في استمرارية الثورة العربية

حجم الخط
0

د. بشير موسى نافع

ما شهدته المدن السورية في الاسابيع القليلة الماضية، والجمعة الأخيرة على وجه الخصوص، لم يكن لأحد أن يتوقعه في منتصف آذار/مارس أو حتى بعد أسابيع من انطلاق أولى مظاهرات الاحتجاج السورية. أن يخرج السوريون بهذه الأعداد الهائلة في مدن مثل حماة وحمص ودير الزور، وفي أحياء وبلدات هي جزء لا يتجزأ من العاصمة دمشق، مثل القابون والقدم ودوما والزبداني، وأن يخرجوا بهذا التصميم في مواجهة موت متكرر ومحقق، وبهذه المناعة الصلبة في التعامل مع كافة وسائل الاحتواء، لم يكن أمراً تسهل رؤيته. إن كان لنا أن نستعير مقولة رددها أنصار النظام والناطقون باسمه آنذاك، فسورية ليست مصر أو تونس، بمعنى أن منظومة السيطرة والقمع السورية لا يكاد يوجد لها مثيل في أي من الدول العربية الأخرى، سواء التي شهدت أو تشهد حراكاً ثورياً، أو تلك التي تنتظر. وفي حين كان نظاما مبارك وبن علي معزولين كلية، فقد تمتع نظام الحكم السوري بشبكة واسعة من الامتدادات السياسية والإيديولوجية في المجال العربي. تطلبت الثورة ضد النظام السوري بسالة منقطعة النظير، وتطلبت حكمة جمعية رفيعة المستوى، وتطلبت صلابة ضد الإغراءات والاتهامات. وليس ثمة شك اليوم أن الشعب السوري كان هذه جميعاً.

لم يترك النظام وسيلة إلا وحاولها لاحتواء الثورة الشعبية أو قمعها في صورة كلية. حاول النظام أولاً المواجهة الأمنية الدموية المحدودة، سواء بإطلاق النار على المظاهرات أو باعتقالات استهدافية وعشوائية لناشطي الحراك الشعبي وكل من اشتبه في المشاركة بفعالياته. وعندما ظهرت في مدن مثل درعا واللاذقية وبانياس بوادر العصيان الشعبي واسع النطاق، لم يتردد النظام في نشر فرق عسكرية بأكملها في أنحاء البلاد، ورفع مستوى القمع إلى الاجتياح العسكري للمدن الثائرة، مهما بلغت الخسائر في أرواح الأهالي. والآن يحاول النظام دفع الأوضاع باتجاه الاحتراب الأهلي. وفي الوقت نفسه، توجه وسائل الإعلام السورية الرسمية، وتلك المؤيدة للنظام خارج سورية، للمتظاهرين كل أصناف التهم: عملاء لدول عربية معينة، عملاء للولايات المتحدة، مندسون ومجموعات مسلحة، طائفيون، مضللون، وسذج يهددون استقرار البلاد ودورها. وعندما لم تصلح مثل هذه الاتهامات، بدأت مرحلة جديدة من الاعتراف بأحقية المطالب الشعبية وتبني مسلسل من وعود الاصلاح القانوني والدستوري.

بيد أن مشكلة النظام الكبرى لم تزل على ما هي: أن الثورة السورية مستمرة، ومستمرة بلا هوادة.

في مصر، أطاحت ثورة الشعب بحكم الرئيس مبارك في خطوة من التوافق غير المكتوب بين الثورة الشعبية والجيش المصري، خطوة ليست غريبة تماماً على ميراث الوطنية المصرية ونمط سلوك مؤسسات دولتها. وكما السمة الغالبة على المزاج العربي عموماً، (اللهم ما عدا الحالة الليبية، التي تعيش التباساً من تدافع القوى) لم تستهدف الثورة المصرية بنية الدولة. أراد المصريون، كما قالوا تماماً، تغيير النظام، وتحرير دولتهم من الطبقة الحاكمة، التي لم تعصف بمقدرات البلاد وميراثها ومصالحها وحسب، بل وبمقدرات الدولة المصرية ذاتها. ولكن شيئاً ما لم تدركه الدوائر التي تسملت مقاليد الحكم في المرحلة الانتقالية بين انتصار الثورة الأولي، وإقامة نظام جديد للحكم. لم تدرك ربما أن نجاح الثورة في إطاحة رأس النظام السابق والمحافظة على جسم الدولة لا يعني بالضرورة تسامحاً مع النظام السابق أو تهاوناً في حقوق الشعب، أو استعداداً للمساومة على مستقبل البلاد.

تطلبت إطاحة حكومة أحمد شفيق، التي عينها الرئيس مبارك في أيام حكمه الأخيرة، موجة ثانية من التظاهرات المليونية والاعتصامات. ولكن حكومة عصام شرف التي خلفتها، والتي حمل رئيسها إلى موقعه على موجة غير مسبوقة من الثورة، ولدت مقيدة. سواء لمبررات دستورية أو لرغبات سياسية لم تزل مبهمة، لم يتح لرئيس الوزراء الجديد أي قدر من الحرية في اختيار وزراء حكومته أو إدارة شؤونها. وفي صورة أو أخرى، عادت عناصر النظام السابق وعقليته للسيطرة على مقدرات الدولة وتسيير شؤون البلاد. ثمة تهاون لا يخفى في محاسبة رموز الفساد المخلوعين، تشدد غريب في استخدام المحاكم العسكرية، إهمال معيب لحقوق أسر الشهداء والجرحى، وتباطؤ لا يخفى في تحديد مواقيت الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ونقل البلاد والدولة بالتالي لحكومة مدنية منتخبة ووضع دستوري جديد. ولكن المصريين لم يصبهم الملل بعد، ولا ركنوا للوعود. منذ 8 تموز/يوليو، عندما شهدت القاهرة وعدد كبير من المدن المصرية الأخرى مظاهرات حاشدة للتوكيد على أولويات الثورة، عاد الشبان المصريون للاعتصام في ميدان التحرير وفي ميادين الأربعين وسعد زغلول بمدينتي السويس والإسكندرية.

لم يكن حجم تظاهرات الموجة الثالثة من الثورة كما كانت عليه الحركة الشعبية في كانون ثاني/يناير وشباط/فبراير، ربما بفعل الانقسام الذي ضرب صفوف القوى السياسية التقليدية، أو لوجود شعور بأن المطالب الراهنة لا تستدعي حشد الملايين من جديد. ولكن الثورة المصرية مستمرة على أية حال، والشبان المصريون الذين فجروا ثورة كانون ثاني/يناير المجيدة، لم ينسحبوا من الشارع.

الثورة العربية مستمرة في اليمن، بالرغم من حجم التدخلات الإقليمية والدولية، والتصميم العصابي غير المسبوق لدى الطبقة الحاكمة على البقاء في الحكم. والثورة العربية تستمر في تونس بالرغم من محاولات الالتفاف بالغة التعقيد والدهاء التي تقوم بها الطبقة البورقيبية الحاكمة لإعادة انتاج النظام في صورة أكثر قبولاً وأقل صداماً. الشبان اليمنيون والتونسيون الذين أطلقوا الثورة في بلادهم، لم يغادروا الشارع ولا يبدون على استعداد للتراجع عن هدف تحقيق تغيير حقيقي، وعميق، وحثيث.

هذه المرة، لا تقود حركة الثورة العربية فئة أو تيار سياسي أو قوة اجتماعية واحدة؛ لا يقودها ضباط وطنيون ولا أحزاب أيديولوجية بعينها. حركة الثورة العربية هذه المرة هي حركة الشعب بأكمله، طبقاته المختلفة ومثقفوه ومهنيوه وقضاته وعلماؤه وأعلامه وأحزابه السياسية. وفي طليعة الحراك الشعبي الكبير، يقف أبناء الطبقة الوسطى، حارسة قيم ومواريث الأمم، عمادها الاجتماعي وضمانة بقائها واستمرارها، التي تعرضت لضغوط تدميرية هائلة خلال العقود القليلة الماضية. وإن كان خيار الثورة ليس الأسهل لدى أبناء الطبقة الوسطى، فإن الكفاءة التي تتمتع بها، والوعي الذي تختزنه، يجعل من العسير على الفئات الحاكمة استعابها متى قررت الثورة.

ولأن حجم الخراب الذي أوقعته الأنظمة الحاكمة، سيما في نصف القرن الأخير، بمقدرات البلاد العربية ودورها وموقعها على المسرح العالمي، لم يعرفه العرب في تاريخهم، وربما لم تعرفه أية أمة أخرى، فإن حركة الثورة العربية لا يمكن هذه المرة مساومتها. هذه ليست حالة من الهزيمة أمام العدو الصهيوني، ليست تواطئاً مع القوى الغربية ضد المصالح العربية، ليست تدهوراً مفاجئاً في الأحوال المعيشية لطبقة معينة من الشعب. ما تعيشه الشعوب العربية أسوأ من ذلك بكثير، أثقل وطأة، وأكثر شمولاً. بسيطرة الطبقة الحاكمة المطلقة على آلة الدولة وإخضاعها لأهدافها ومصالحها، لم تعد هناك مؤسسة تعليمية تعمل بأي مستوى من القبول، ولم تعد هناك هيئات قضائية تستدعي أية درجة من الاحترام والثقة؛ وبينما لا تثير مؤسسات الثقافة والإعلام الرسمية إلا السخرية، تعاني المؤسسة العسكرية من تدهور فادح في قدراتها ووظيفتها الأولية. في المناطق التي تشهد شيئاً مثل عملية التنمية، ينتشر الفساد كالوباء، ويعمل تحالف السلطة والثروة على تأبيد الحاجة والحرمان والفروق الفلكية في مستويات المعيشة والارتهان للقوى الاقتصادية الخارجية. ولأن صورة العرب لأنفسهم بلغت حداً من فقدان الثقة والاحترام غير المسبوق، لم يعد الاستخفاف بكرامة العربي، فرداً وشعباً، في مختلف مناطق العالم الأخرى، تتطلب حتى مجرد التفكير.

في ظل هكذا خراب، على ماذا يمكن للمجلس العسكري المصري، للطاعنين من بقايا العهد البورقيبي، لسخفاء حكمي عبد الله صالح والقذافي، أو لقادة النظام السوري اللامعين، أن يساوموا الشعب عليه؟ كيف لهم أن يقنعوا الملايين من الشبان العرب، في العشرينات والثلاثينات من أعمارهم، أن مستقبلهم سيكون أفضل مما عاناه آباؤهم على أيدي الأنظمة الحاكمة؟ ما لذي يمكن إرضاؤهم به بعد هذا الطوفان الكبير من الخراب؟

وهذه المرة لم يعد وعي العرب بأنفسهم والعالم ما كان عليه يوم سرقت أحلام الآباء والأجداد عشية إجبار الجيوش الأجنبية على المغادرة وتحقيق الاستقلال الوطني. لم يعد العرب على استعداد لتقبل وهم الركون إلى هيمنة نظام تحكمي وقمعي مقابل وعود الوحدة والاستقرار، ولا على استعداد لتقبل سيطرة الحزب الواحد وفقدان الحرية مقابل وهم الصمود أمام الأعداء الخارجيين، ولا هم على استعداد للصمت على إهدار الكرامة الإنسانية مقابل وهم مصلحة الجماعة. معرفة العرب بالعالم من حولهم أفضل مما كانت عليه في أي وقت مضى من تاريخهم الحديث، المعرفة الموضوعية الملموسة لا معرفة المفاجأة والانبهار، معرفتهم بمصالحهم المهدورة، ومعرفتهم بالقيم الإنسانية الأولية التي يجب أن تكفل للجميع، ومعرفتهم بإمكانات موقعهم على المسرح العالمي وإمكانات دورهم ومساهمتهم في تحقيق التقدم الإنساني. ولم يعد من الممكن للعرب اليوم التراجع عن الحقوق التي تفرضها معرفتهم هذه بالعالم، مهما بلغت وعود الأنظمة والطبقات الحاكمة.

ليس هناك ثورة مكتملة في التاريخ الحديث، ولكن هناك ثورات حققت الجزء الأكبر من وعودها، وأخرى سرقت أو أجهضت. وسيكون من الأفضل للشعوب، لاستقرار وتقدم البلاد العربية، وحتى للمصالح الضيقة للطبقات الحاكمة، أن يدرك الأخيرون أن الثورة العربية مستمرة، على نحو أو آخر، حتى يصل التغيير من العمق ما يقنع الأغلبية العظمى من الشعب.’ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية