ابراهيم الهنقاري تعود معرفتي وعلاقتي بالدكتور شكري غانم الى سنوات الدراسة في الجامعة الليبية في بنغازي وكنت وقتها ادرس في السنة الثالثة في قسم الفلسفة والاجتماع بكلية الآداب، وجاء الطالب شكري محمد غانم كاحد طلبة الدفعــة الاولى في كلية التجارة والاقتصاد وهي الكلية الثانية التي تأسست في الجامعة الليبية العتيدة حتى ذلك الحين وسرعان ما اكتشفت ان هناك الكثير من التشابه والانسجام في الأفكار بيـــني وبين هذا الطــالب الجديد ولم تمض بضعة اشهر حتى توطدت العلاقة بيننا وسرعان ما اصبحنا صديقين قل ان يفترقـــــا الا في ساعات المحاضرات ومرت سنتان تخرجت بعدهما من الجامعة وتركت بنـــغازي وشكري وتوقفت تبعا لذلك اتصالاتنا اليومية ولكننا كنا نلتقي كلمــــا سنحت الفرصة ولاسيما خلال العطلة الصيفية حينما يعود شكري الى طرابلس وظلت علاقة الصداقة والمودة قائمة ولم تنقطع أبدا حتى يومنا هذا وكما بدأت حياتي العملية بعد الجامعة في قطاع الاعلام في دار الاذاعة الليبية شاءت الأقدار ان يبدأ شكري حياته العملية هو الاخر في قطاع الاعلام في وكالة الأنباء الليبية. ثم شاءت الأقدار بعد ذلك أيضاً ان ينهي كل منا حياته في خدمة الدولة الليبية في قطاع النفط وعادت علاقتنا بعد الالتحاق بالعمل الحكومي الى ما يشبه تلك العلاقة التي كانت بيننا خلال سنتين من ايام الجامعة الليبية وحينما كنا نلتقي احيانا لنتدارس أحوال الوطن سواء قبل انقلاب سبتمبر اوبعده كانت آراؤنا وأفكارنا تكاد تكون متطابقة ثم جمعتنا بعض سنوات الغربة خارج الوطن وفرقت بيننا الى حين سنوات قضاها شكري في الدراسة العليا في الولايات المتحدة واخرى قضاها في فيينا حينما كان يعمل في منظمة الأقطار المصدرة للنفط وان لم ينقطع التواصل بيننا كلما وجدنا الى ذلك سبيلا الى ان فوجئت ذات صباح بخبر لم اكن اتوقعه بل لم يكن ليخطر على بالي أبدا كان ذلك الخبر الذي نزل علي كالصاعقة هو ان الدكتــــور شكري غانم قد عين أمـــينا (وزيرا) للاقتصاد في منظومة انقلاب سبتمبر هذه المنظومة التي لم يكن يوما يؤمن بها وكان دوما ينتقدها وينأى بنفسه عنها وعن كل من قبل من الليبيين ان يكـــون جزءا منها في البـــداية لم اصـــدق الخبر غير انني وجدت نفسي وجها لوجه امام المثل الذي يقول: ليس الخبر كالعيان فها هو صديقي شكري غانم جالس في قاعة ما يسمى بمؤتمر الشعب العام جنبا الى جنب مع كل اولئك الذين كنا معا لا نترك كبيرة ولا صغيرة من النقائص الا الحقناها بهم ولا كبيرة ولا صغيرة من تصرفاتهم الا انتقدناها حاولت الاتصال به دون جدوى فقد تغيرت أرقام هواتفه ولم اكن اعرف هاتفه الوزاري الجديد وفجأة وجدت قلمي يبحث عن ورقة لكتابة رسالة اليه تغني عن كل استفسار او عتاب اخر. كان لابد ان تكون تلك الرسالة سرية بحكم وضعه الجديد كجزء من منظومة أيلول الاسود كما كنا نسميها معا وبحكم وضعي في ذلك الوقت كمواطن ليبي يعيش في المهجر وحرصت على ان تصل الرسالة اليه وان يستلمها هو شخصيا وقد تم ذلك بالفعل واعتذر من صديقي العزيز واستأذنه في نشر بعض ما جاء في تلك الرسالة تعميما للفائدة ولأن دواعي السرية لم تعد قائمة بعد ما اقتربت الساعة ساعة خلاص الوطن وانشق شكري قلت له:
لحا الله المظنة والتجني. ‘اكاد اشك فيك وانت مني’ لحاها الله أنباء توالت. على سمعي الغداة بغير إذن بأن صديق عمري صار جزءا. من الكرب العظيم وليس مني اتذكر كم تواترت الليالي. تحدث عنك يا شكري وعني؟ وما كنا نقول اذا التقينا. وما لاقيت من ظلم وغبن فكيف رضيت ان تغدو وزيرا. لمن تدري ومن إياه اعني؟
ورايك في السياسة مثل رايي. وشأنك في الوزارة مثل شاني؟ وان تك تلك أمنية وطالت. ‘ وما نيل المطالب بالتمني’ فان الأمنيات لمثل شكري. لأكبر من ‘ امين’ مستكن فدع عنك الوزارة واجتنبها. وعد لمكان عزك في ‘ فيني’. ولم تمض بضعة اشهر على هذا الخبر الصاعق حتى جاءت الأنباء بالطامة الكبرى كانت تلك الطامة الكبرى هي اختيار الدكتور شكري غانم ومن رأس النظام شخصيا لشغل منصب ‘امين اللجنة الشعبية العامة ‘ وهي التسمية التي اخترعتها منظومة سبتمبر لما يعرف في الدول المحترمة بالحكومة او مجلس الوزراء ما يعني ان صديق عمري المذكور قد تورط اكثر في وحل تلك المنظومة وكان ذلك اخر ما كان يمكن ان اتوقعه؟ هل يمكن ان يكون شكري غانم الذي اعرفه هو نفسه شكري غانم الذ اصبح اليوم على رأس حكومة ‘الثورة ‘ ؟ وأية ثورة؟ انها الثورة التي كنا نقول عنها معا انها مؤنث ثور اجل لقد كنت أنا وهو نردد دائماً انه لم تقم أية ثورة بعد في العالم العربي وان جميع الانقلابات العسكرية التي شهدتها بعض الدول العربية من حسني الزعيم الى اخر انقلاب في موريتانيا ليست اكثر من عملية اغتصاب غير شرعية للسلطة من قبل مجموعة من المغامرين من الضباط الجهلة الذين لا يفقهون من امور الدنيا شيئا ثم لا يلبثون ان ينسبوا لأنفسهم بطولات زائفة وزعامات خرقاء ترتكب الحماقات وتجر على الوطن اعظم الكوارث والنكبات ذلك لأن الثورة بمفهومها العلمي وحتى بمفهومها اللغوي تعني التغيير الى الافضل وبهذا الفهم فان هناك ثورة تحدث كل يوم في اليابان والولايات المتحدة وفي اوروبا تتمثل في ثورة المعلومات وفي هذه الانجازات العلمية التي يحققها العلماء كل يوم لتكون في خدمة البشرية جمعاء اما الانقلابات العسكرية التي حدثت وتحدث في بعض أقطارنا العربية فهي ابعد ما تكون عن الثورة بمفهومها الصحيح وليس هنا بالطبع مجال الحديث عن هذا الموضوع الذي أفردت له فصلا كاملا في كتاب اعكف على إعداده وارجو ان يكون قريبا بين يدي القراء فكرت في اول الامر ان القي على صديقي قولا ثقيلا يتناسب مع هول هذه الطامة الكبرى لعله يتذكر او يخشى ولكنني عدلت عن ذلك لأنني لم اكن اعرف تفاصيل ما حدث فرأيت ان انتظر حتى اسمع منه تلك التفاصيل غير ان رد فعلي كان مع ذلك مزيجا من الإشفاق والخوف على صديقي شكري أشفقت عليه لأنني اعرف انه لن يستطيع القيام بالمهمة التي كلف بها كما يريد هو بل سيدخل في صراع هائل مع صغار الثيران الذين انجبتهم الثورة ثم أني خفت عليه من التصفية الجسدية اذا وصل هذا الصراع مرحلة كسر العظم بينه وبين هؤلاء الثيران وكثير ما هم. ولقد جمعتنا لقاءات كثيرة بعد ذلك داخل الــــوطن وخـــارجه قضينا خلالها الساعات الطوال ونحن. نحاول ايجاد الطريق المناسب للخروج من هذه الورطة. كانت الاستقالة دائماً هي السبيل الامثل وقد حاول ذلك اكثر مـــن عشر مرات فيما اعلم سواء خلال سنوات رئاسته لما يسمى باللجنة الشعبية العامة او خلال رئاسته لمجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط كان شكري طوال هذه الفترة يعيش أسوا ايام حياته كان كمن يسير وقد تأبط شرا؟ كان يبدو غريبا بين هؤلاء الذين يحيطون به غريب الوجه واليد واللسان كما يقول المتنبئ لا احد يريد ان يفهمه ولا هو قادر على فهم ما يجري من بين يديه ومن خلفه وكان لابد ان يدفع ثمن ذلك كله من صحته وكان لابد له من الخروج من هذه الورطة القاتلة وجاءت الاحداث الاخيرة في ليبيا وكان الانقاذ على يديها وبسببها هكذا شاءت الأقدار واقتربت ساعة الخلاص لليبيا ولشكري في وقت واحد.
كانت الأسابيع القليلة قبل ان يتمكن من الخروج الى تونس تعادل في قسوتها ومرارتها كل تلك السنوات العجاف التي اكلت السنوات السمان من عمره وكنت خائفا عليه في تلك الفترة اكثر من اي وقت اخر وان كنت على اتصال به عبر الهاتف بين حين وآخر ولا اعرف لماذا احسست ان ساعة انشقاق شكري سيقرب ساعة انشقاق ليبيا مما هي فيه فهل اقتربت ساعة الخلاص للوطن بعد ان انشق شكري؟ من هنا جاء عنوان هذه الخاطرة اقتربت الساعة وانشق شكري. ‘ كاتب ليبي