف العربي، عندما يشاركه الابداع. لا يكتمل حوار الثقافة المتكافئ، الاّ بتخلي المثقف عن دوره الرسولي، مشاركاً الآخر (النجار والطبيب) حوار المعرفة، معلناً اياهما مبدعين وإن لم يؤلفا الكتب. غالبية المداخلات اعتمدت الشفاهية او الملاحظات، ولم تقدم في ورقة فكر مكتوبة، يمكن التأسيس عليها بالرغم من أهمية الموضوع. وعليه، بسبب الاستماع، يتجه الانتباه الى اسماء المشاركين فقط من دون التعرف على ارائهم مكتوبة، أي ثقافة استماع، وليس ثقافة تأسيس. وبحسب الكاتب عبد السلام بنعبد العالي ‘ثقافة الاذن وثقافة العين’. تتجه السلطة الآن إلى تحديث وسائل المشاركة السياسية مع الشعوب، ويظل المثقف العربي للأسف متمسكاً بسلطة الريادة. ثمة حلم بزوال الطغيان السياسي، وشكّ باندحار الطغيان الثقافي، لانه الممهد للاستبداد والمشرعن له، وهو حرباء الضمير.
شاعر وناقد فنيّ عراقيمقيم حالياً في الرباط[email protected]